اذا كان من العسير الوقوف على كافة تفاصيل وخطوط وحقائق وملاحق " اتفاق " أو " مذكرة " " واي بلانتيشن " الملغمة , فانه لمن اليسير نسبيا الاكتفاء بقراءة وتحليل أبعاد مااتفقت الأطراف المعنية على نشره بغية الخروج باستخلاصات أساسية مفيدة تكشف جوانب بالغة الأهمية في الاتفاق - المذكرة . ولعلنا نثبت بداية الحقيقة الناصعة بان هذا الاتفاق - المذكرة جاء بعد مخاض طويل ومضن ومتعب ومقرف الى أبعد الحدود , وبعد نزيف هائل " مبرمج " مرعب لكل عناصر الطاقة والصحة السليمة , مما أنجب لنا مولودا ناقصا مشوها محاصرا بأجواء ملوثة يبدو حسب جل المؤشرات انها عصية على التنقية والتنظيف , مما يترتب عليه بالتالي حسابات غامضة ومتضاربة ومتقلبة بفعل حقول الألغام المرصوفة على طريق التنفيذ , وبفعل المفاجآت والتقلبات أو الانقلابات التي قد تحدث رغم أنف الجميع أو برغبة ونوايا مبيتة لدى نتانياهو وأقطاب حكومته الموغلين في التطرف والتشدد والعداء المبدئي الاستراتيجي لتسوية تاريخية تفضي الى منح الفلسطينيين " الحد الأدنى " من حقوقهم المشروعة المغتصبة والمتمثلة في حق تقرير المصير واقامة الدولة المستقلة فوق تراب هذا الجزء اليسير من أرض فلسطين الكبرى المحصور في الضفة الغربية وقطاع غزة . اذن نحن أمام ولادة عسيرة جاءت في حضن أجواء ملوثة من شأنها القضاء ان عاجلا أم آجلا على هذا الوليد الناقص المشوه الملوث . غير أننا لا يسعنا في الوقت ذاته أن نغفل القوة الهائلة والوسائل والأدوات الضخمة التي توظف في خدمة هذا الوليد بغية حقنه بجرعات وجرعات من حقن الانعاش والاحياء والتصليب كي تتغلب ارادة الحياة والوجود لديه على كل عوامل التقويض والدمار والأندثار وفي ضوء كل هذا تصبح لدينا حسابات الحقل والبيدر غاية في الصعوبة وان كان بالامكان التعاطي مع المبادىء والأسس والأهداف الأساسية القائمة بالأصل في الاتفاقات والمذكرات السابقة التي أبرمت على مدى السنوات الخمس الماضية . وكي نقترب موضوعيا الى أقرب نقطة تماس في حسابات الحقل والبيدر لا بد لنا من الوقوف أمام جملة من العناوين والمحاور والقضايا الواردة نصا في الاتفاق - المذكرة أو الكامنة بين سطوره , وأمام جملة من الدلالات والاستخلاصات عبر قناة الميزان الاسرائيلي من جهة , والميزان الفلسطيني للاتفاق - المذكرة من جهة أخرى . النسب ولعله من الأجدى بداية تقرير وتثبيت حقيقة " النسب " المتعلقة بـ " الانسحاب " أو "اعادة الانتشار " العسكري الاسرئيلي في الضفة الغربية . فوفق ما جاء في المقترحات الأمريكية يتوجب على " اسرائيل " أن تعيد الانتشار فيما نسبته 1.13% من مساحة الضفة الغربية , فما الذي حدث حقيقة في هذه المسألة وكيف باتت النسب والأرقام وبالتالي الحقائق على الأرض الفلسطينينة المحتلة ...؟! . الحقيقة الملموسة أن نتانياهو نجح في المماطلة والتمويه واشغال الفلسطينيين والأمريكيين والعرب على مدى نحو ثمانية عشر شهرا تقريبا في قصة " النسب " التي تمكن من خفض سقفها من حوالي 40% حسب المطالب الفلسطينية الى 1.13% حسب الاقتراح الأمريكي . فبدلا من أن تنشغل وتحتشد الأطراف المعنية وراء موقف واضح وصريح وحاسم يطالب الحكومة الاسرائيلية الاحتلالية على سبيل المثال بتنفيذ الاستحقاقات المتأخرة عليها من الاتفاقيات المعقودة وبدلا من أن تتخذ هذه الأطراف موقفا حقيقيا ضاغطا لاجبار تلك الحكومة على تنفيذ تلك الاستحقاقات , شاهدنا كيف تعاطت بلا حول وبخجل بالغ مع اللعبة التضليلية التنويهية التكتيكية الاسرائيلية - لعبة النسب. فأصبح الجميع لا حكاية له سوى حكاية النسب وحجم النبضة وبرنامج تنفيذها وهي المسألة الأهم هنا والتي ربطها نتانياهو باشتراط " التبادلية " وتنفيذ الجانب الفلسطيني للاشتراطات الأمنية . وليس هذا فحسب , اذ نجح نتانياهو باشغال الجميع بقصة ال 3%التي اصطلح على تسميتها بــ " المحمية الطبيعية " أو " المناطق الخضراء " . وعلى أية حال فان الخريطة القائمة الآن في الضفة الغربية كما يلي :- خريطة الضفة الغربية القائمة اليوم تنقسم الى ثلاثة أقسام حسب أوسلو - ب - : المنطقة - أ - - مساحتها 7.2% تقريبا وتخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة . المنطقة - ب - - مساحتها نحو 24% من مساحة الضفة - سيطرة مشتركة - . المنطقة - ج - - مساحتها نحو 73% . - سيطرة اسرائيلية كاملة - . وستصبح خريطة الضفة اذا ما نفذ الانسحاب الاسرائيلي في اطار النبضة الثانية كما يلي :- تقضي النبضة الثانية بانسحاب اسرائيلي من 1.13% من المنطقة - ج - الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية الكاملة كما يلي : - 1% منها تنقل الى المنطقة - أ - الفلسطينية . - 1.9% تنقل للمنطقة - ب - المشتركة الخاضعة للسيطرة الأمنية الاسرائيلية الكاملة وللادارة المدنية الفلسطينية . - 3% تتحول الى محمية طبيعية تحت السيطرة الأمنية الاسرائيلية الكاملة , وتحت فيتو اسرائيلي ضد الصلاحيات المدنية الفلسطينية حينها . ويقضي الاتفاق أيضا بأن تسلم " اسرائيل " ما نسبته 2.14% من المنطقة - ب - الى المنطقة - أ - الفلسطينية لتصبح المساحة التي ستخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة : 7.2 % في الأصل 2.14 % في الاتفاق الأخير 1 % في الاتفاق الأخير أيضا . المجموع 9.17 % أي أن المساحة التي ستصبح تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة - بعد التنفيذ - نحو 18% فقط , في حين كان يجب أن تكون هذه النسبة حسب الطرح الفلسطيني المتكرر نحو 40%. والخلاصة - بعد التنفيذ - أن 18% ستكون مناطق - أ - فلسطينية خالصة , و22% مناطق - ب - تحت السيطرة الأمنية الاسرائيلية الكاملة - أي احتلال عسكري مباشر الى حين ...؟! , و60% من مساحة المنطقة - ج - تحت السيطرة الاسرائيلية العسكرية المدنية والاستيطانية الكاملة . بلا خرائط ولا تقل لعبة الخرائط الاسرائيلية خطورة عن لعبة النسب , فرغم التوقيع على الاتفاق- المذكرة , الا أن نتانياهو لم يحمل معه أي خرائط تبين خطوط ومناطق الانسحاب , وكانت مصادر اسرائيلية أكدت قبل عقد القمة أن نتانياهو لن يحمل معه خرائط , وذكرت مصادر اسرائيلية بعد التوقيع أن نتانياهو ما زال يرفض - حتى اليوم - تسليم الفلسطينيين أي خرائط تشرح مواقع الانسحاب الاسرائيلي , وحسب المصادر الاسرائيلية المختلفة فان تحديد ورسم خطوط ومواقع وشروط " الانسحاب " هي صلاحية اسرائيلية فقط . وحسب ما يجري على الأرض من حقائق فانه من الواضح أن مسألة رسم الخرائط بيد اسرائيل اذ لا يعرف الفلسطينيون حتى الآن أي مواقع ستنسحب منها قوات الجيش الاسرائيلي ...؟! وحسب الخرائط الاسرائيلية المعلنة وهي عديدة ( خريطة نتانياهو , خريطة المصالح الحيوية , خريطة الجهات الأمنية - خريطة حزب المفدال , وخريطة شارون وغيرها ) , فان اسرائيل ستحتفظ بسيطرتها على المناطق الواقعة شرقي " الخط الأخضر " والممتدة على سلسلة الجبال الأولى , وستحتفظ بالسيادة على غور الأردن والمنحدرات الجبلية حتى عمق يمتد الى 15 كم من نهر الأردن وساحل البحر الميت الى عمق صحراء جنوب الضفة , وستحتفظ كذلك بأربعة ممرات آمنة تقطع الضفة الغربية من الغرب الى الشرق لتصل الى غور الأردن . ولعلنا نشرح في دراسة لاحقة مضامين وابعاد وأخطار الخرائط الاسرائيلية المختلفة وبالاخص منها خريطة " الون + " التي تبناها وطرحها نتانياهو في الشهور القليلة الماضية . الميزان الاسرائيلي ونعود الى بنود ونصوص الاتفاق - المذكرة في " الميزان الاسرائيلي " - أي ميزان الربح والخسارة من وجهة النظر الاسرائيلية , فنؤكد باديء ذي بدء أن هذا الاتفاق الموقع من قبل نتانياهو الذي انتخب أصلا كرمز وممثل لمعسكر اليمين واليمين المتشدد المعارض لاوسلو وكل عملية السلام " , قد زاد من حدة الانقسام السياسي الاسرائيلي ولكن هذه المرة ليس بين المعسكرين الكبيرين " اليسار " و " اليمين " , وانما على مستوى معسكر " اليمين " نفسه , الذي يبدو وفق المؤشرات الاسرائيلية انه بات منقسما على نفسه , وقطاعات هامة منه باشرت بالعمل لاسقاط نتانياهو, الذي يحظى من جهة أخرى بحماية أو " شبكة أمنية " برلمانية من حزب العمل وقوى اليسار والقوائم العربية في التصويت على الاتفاق فقط. في حسابات " الميزان الاسرائيلي " للاتفاق ورد التقييم التالي كما نشرته صحيفة يديعوب أحرونوت في عددها الصادر يوم 25/10/1998 : جاء في التقرير القول أنه من ناحية اسرائيل , فقد تمت الموافقة على المطالب الأساسية التي أصرت عليها اسرائيل وخاصة في الموضوع الأمني- كما يلي :- التبادلية - تمت الموافقة على المطالبة الاسرائيلية بأن تنفذ السلطة الفلسطينية التزاماتها قبل تنفيذ مراحل الانسحاب . حجم الانسحاب - وافقت اسرائيل على الانسحاب من 1.13% وفق المقترحات الأمريكية بعد أن كانت قد أصرت قبل ذلك على انسحاب من رقمين . مكانة منطقة المحمية الطبيعية - بقيت المسؤولية الأمنية وصلاحيات ترخيص البناء الفلسطيني بيد اسرائيل . محاربة الارهاب - التزمت السلطة الفلسطينية بمحاربة البنية التحتية للارهاب وباستئناف التعاون الأمني مع اسرائيل , كما التزمت باخراج (( المنظمات الارهابية )) عن القانون - حسب المصطلحات الاسرائيلية . جمع الأسلحة - ستنفذ السلطة الفلسطينية بند جمع الأسلحة غير القانونية حسب طلب اسرائيل . تقليص حجم الشرطة الفلسطينية - ستحصل اسرائيل على أسماء أفراد الشرطة الفلسطينية لكن ليس واضحا حسب نص الاتفاق فيما اذا كان سيقلص عدد أفراد الشرطة أم لا . منفذو العمليات المسلحة - تراجعت اسرائيل عن مطالبتها بتسليمها 36 فلسطينيا متورطين - حسب تعبيرها - في عمليات ضد اسرائيل ومن ضمنهم غازي الجبالي قائد الشرطة الفلسطينية . النبضة الثالثة - ستكون بأيدي اسرائيل الصلاحية النهائية بتحديد حجم النبضة الثالثة لكن لم يتفق على مطالبة اسرائيل بأن تحدد النبضة الثالثة بنسبة 1% فقط. مفاوضات التسوية الدائمة - تمت الموافقة على مطالبة اسرائيل بالشروع فورا بالمفاوضات حول التسوية الدائمة . الاعلان عن الدولة الفلسطينية - على عكس مطالبة اسرائيل فان عرفات حر في أن يعلن عن الاستقلال في 4 أيار 1999 بصورة أحادية الجانب . تبين ان الخطوط الأساسية في الميزان الاسرائيلي بان الانجازات الاسرائيلية الواضحة والصريحة تتمثل في : المذكرة الأمنية التي تلزم السلطة الفلسطينية بتنفيذ الاجراءات الأمنية ضد المعارضة الفلسطينية وفق الرؤيا أو المطالبة الاسرائيلية . ربط تنفيذ مراحل الانسحاب بقيام السلطة بالاجراءات الأمنية - حسب نظرية التبادلية الاسرائيلية. تحديد نسب وخرائط الانسحاب بقيت بيد " اسرائيل, بما في ذلك النبضة الثالثة التي تصر الحكومة الاسرائيلية منذ الآن على أنها لن تتجاوز ال 1% من مساحة الضفة. 8 سيناريوهات وفيما يتعلق بوضع ومستقبل حكومة نتانياهو في ضوء المعارضة اليمينية الاسرائيلية القوية للاتفاق , فقد أجمعت مختلف المصادر الاسرائيلية على أن اسرائيل تسير الى انتخابات جديدة على الأرجح أن تجري في مطلع مارس المقبل. وطرحت صحيفة معاريف الاسرائيلية في عددها الصادر يوم 25/10/1998 ثمانية سيناريوهات محتملة ستواجهها حكومة نتانياهو كما يلي :- 1- الحكومة ستواصل عملها - اذ من المنتظر ان تصادق الحكومة والكنيست على الاتفاق , ولن يقوم اليمين باسقاط الحكومة خوفا من ان يصعد اليسار الى الحكم . 2- اليمين يسقط الحكومة - تصادق الحكومة والكنيست على الاتفاق بمساعدة شبكة أمنية من حزب العمل , ويكمن اليمين للحكومة , ويقدم اقتراحا بحجب الثقة عنها , في المواضيع الاجتماعية , حيث تنضم اليه المعارضة , وفي هذه الحالة ستجري انتخابات جديدة خلال 60 يوما أو في أي موعد آخر يتفق عليه الحزبان الكبيران . 3- نتانياهو يبادر الى تقديم موعد الانتخابات - تصادق الحكومة والكنيست على الاتفاق , لكن نتانياهو يقرر الذهاب الى انتخابات جديدة بمبادرة منه مفترضا أنه سيفوز فيها . 4- الحكومة لا تصادق على الاتفاق - في هذه الحالة لن يلتزم نتانياهو بتعهداته الدولية وبالتالي قد يقدم استقالته , وعلى ذلك فان الانتخابات قد تجري خلال 60 يوما فقط , أو قد يتم تشكيل حكومة وطنية . 5- نتانياهو يحل الكنست - يحظى الاتفاق بأغلبية , لكن المعارضة واليمين يواصلان التهديد باسقاط الحكومة ويتوجه نتانياهو للرئيس ويطالب بانتخابات جديدة خلال 60 يوما . 6- تمرير قانون تقديم موعد الانتخابات - يتم المصادقة على الاتفاق في الكنيست , لكن اليمين يعمل بمساعدة رئيس لجنة القانون والتشريع حنان بورات , لسن قانون جديد لتقديم موعد الانتخابات , وقد أعلن حزب العمل انه في هذه الحالة ان يوفر شبكة أمن لنتانياهو . 7- الحكومة تسقط في معركة حول الميزانية - ثم المصادقة على الاتفاق , لكن الضربة للحكومة توجه خلال التصويت على الميزانية , فاذا لم يتم المصادقة على ميزانية الدولة حتى مارس 1999 يجري حل الكنيست فورا . 8- الكنيست تعزل رئيس الوزراء - يتم المصادقة على الاتفاق , لكن بدل العمل من أجل تقديم موعد الانتخابات , تتوفر غالبية من نحو 80 عضو كنيست لعزل نتانياهو. الميزان الفلسطيني أما من وجهة النظر الفلسطينية فقد طالب الفلسطينيون بتطبيق المبادرة الأمريكية ومن ناحيتهم فان الانجازات تجمد القيود الأمنية التي فرضت على السلطة. وفيما يلي تفاصيل الميزان الفلسطيني من وجهة النظر الفلسطينية :- الصداقة مع الولايات المتحدة - ثروة استراتيجية ستمكن من اقامة تعاون أمني ومساعدات مالية . نقل الأراضي - المناطق التي ستنقل ستضاعف حجم السيادة الفلسطينية . مطار الدهنية , ميناء غزة , الممر الآمن بين غزة والضفة - سيتم فتحها كلها خلال فترة قصيرة وستقلص الارتباط الفلسطيني باسرائيل . تجميد البناء في المستوطنات - تمت الموافقة على المطالبة الفلسطينية بتفهم صامت . الاعلان عن الدولة - لم يلتزم عرفات بالامتناع عن اعلان الاستقلال في الرابع من مايو 1999. الأسرى - سيتم اطلاق سراح ما مجموعة (( 750)) أسيرا فلسطينيا. فيما أجمعت المصادر الفلسطينية الرسمية وشبه الرسمية على أن هذا الاتفاق سيقود الى قيام الدولة الفلسطينية على المناطق السيادية الفلسطينية , دو أن تشير تلك المصادر الى حقيقة أنه تم الاتفاق على عقد قمة أخرى قبيل الرابع من مايو /99 لبحث مسألة الاعلان الفلسطيني عن الدولة الفلسطينية . ما بعد الاتفاق * لا يمكننا القول بثقة كما يبالغ بعض المنظرين للاتفاق , أن قطار " أوسلو " عاد ليصعد على سكته من جديد , وأن هذا الاتفاق أعاد البوصلة المفقودة للعملية , ذلك أن نتانياهو هو هو لم يتغير ... وشارون هو هو لم يتغير ... والبرنامج السياسي والخرائط التسووية الاسرائيلية الاحتلالية هي هي لم تتغير . فضلا عن أن الاتفاق يواجه عمليا جملة من التحديات والعراقيل التي قد تحبطه أو "تشظية " مرة أخرى الى عناوين وقضايا جديدة تحتاج الى عمليات تفاوض جديدة , كما حدث وأن كانت عملية التفاوض حول الاتفاق الجديد هي " اعادة تفاوض على ما اتفق عليه أصلا في الاتفاقيات السابقة " . ولا نستبعد أبدا أن يفتح نتانياهو صفحات جديدة من المفاوضات حول تفاصيل قضية الأسرى مثلا , أو قضية حجم الشرطة الفلسطينية , أو جمع الأسلحة " غير القانونية " , أو في القضية الأمنية الأساسية الكبيرة المتمثلة بمحاربة " الارهاب ", حيث نعتقد أن كل الاجراءات الفلسطينية في هذه القضية لن ترضي في المحصلة الحكومة الاسرائيلية . وبالتالي قد تشكل كل هذه القضايا , أو أي قضية منها تحديات متراكمة على الطريق أو تحدياً كبيراً أساسياً قد يعطل تنفيذ الاتفاق برمته ...! ولعل التحدي الأكبر والأخطر والذي يجمع عليه المسؤولون والسياسيون والباحثون والمحللون المختصون يتمثل في قضايا المرحلة النهائية . فان كانت المفاوضات " العقيمة " الطويلة المضنية حول القضايا والاجراءات الانتقالية المرحلية قد أسفرت عن ولادة عسيرة لمولود مشوه كل هذا التشوه , بحيث أن قابلية حياته مرهونة بتنقية الأجواء الملوثة من حوله وهذه المهمة بالاساس خاضعة للغطرسة والاشتراطات الاسرائيلية التعجيزية , فكيف ستكون عليه حقيقة مفاوضات التسوية الدائمة حول القضايا الكبيرة المتفجرة المتعلقة بالأرض والشعب والسيادة والدولة والمستقبل ...؟! سؤال الدولة الفلسطينية ...! ويبقى في ظل كل هذا الكم الهائل من المعطيات والحقائق والسيناريوهات , سؤال الدولة الفلسطينية هو الأهم والأخطر والأكثر حسما ومصيرية , وهو الذي من شأنه أن يضع النقاط على الحروف في نهاية الأمر فيما يتعلق بمصداقية وجدية "عملية السلام " برمتها . وليس من شك في أن مسألة الدولة الفلسطينية ستشكل لحظة الحقيقة التاريخية بالنسبة لكل الأطراف المعنية بالعملية بشكل عام , وبالنسبة للشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص . ففي حين تسير القافلة الفلسطينية - بالاجماع - باتجاه الدولة الفلسطينية ان عاجلا أم آجلا , نرى أن الجانب الآخر وهو الأقوى والأقدر على فرض خرائطه - بالملموس - يجمع على حكم ذاتي فلسطيني أو كيان فلسطيني ( يمكن أن يسميه الفلسطينيون كما يريدون ) مجرد من مقومات السيادة والاستقلال والحدود والأمن والخارجية والاقتصاد وغير ذلك ... ؟ ! . استخلاصات مكثفة * واذا كان لنا على أرضية كل ذلك أن نتوقف أمام استخلاصات مكثفة في أعقاب الاتفاق الأخير , فاننا نقول : أولا : الحسابات ... حسابات الحقل والبيدر في الاتفاق - المذكرة مختلفة متفاوتة متضاربة بين الأطراف الأساسية , وليس بالضرورة أن تتطابق في المحصلة حسابات الحقل مع حسابات البيدر , فربما تختلف عنها بصورة مذهلة . ثانيا : ان هناك جملة من التحديات والعراقيل أمام الاتفاق أخطرها تلك النوايا والخرائط الاسرائيلية الاحتلالية الابتزازية الكامنة على الطريق , والتي ترمي الى تكريس الاحتلال والاغتصاب وابتلاع معظم أراضي الضفة الغربية . ثالثا : حتى وان نفذ الاتفاق - على طريقة المتفائلين المبالغين في تفاؤلهم - فان التحديات والقضايا الكبيرة الجوهرية المتفجرة قادمة على الطريق . رابعا : هناك احتمال بان ينسحب نتانياهو من التزامه بالاتفاق عن طريق لعبة الانتخابات , أو عن طريق تعطيله وتحويله الى جزئيات وشظايا جديدة - وهذا من شأنه كما هو معروف. خامسا : انه رغم هذا الاتفاق فان كل السناريوهات والاحتمالات والآفاق مفتوحة . سادسا : ان المرحلة القادمة من تنفيذ الاتفاق أولا , ومن المفاوضات حول القضايا الأساسية ثانيا ستكون حبلى بأحداث كبيرة .. وبمنعطفات ومفترقات طرق مصيرية وحاسمة , وخاصة على صعيد سؤال الدولة الفلسطينية . سابعا : ولعل أهم الاستخلاصات الملحة تتمثل بضرورة أن يعيد الفلسطينيون والعرب ترتيب أولوياتهم وخطاباتهم السياسية والاعلامية في التعامل مع دولة احتلال غاشمة , ومع برنامج سياسي / استيطاني / تهويدي اغتصابي سافر تتبناه وتطبقه الحكومة الاسرائيلية مع سبق التخطيط والنوايا المبيتة .. هذه هي صورة المرحلة الراهنة ... وستكون كذلك في المرحلة المقبلة , فمشروع الاحتلال لن يتغير بين ليلة وضحاها ... ولن يتغير أو يتراجع الا على قدر جديتنا وبذلنا وعطائنا واصرارنا على استعادة الأرض والحقوق المغتصبة بشتى الأسلحة والوسائل والخيارات المتاحة .