أصبحت عملية التسوية على المسار الفلسطيني مثل صندوق الحاوي, الذي يضم صناديق أخرى داخله أصغر فأصغر, وهكذا بلا نهاية فيما يبدو , فقد تعثرت الاتفاقات الرئيسية والجزئية والفرعية, وفرعية الفرعية, وبات على المتابع ان يلهث للحاق بما يجري. هذا بالطبع ان تعلقت المتابعة بما يعلن عنه ويعرف وينشر على الملأ. ولأن السرية مازالت الطابع المسيطر على التفاوض, فمن المقرر ان هناك صناديق جانبية مليئة بالاتفاقات, لا يعلمها الا أهل المنغمسين في المسار. وبسبب هذه الخاصية التعقيدية, قد يزعم المرء باطمئنان ان هؤلاء المنغمسين (المفاوضين), بعضهم على الاقل, ما عادوا يحيطون بكل جوانب هذا المسار بشكل تفصيلي. فنحن اذن امام عملية مضنية مرهقة لأصحابها انفسهم, فما بالنا بالمراقبين عن بعد. لدينا, على حد العلم والعلنية, اتفاق اعلان المبادىء (أوسلو ــ 1993) واتفاق غزة أريحا (القاهرة ــ 1994), واتفاق اعادة الانتشار (طابا وواشنطن ــ 1995) واتفاق الخليل (1996 و1997), والآن واي بلانتيشن 1998. ولدينا طائفة من الاتفاقات التي تتعلق بجوانب الاقتصاد أو الأمن أو العبور, وثمة اتفاقات وأوراق عمل غير رسمية, كورقة بيلين أبومازن (نوفمبر 1995) التي تتناول الوضع النهائي للقضية الفلسطينية, واتفاقات امريكية اسرائيلية تخص المسار الفلسطيني, وضمانات ورسائل متبادلة امريكية فلسطينية, وتفاهمات تتصل بالمستوطنات والاماكن الدينية وأحيانا ببعض الشوارع او الحواري او الازقة. كل هذا, ومازال المضمون العائد على الجانب الفلسطيني بالغ المحدودية, شديد الضمور والقصور. نلاحظ ذلك على صعيد عودة الارض ومظاهر السيادة, وحرية الحركة, والتطور الاقتصادي, وأمن المواطن بل وحياته المعيشية كالعمل والتنقل والتعليم ومستوى الدخل, وبصفة عامة, بين يدينا زحمة في الاتفاقات حول القضية الفلسطينية, فيما القضية وفلسطين يظهران وكأنهما يغيبان من بعيد خلف الافق. والأصل في هذا الواقع العبثي هو غياب مرجعية العملية التفاوضية, التفاوض على المسار الفلسطيني هو عملية في حد ذاتها, لا يعرف لها بر أو شاطىء سوف تستقر عليه. ليس بوسع احد حتى الآن رغم هذا التراكم الممل من الاتفاقات معرفة مصير القضية الفلسطينية, الشعب والارض والسياسة والاقتصاد... الخ, ثمة غموض وضبابية مذهلة في هذا الاطار. لا يعرف المراقب, مهما أوتي من حصافة وقوة بصيرة الى اي المصائر تتحرك قضية فلسطين على نحو محدد: دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة؟, كونفيدرالية أو فيدرالية مع الأردن؟, كونفدرالية مع اسرائيل؟, أو مع اسرائيل والاردن في صيغة البنيلوكس الشهيرة؟, حكم ذاتي تحت سيادة اسرائيل الى أمد ممتد؟ على ان المراقب لا يعدم مؤشرات, تمكنه من تحديد الاتجاه العام للقضية, فنتائج التفاوض ومخرجات التسوية على المسار الفلسطيني, لا تبشر بعودة كل الاراضي المحتلة الفلسطينية, ولو في حدود الضفة وغزة الى السيادة الفلسطينية, ولا تبشر بعودة القدس, مصونة الجانب الى رحاب حكم فلسطيني خالص, حتى لو تعلق التوقع بشرقي المدينة وحده. ولا تبشر باستقلال فلسطيني مطلق عن هيمنة العدو الاسرائيلي مهما كانت الآفاق الجغرافية لفلسطين المستقبل. وليس ثمة ما يدعو للأمل في عودة اللاجئين الى مساقط رؤوسهم في فلسطين, ولا هناك بشائر لانسحاب المستوطنين من اراضي الضفة, ولا خضوعهم لسيادة فلسطينية حتى في حال نشوء دولة فلسطين. تقوم هذه التوقعات على استجلاب خبرة مسار التسويه في واقعه الراهن وأفقه المستقبلي, ان ظل هذا المسار بلا مستجدات فارقة, جولة واي بلانتيشن تكاد تكون معلما على طريق صحة هذه التوقعات, فطالما ان هذه الجولة, أكدت العمل خارج نطاق قرارات الشرعية الدولية, فلا أمل يرجى من تصحيح المسار واقترابه من فلسطين كما عرفتها هذه القرارات. وللتوضيح نلاحظ على سبيل المثال: ان المفاوض الفلسطيني أعلن عزمه على اعلان الدولة المستقلة بنهاية المرحلة الانتقالية (مايو 1999), وقدم في هذا السياق عرضا قانونيا دوليا طيبا, باعتبار ان نواياه تتفق وقرارات الامم المتحدة, لاسيما قرار التقسيم الشهير (1947), الذي مازال ساري المفعول. وكذا تتفق مع المبدأ الاممي المستقر, حق تقرير الشعوب لمصائرها, وكان هذا العرض مقنعا في جوهره, ويعني تصحيح حركة المفاوض واقترابه من الفهم المقبول, او الذي يصعب نبذه دوليا من الناحية الحقوقية. لكن الذي حدث, ان الجولة الاخيرة, ردت هذا المفاوض الى المنطق الحاكم لعملية التسوية على طريق اوسلو وتوابعه, ردته الى النفق الضيق بدلا من الانفتاح على رحاب الشرعية الدولية. ومؤدى هذه الانتكاسة, العودة الى دوامة التفاوض وإعادة التفاوض على التفاصيل والصغائر والولوج مجددا الى عباءة المفاوض الاسرائيلي المسنود بوسيط امريكي مراوغ, ومن ثم الاحتكام الى موازين القوى المجردة, وهنا يكسب المفاوض الاسرائيلي بلا جدال على انه بالاضافة الى ضياع فرصة الانفلات من قيود اوسلو وصيغتها البهلوانية, فقد تكون هناك خسائر اخرى, فالطرف الاسرائيلي الامريكي, اغتنم الفرصة, وكرس في واي بلانتيشن عددا من النقاط, منها دون حصر كامل, وفي حدود ما هو معلن: 1ــ ربط الجانب الفلسطيني بدوائر العمل الاستخباراتي بشكل محكم امريكيا وإسرائيليا, ومن المعلوم ان الداخل في هذه الدوائر مفقود والخارج منها مولود. 2ــ الاطلال الاسرائيلي والامريكي على الحياة السياسية الفلسطينية من الداخل وحجب تطورها الا في اطار المقبول بالنسبة لاسرائيل (ان وجود القوى السياسية الاسلامية المقاومة أمر غير معترف به هنا, وكذا اية قوة ترفع شعار المقاومة). 3ــ الاحاطة بالمسار الفلسطيني وتطويقه بمعزل عن الفرقاء الآخرين (غاب الاوروبيون والامم المتحدة تماما عن الجولة). 4ــ التحكم في مصير منظمة التحرير الفلسطينية التي يراد منها التخلي عن دستورها وإفراغها بذلك من محتواها قبل اقرار اطار سياسي فلسطيني جامع للداخل والخارج, وهذا المعلم يحرر اسرائيل من الفكر الاستراتيجي الفلسطيني ويطلق الفلسطينيين بلا اطار سياسي جامع عام ويدع المنظمة شكلا بلا حشو, يراد من وجوده المؤقت التوقيع باسم الشعب الفلسطيني على مخرجات مسار التسوية. 5ــ تهديد الحياة السياسية الفلسطينية بصدام داخلي.. صحيح ان الوعي الفلسطيني مستقر بخصوص ضرورة عدم الانصياع أو الانجرار لفكرة الاقتتال والاحتكام للسلاح, لكن ما الضمانة لئلا ينفلت الوضع الداخلي بفعل الضغوط الخارجية, أو بفعل انشقاقات داخلية وعناصر تمرد تحت قبضة الاجراءات الأمنية الصارمة. والراهن, ان جولة واي بلانتيشن عبرت عن استمرارية في مسار التفاوض والمحددات المحيطة به بأكثر مما انطوت على تغيير. وما على المتابع الا العودة الى منهجية أوسلو ومنتجاتها يوما بيوم لكي يعرف ـ ولعله لكي لا يعرف ــ ما الذي سيخرج من صناديق التسوية. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة*