على مائدة المفاوضات في واى بلانتيشن, كان هناك شريك رابع خفى, لم يكن له مقعد حول الدائرة, ولا صوت مسموع في المناقشات والمساومات, ولم تلتقط صورته كاميرات التلفزيون ووكالات الأنباء , ولم يرد اسمه ضمن باقات الشكر الجزيل التي اضافها رؤساء الوفود الثلاثة على كل من ساهم في وصول عملية التفاوض العويصة الى بر النجاح, ومع ذلك فهو صاحب الفضل الأول في هذه النتيجة. ذلك الشريك هو شبح الفتاة الامريكية اليهودية غير المصونة مونيكا ليونيسكي.. فقد كان هذا الشبح موجودا في رأس الرئيس الامريكي بيل كلينتون وهو يكافح حتى آخر قطرة عرق من اجل الفوز بخبطة رنانة على الصعيد الدولي ترفع رصيده لدى اعضاء الكونجرس الذين يستعدون من الان لمساءلته فيما جاء في تقرير المحقق المستقل كينيث ستار حول نزواته المعترف بها مع البنت اليهودية اللعوب.. وكان موجودا في رأس كل من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو وهما يراهنان ــ كل بما لديه ــ على حاجة كلينتون الملحة الى الفرقعة الاعلامية الهائلة التي لابد ان تصحب توقيع الاتفاق الفلسطيني الجديد حتى يكسب شيئا منه الى صفه كي يمرر الاتفاق, وهو يدرك مدى حاجته اليه. والذين تابعوا حفل توقيع اتفاق واى بلانتيشن على شاشات التلفزيون قد لاحظوا بلاشك علامات الوجوم على وجه نتانياهو وهو جالس الى يسار الرئيس الامريكي قبل ان يقول كلمته, وكأنه صبى بلّل فراشه وهو نائم, وارتعاش شفتى عرفات حينما ركزت كاميرا السى ان ان عدساتها على وجهه.. وكأنه غير واثق بما تم انجازه.. اما عريس الحفل بحق فكان بيل كلينتون.. وخاصة وهو يستمع الى عبارات المديح والثناء والتقدير من كل الذين تحدثوا بعده.. حتى ان وصف الجهد العظيم الذي بذله, والحكمة العميقة التي ابداها, والقدرة غير المسبوقة للتقريب بين موقفين كان مستحيلا ان يلتقيا, شغل اكثر من 20 بالمائة من خطابى الزعيم الفلسطيني ورئيس الوزراء الاسرائيلي. اما كلمة عاهل الاردن الملك حسين فكانت كلها تقريبا مركزة حول المعجزة التي حققها كلينتون.. حتى انه قال لمستمعيه بلغته الانجليزية السليمة جاء وبفصاحة يحسده عليها كل خطباء بريطانيا العظام بما فيهم ونستون تشرشل نفسه الذي قيل عنه انه خطيب العصر وكل العصور ــ أنه ــ أى الملك حسين ـ عاصر تسعة رؤساء امريكيين جلسوا على عرش البيت الأبيض منذ ايزنهاور, ومع انه يشهد لهؤلاء جميعا انهم كانوا رؤساء عظاما, الا ان اعظمهم جميعا هو بيل كلينتون.. الفرح اذن كان فرح كلينتون الذي راح الجميع يتبارون في تلميع وجهه حتى اصبح في براءة وجوه الاطفال, وفي تطهير ثوبه حتى اصبح مثل اصفى مرآة في البيت الابيض.. ومع ان معظم المعلقين يرجحون ان اتفاق واى بلانتيشن سوف يسهم اسهاما جادا في انقاذ كلينتون من السقوط تحت سنابك الكونجرس, الا ان هناك من يعتقد ان الجرعة الاعلامية الزائدة عن الحد قد تأتي بعكس نتيجتها, وفي هذا يستحضرون للذاكرة ان نجاح الرئيس الاسبق كارتر في كامب ديفيد لم يفده كثيرا في معركة انتخابات الرئاسة التي انتهت بفوز ريجان في مطلع الثمانينات. ونعود الى الاتفاق في حد ذاته.. وبدون كثير من الاسهاب يمكن القول بأن اتفاق واى بلانتيشن قد عاد بالنسبة للفلسطينيين ــ الى التفسير الاسرائيلي لاتفاقيات اوسلو, اي انه كله دار حول الانسحاب بنسبة 13 بالمائة التي وافق عليها الفلسطينيون منذ طرحها كلينتون.. وسماح اسرائيل بافتتاح مطار غزة, وبناء مرفئها البحرى (على ان يوكل ذلك الى لجنة مشتركة تبحث الامر), واقامة طريق آمن ذى شقين لربط قطاع غزة بأراضي السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية.. وفي مقابل ذلك قدم الجانب الفلسطيني كل التنازلات المطلوبة منه في المجال الأمني, وشمل ذلك الاتفاق على تعاون امنى لم تتحدد ابعاده بين الفلسطينيين والاسرائيليين, وقد يكون من اخطر علاماته ان يكون ذلك تحت اشراف السى اى ايه مباشرة, وبمشاركتها! ولم يتضمن الاتفاق اي شيء واضح فيما يتعلق بالمستوطنات, وعمليات التوسع الجارية فيها, والتي مازالت تحت قيادة ارييل شارون رغم توليه وزارة الخارجية. وما لم تكن هناك ملاحق لم تتم اذاعتها بعد, فان الاتفاق لم يتضمن اية ضمانات لتنفيذه من الجانب الاسرائيلي, حيث خول ذلك للجان مشتركة تضع الأساليب والوسائل اللازمة للتنفيذ. وهو امر يثير الكثير من الشك نظرا لسوابق نتانياهو الغريبة في التهرب والمراوغة واختلاق العراقيل. ويزيد من عوامل الشك وجود شارون على رأس الخارجية الاسرائيلية, وهو المعروف بعدائه الأصيل لأي اتفاق. وفي مجال النواحى الاخرى لاتفاق واى بلانتيشن نتوقف عند نقطتين.. الأولى هي الاتفاق على البدء فورا في محادثات الوضع النهائي التي تشمل القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود والمياه.. ومع ان هذا قد يبدو للوهلة الأولى انه كسب للفلسطينيين الا انه في الواقع لا يعنى شيئا فالمحادثات حول الوضع النهائي قد تبدأ غدا. ثم تستمر الف عام.. خصوصا وان هناك مواقف اسرائيلية معلنة رسميا وعمليا في صدد هذه القضايا المعلقة, وخاصة فيما يتصل بالقدس والتي يصرون على أنها العاصمة الموحدة لدولتهم, والتي يوجد بشأنها قرار من الكونجرس بنقل السفارة الامريكية اليها في مايو من العام المقبل, بما يعنى الاعتراف الرسمي من جانب الولايات المتحدة بالتعنت الاسرائيلي.. وكان من الممكن ان نفهم تعليق هذه القضايا الحيوية الى مفاوضات المرحلة النهائية لو كان هناك نص واضح يشير الى وقف أي تدابير من جانب اسرائيل لتغيير الوضع القائم بالنسبة للقدس, او المياه, او المستوطنات, لحين الانتهاء من المفاوضات بشأنها. ولكن الاتفاق فيما يبدو لم ينص صراحة على تجميد الوضع على ما هو عليه, الامر الذي يفتح الباب على مصراعيه لكى تواصل اسرائيل تدابيرها لتغيير الوضع القائم حتى يصبح اي تفاوض بشأنه امرا غير ذى موضوع. اما اخطر تنازل من جانب المفاوضين الفلسطينيين فهو التعهد للمرة الثانية بتغيير الميثاق الوطني الفلسطيني وشطب اية فقرات فيه يفهم منها انها تدعو لتدمير اسرائيل.. وعندما اعترض عرفات على تكرار هذا المطلب الاسرائيلي قائلا ان المجلس الوطني الفلسطيني قد الغى فعلا تلك الفقرات من الميثاق منذ عام 1996, تم الاتفاق اخيرا على ان يعقد المجلس المركزي الفلسطيني اجتماعا في بحر شهرين من الانسحاب لاسرائيلي, ويلى ذلك اجتماع آخر موسع يضم الى جانب المجلس المركزي اعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وأعضاء المجلس التشريعي وممثلى المنظمات الشعبية, على ان يكون ذلك بحضور الرئيس الامريكي كلينتون.. في مدينة غزة.. والذى يثير الانتباه هو اصرار نتانياهو على تغيير الميثاق الوطنى الفلسطيني مع أنه يعلم تماما ان الدعوة المزعومة لتدمير اسرائيل حتى قبل الغاء الاشارات التي يفهم منها ذلك مجرد كلمات انشائية لا سند لها من واقع ولا حتى من نوايا, في الاقل على ضوء الخلل الظاهر حاليا في موازين القوى.. والسؤال هو, لماذا اذن كان هذا الاصرار الغريب من جانب نتانياهو على هذه النقطة ـ التي تعتبر تحصيل حاصل. لدرجة انه هدد في اليوم الأخير قبل توقيع الاتفاق بالانسحاب من المفاوضات والعودة الى اسرائيل ما لم يوافق الوفد الفلسطيني عليها في نص الاتفاق.. والجواب واضح. وهو ان اثارة موضوع تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني على الساحة الفلسطينية كفيل بان يفجر معارضة شديدة العناد ضد الاتفاق كله, وضد ياسر عرفات بالذات, الامر الذي يأمل معه نتانياهو واشباهه ان يتحول الى معركة عنيفة يتحول معها الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي الى صراع فلسطيني فلسطيني.. وهذا حلم اسرائيلي قديم.. ومع ذلك, فان الاتفاق الذي تم توقيعه في واى بلانتيشن, اذا كان قد جاء ادنى كثيرا مما يأمل الفلسطينيون الا ان الاعتقاد السائد هو ان احدا لا يملك المزايدة على السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. ومن ثم, فانه مهما كانت لدى سائر العرب من ملاحظات حول الاتفاقية الأخيرة فان السبب الرئيسي فيها هو عدم الثقة بالجانب الاسرائيلي, وغنى عن البيان ان اساليب رئيس الوزراء نتانياهو ومراوغاته المقززة منذ تولى السلطة هي السبب في عدم الثقة, وشك العرب جميعا, فلسطينيين وغير فلسطينيين في صدق نواياه.. وهنا يكون للعامل الامريكي التأثير الحاسم في تطبيق الاتفاق بعد توقيعه.. ولكن تبقى بعد ذلك تخوفات لا يملك العرب تجاهلها, الا وهي ان الجهد الامريكي من اجل التوصل الى توقيع الاتفاق قد حقق بالفعل الهدف من ورائه, الا وهو تلك المظاهرة الاعلامية الضخمة التي واكبت حفل التوقيع.. ومن ثم, فمن المحتمل جدا الا يستمر بنفس الزخم الذى شهدته ايام واى بلانتيشن التسعة.. غير اننا نرجو الا يكون تشاؤمنا في محله. وان يكون الامريكيون والاسرائيليون قد ادركوا حقيقة ان السلام ــ بمواصفاته الراهنة ــ كسب كبير لهم, اكثر مما هو للفلسطينيين والعرب.. وان التنازلات التي حصلت عليها اسرائيل في معركة المفاوضات ـ منذ كامب ديفيد حتى واى بلانتيشن, مرورا بأوسلو والاتفاق مع الاردن ـ تستحق التمسك بها.. وانها يمكن ان تكون خطوات حقيقية من أجل مستقبل افضل لاسرائيل, وللمصالح الامريكية قبلها وبعدها.. ولعل الذين استمعوا بعناية لكلمة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في حفل توقيع الاتفاق قد لاحظوا حقيقة ما عناه بقوله ان السلام يعنى فتح الافاق بلا حدود للتعاون العربي الاسرائيلي.. هذا التعاون الذي يمثل الجائزة الكبرى لاسرائيل, والمغزى الذي يعنونه بشعار اسرائيل الكبرى.. ومضمون المشروع الذى بشروا به منذ سنوات بعيدة, والذى لايزال يبشر به مفكروهم من أمثال شيمون بيريز, في اقامة سوق شرق اوسطية تعتمد على التكنولوجيا الاسرائيلية المتفوقة (مع تجاهل حقيقة انها تكنولوجيا امريكية مستوردة في الأساس), ورؤوس الاموال العربية, والعمالة العربية التي يبلغ حجمها اكثر من 70 مليون يد قادرة على العمل والانتاج.. ومفهوم بداهة ان اصحاب التكنولوجيا سيكونون هم العقل المدبر, والجهاز المسيطر على هذا التجمع الشرق اوسطى في ظل السلام.. ولعل الحديث هنا لا يكفى للاحاطة بكل جوانب هذا المشروع الامريكي الاسرائيلي الذي يعدونه لاستثمار اجواء السلام.. ولكن كل المطلوب منا على الاقل ان نفهم الابعاد الحقيقية لما يخططون, ويدبرون.. وان نعرف نحن بدورنا ما الذى يجب علينا ان نفعله ازاء هذا التخطيط والتدبير. وقد يكون اولى بنا ان نرقب ما سيجرى داخل اسرائيل بعد عودة نتانياهو وشارون وموردخاى وزمرتهم الى اسرائيل عقب توقيع الاتفاق. فالواضح الان من ردود الفعل الأولى ان الاحزاب الدينية المتطرفة تستعد لخوض معركة فاصلة لوقف تنفيذ الاتفاقية التي وصفتها بأنها خيانة مدمرة للعقيدة الصهيونية.. واذا كنا ندرك جيدا من سلوك نتانياهو وتصرفاته منذ جاء للسلطة انه في حقيقته يعتنق كل توجهات اولئك العنصريين المتطرفين الذين اشركهم معه في حكومته.. فان الأرجح هو ان يتآمر معهم لاختلاق العراقيل في وجه اتفاق واى بلانتيشن ووقف تنفيذه.. وسوف تظهر الأيام القليلة المقبلة ما اذا كان نتانياهو يستحق الثقة, او هو كما نعرفه غير جدير بها.. فاذا استمر في تحالفه مع الأحزاب الدينية المتطرفة, فان هذا يعني انهم يدبرون معه وسائل ابقاء الاتفاق مجرد حبر على ورق في سبيل مرضاة كلينتون وليس في سبيل البحث عن السلام.. والا, فان البديل الوحيد الذي يمكن ان يفتح الطريق للثقة, هو ان يفض نتانياهو تحالفه مع مهاويس الاحزاب المتطرفة المعادية للسلام, وان تشهد في وقت قريب حكومة ائتلافية بين الليكود والعمل. ومع ان حكومة مثل هذه قد تكون اشد خطرا, لأنها ستكون اشد قوة, الا انها على أية حال اقرب الى تنفيذ مهام السلام.