مرت خمس سنوات ونيف منذ تم التوقيع على اتفاق اوسلو, ويقترب الآن بتسارع الموعد الزمني الذي يحدده الاتفاق لنهاية المرحلة الانتقالية في الرابع من مايو 1999. وعبر اكثر من خمس سنوات من التفاوض والتطبيق, والتفاوض على سبل التطبيق, انتهت مسيرة اوسلو الى استعصاء مستحكم, وهو ما توقعه البعض لها منذ البداية . بات واضحا الآن ان هذه العملية, بمرتكزاتها العرجاء وتناقضاتها الداخلية, ليست هي السبيل الى ارساء السلام والاستقرار في المنطقة, وليست هي الممر الى نيل الحقوق الوطنية لشعبنا. ان حصيلتها سلبية على كل صعيد: فالاستيطان لم يتوقف بل تسارع تسارعاً محموماً ووتيرة نهب الارض تضاعفت. وعملية تهويد القدس بلغت مستوى التطهير العرقي المنهجي. والوضع الأمني لشعبنا ازداد تدهورا, وتفاقمت الى حد مفزع العقوبات الجماعية التي يفرضها الاحتلال من اغلاق وحصار وتنكيل واعتقالات ادارية وحرمان من حقوق العمل والسفر والتنقل. اما الوعود بانهاء المعاناة الاقتصادية فقد تبخرت: انخفض معدل الدخل الفردي الى النصف, وارتفعت البطالة الى ارقام فلكية. والحلم الوردي لسنغافورة المتوسط تحول الى كابوس يثقل على صدور المواطنين. ليس ثمة في الافق ما يشير الى امكانية ايجاد مخرج جدي من الاستعصاء الذي انتهت اليه عملية اوسلو.. فالمفاوضات التي جرت على اساس المبادرة الامريكية, حتى لو نجحت في التوصل الى اتفاق لحل بعض القضايا العالقة للمرحلة الانتقالية, ربما تحقق انفراجا مؤقتا, ولكنها (لاسباب سوف نتناولها لاحقا في هذه المادة) لن تنجح في الافراج عن المأزق المستعصي, بل سوف تنتقل به الى مستوى جديد أكثر تعقيدا وصعوبة وفي جميع الحالات فان الأكثر تفاؤلاً بيننا لا يتوقعون ان يكون ثمة امكانية للتوصل الى اتفاق على قضايا الوضع الدائم مع حكومة نتانياهو خلال الفترة الزمنية المتبقية حتى الموعد المفترض لنهاية المرحلة الانتقالية في 1999/5/4. هذا يطرح السؤال الملح: ماذا بعد 1999/5/4, ما هي الخيارات المتاحة لمواجهة هذا الاستحقاق الخطير؟ هذا السؤال مطروح على شعبنا بكل قواه السياسية, انه مطروح بالتأكيد, على السلطة التي اختارت طريق اوسلو وتتحمل مسؤولية نتائجه. ولكنه مطروح ايضا على قوى المعارضة التي ليس بوسعها, اذا كان لها ان تتصرف من موقع المسؤولية الوطنية, ان تدير ظهرها لهذا الاستحقاق او ان تعالجه بمنطق ان على اصحاب اوسلو ان يقلعوا شوكهم بأيديهم, فأشواك اوسلو, للأسف, تدمي اقدام شعبنا بأسره. ان خطورة هذا الاستحقاق تنبثق من حقيقة ان أي تمديد للمرحلة الانتقالية, سواء تم ذلك بالاتفاق بين الطرفين او بفعل الامر الواقع, ينطوي على خطر تحويل الحل الانتقالي القائم على الحكم الذاتي الى حل نهائي. ان التمديد يعني, بالضرورة, التسليم ـ ضمنا او صراحة ــ بان الترتيبات الانتقالية التي ينص عليه اتفاق اوسلو, ويحدد مداها الزمني بخمس سنوات, سوف تبقى قائمة, بكل ما تنطوي عليه من قيود وشروط مجحفة, الى ان يتم التوصل عبر المفاوضات الى اتفاق بشأن قضايا الوضع الدائم. وبهذا التسليم يصبح بإمكان اسرائيل ان تماطل بالمفاوضات الى امد غير محدد وان تحافظ هكذا على ترتيبات الحكم الذاتي, المفترض ان تكون انتقالية, لتحولها بالأمر الواقع الى ترتيبات دائمة. المخاطر التي ينطوي عليها خيار التمديد تملي التأكيد على ضرورة التمسك بأن موعد 1999/5/4 ينبغي ان يكون موعدا مقدسا, خلافا لسائر المواعيد التي تضمنها الجدول الزمني لتطبيق الاتفاق. وهذا يطرح ضرورة بلورة الخيار الوطني الفلسطيني البديل لخيار التمديد والرضوخ للامر الواقع. ولابد لهذا الخيار ان يستند الى تجاوز الانقسام الناجم عن اتفاقيات اوسلو واعادة بناء الاجماع الوطني وتفعيل الحركة الجماهيرية لمواجهة الامر الواقع التوسعي الاسرائيلي المفروض بالقوة والعنف وسطوة الاحتلال, بأمر واقع فلسطيني يستند الى الحق المدعّم بالشرعية الدولية وبقوة النضال الجماهيري. ان المخرج الحقيقي من المأزق الراهن هو الافلات من دوامة اوسلو وتجاوز اشتراطاته المجحفة والتحرر من قيوده واملاءاته. ما الذي يعنيه هذا في الممارسة العملية؟ ان رفض خيار التمديد للمرحلة الانتقالية, في غياب امكانية اتفاق على الوضع الدائم, يضعنا امام خيار وحيد هو اعلان سيادة دولة فلسطين على الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967, اي الضفة الفلسطينية ـ بما فيها القدس ـ وقطاع غزة حتى حدود 4 يونيو 1967, وهي الاراضي التي يعترف المجتمع الدولي, بموجب عدد من قرارات مجلس الامن التي صدرت بالاجماع بعد عام 1987, بانها ارض فلسطينية ومحتلة. لنلاحظ هنا اننا نتحدث عن اعلان سيادة وليس عن اعلان دولة. فالدولة اعلنت في 1988/11/15. ومذ ذلك الحين اعترفت بها اكثر من مائة دولة, واخذت الامم المتحدة رسميا علما بهذا الاعلان بموجب عدد من قرارات الجمعية العامة آخرها القرار الذي اتخذ قبل اسابيع برفع مكانة بعثة فلسطين والذي صوتت الى جانبه اغلبية ساحقة من الدول, بما فيها دول الاتحاد الاوروبي, ولم تعارضه سوى اربع دول من بينها اسرائيل والولايات المتحدة. ثمة خطر من تكرار الحديث عن اعلان الدولة مجددا, فهذا قد يطرح ضرورة تحديد الاعتراف الدولي بها, وهذا ما لسنا بحاجة اليه. ما نحن بصدده, اذن, هو اعلان سيادة الدولة (دولة فلسطين التي اعلنها المجلس الوطني في 1988/11/15) على الارض المعترف دوليا بهويتها الفلسطينية. ذلك ما فعلته, على سبيل المثال, روسيا الاتحادية عندما قررت تفكيك الاتحاد السوفييتي. فهي لم تصدر اعلانا بالاستقلال او بقيام دولة روسيا الاتحادية, بل هي اصدرت ما عرف (بإعلان السيادة) الذي اعلنت بموجبه استعادة سيادتها التي كانت فوضتها في السابق الى سلطات الاتحاد السوفييتي. وثمة اسانيد قانونية تؤكد ان اعلان السيادة من جانبنا سيكون بمثابة (استعادة للسيادة) التي لم نفوضها الى احد بل عطلتها ظروف قاهرة خارجة عن ارادة شعبنا. خطوة اعلان سيادة دولة فلسطين تنطوي بلا شك على محاذير عديدة. والبعض يعتقد ان من بين ابرز هذه المحاذير ان يكون هذا الاعلان مدخلا للتكيف مع واقع الاحتلال, من خلال تحويل الدولة الى طربوش يركب على واقع هو اقرب الى الحكم الذاتي, او من خلال قبول اسرائيل بدولة في غزة مقابل بقاء الاحتلال, او فرض التقاسم الوظيفي, في الضفة. ولكن, لماذا تصمت اسرائيل طوعا على دولة في غزة ـ ناهيك عن ان تعترف بها ـ ما لم يكن ثمن ذلك اتفاق رسمي على الوضاع الدائم يسلم فيه الجانب الفلسطيني بمطامعها التوسعية في القدس وسائر الضفة؟ اسرائيل لا يمكن ان تكتفي باتفاق ضمني على مثل هذه الصفقة, فهذا يعني انها تقدم تنازلا مجانيا بالاعتراف بدولة غزة, او الصمت على قيامها, بينما يبقى الباب مفتوحا لتجدد الصراع على مكانة القدس وسائر الضفة. ولذلك فان الارجح ان تصر اسرائيل على اتفاق سلام نهائي يسلم فيه الجانب الفلسطيني رسميا بالتنازل عن القدس وبالتقاسم الوظيفي في الضفة, ثمنا للقبول الاسرائيلي بدولة غزة. والسؤال الآن: هل يمكن للطرف الفلسطيني المفاوض, ضمن التكوين القيادي الراهن لمنظمة التحرير وموازين القوى داخلها, ان يقبل بمثل هذه الصفقة بما انطوت عليه من تنازل رسمي معلن عن القدس وعن السيادة على الضفة؟ اذا افترضنا ان هذا ممكن فان المحذور في هذه الحالة لا ينبع من خطوة اعلان سيادة الدولة بحد ذاتها, بل من الاستعداد للقبول بما هو اقل من السيادة الكاملة على القدس وسائر الضفة حتى حدود 4 يونيو 1967. وعلى هذا الاستعداد للتنازل يجب ان تنصّب المعارضة والرفض, وليس على اعلان السيادة كخطوة قائمة بذاتها خصوصا اذا تضمن هذا الاعلان تحديدا واضحا للارض التي تطالب الدولة الوليدة بالسيادة عليها, بحيث تشمل هذه الارض جميع المناطق الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل بعدوان يونيو بما فيها القدس. وفي هذه الحالة فان علينا ان نبرز ان اي استعداد لقبول صفقة (دولة في غزة مقابل تقاسم وظيفي في الضفة) هو تنازل خطير عن اعلان السيادة وليس تطبيقا له, هو تفريط يتناقض مع إعلان السيادة الذي ندعو له وليس نتيجة طبيعية لهذا الاعلان. اما التخوف من ان تكون الدولة طربوشا يتستر على واقع الحكم الذاتي, فهو يهمل المغزى السياسي لاعلان السيادة. ان مجرد صدور هذا الاعلان يعني ان الطرف الذي اصدره, او شارك في اصداره, يعلن انه لم يعد ملزما بأية قيود او تعهدات او التزامات تنتقص من هذه السيادة, بما في ذلك القيود والالتزامات المجحفة التي تفرضها الاتفاقات على سلطة الحكم الذاتي. ان اعلان السيادة هو, بالضرورة, اعلان عن التحرر من الالتزام بهذه القيود والتعهدات بقدر ما هي تنتقص من سيادة الدولة على أراضيها. هذه القيود قد تبقى على ارض الواقع بفعل سيطرة اسرائيل على المعابر والحدود والطرق والاجواء والمياه ومساحات هامة من الأرض. ولكن ثمة فرق جوهري. ففي ظل اتفاق الحكم الذاتي فان الجانب الفلسطيني يرتضي هذه القيود والالتزامات ويوافق عليها ويتعهد باحترامها, وبالتالي يضفي عليها شرعية معينة, ولو لفترة مؤقتة. اما في حال إعلان السيادة فان بقاء سيطرة الاحتلال, وما تفرضه من استلاب للسيادة بالقوة, يفقد شرعيته ويعود الى وضعه الطبيعي كقوة احتلال غريبة قائمة بالأمر الواقع على ارض دولة ذات سيادة. ثمة بلا شك فرق كبير بين اعلان السيادة, وبين ممارسة السيادة الحقيقية على الارض. ولكن اعلان السيادة هو اعلان للعزم على استئناف الكفاح من اجل جلاء المحتلين والمستوطنين بما يمكن الدولة الوليدة من ممارسة سيادتها على ارضها فعلا. اجابة على تساؤل ان ادراك هذا المغزى السياسي لاعلان السيادة يجيب على التساؤل الذي يردده البعض احيانا, التساؤل القائل: ما هو الجديد في الامر, فنحن اعلنا عن الدولة في 1988, فما الجديد الذي سيحصل اذا كررنا هذا الاعلان في مايو 1999؟ اذا دققنا في الامر جيدا, سنجد ان ثمة بالتأكيد شيء جديد. صحيح اننا أعلنا عن دولة في 1988. ولكن بعد هذا الاعلان جاء ابرام اتفاق اوسلو. واتفاق اوسلو هو في الواقع تعليق لمفعول اعلان الاستقلال بقدر ما يتعلق الامر بسريانه على ارض الضفة وغزة. بموجب اتفاق اوسلو ارتضت منظمة التحرير (او بالاحرى قيادتها الرسمية) ان يكون وجودها على الارض الفلسطينية, خلال المرحلة الانتقالية على الاقل, بصيغة سلطة حكم ذاتي لا بصيغة دولة مستقلة. وبموجب اتفاق اوسلو اصبحت الاراضي التي استولت عليها اسرائيل بعدوان يونيو 1967, او جزء رئيسي منها على الاقل, ارضا متنازعا عليها يتقرر مصيرها بالمفاوضات بين الطرفين, لا ارضا محتلة. ان اعلان السيادة يعني ان م. ت. ف. ـ في غياب امكانية التوصل الى حل دائم بنهاية المرحلة الانتقالية ـ تعلن انها باتت في حل من هذا الالتزام. وهي بذلك تنهي تعليق مفعول اعلان الاستقلال وتعود لاعتباره ساريا على ارض الضفة, بما فيها القدس, وقطاع غزة, بما يعني ان هذه الارض تستعيد مكانتها كارض محتلة لدولة ذات سيادة بعد ان حولها اوسلو الى ارض متنازع عليها. لذلك, دون التقليل من أهمية هذه المخاوف, فانا ارى ان المحاذير والمخاطر التي تنطوي عليها خطوة اعلان السيادة لا تنبثق من احتمال ان تنحو اسرائيل باتجاه التعايش مع هذا الاعلان, وهي الفرضية التي تنبثق منها المخاوف المذكورة اعلاه, بل على العكس من ذلك تماما. ان خطوة اعلان السيادة على الارض حتى حدود 1967 هي تجاوز الاشتراطات المجحفة التي يفرضها اتفاق اوسلو ومدخل للتحرر من قيوده واملاءاته, وهي بذلك تجديد للاشتباك السياسي والنضالي مع الاحتلال الاسرائيلي وبدون دبلوماسية نستطيع ان نقول انها في الواقع تجديد لحالة الحرب. ورد الفعل الاسرائيلي عليها سيكون على الأرجح اعلان الحرب على الدولة الوليدة, لا التعايش معها. وبيد اسرائيل رزمة من الخيارات العدوانية التي يمكن ان تلجأ اليها ردا على اعلان السيادة منها: ضم الضفة او ضم المناطق (ج) التي تخضع للسيطرة الاسرائيلية الكاملة بموجب الاتفاق, الاغلاق والحصار الاقتصادي للضفة وغزة, تقطيع اوصال الضفة بتطويق وعزل المناطق (أ), وقف تحويل الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية والتي تجنى عبر القنوات الاسرائيلية, وفي حالات متطرفة ربما قطع المياه او الكهرباء عن المناطق (أ), واخيرا الاجتياح العسكري لهذه المناطق او لاجزاء حيوية منها. بسبب من ردود الفعل العدوانية الاسرائيلية المتوقعة, بما يتوفر لدولة الاحتلال من خيارات واسلحة فتاكة قد تلجأ اليها لمحاولة وأد الدولة الوليدة قبل ان تعزز سيادتها, يخشى البعض من ان يقود اعلان السيادة الى كارثة تحل بشعبنا. وهذا (البعض) هو من نوعين: الاول من الشرائح الطفيلية والكومبرادورية التي نسجت شبكة من الروابط المصلحية الوثيقة مع الاسرائيليين والتي يتوقف صون مصالحها على استمرار الوضع الراهن وتفادي اي صدام واسع النطاق مع اسرائيل يمكن ان يدمر او يشل شبكة المصالح هذه. هذه الشرائح في الواقع تخشى من كارثة تحل بمصالحها الفئوية الضيقة لا بالشعب وقضيته الوطنية. والنوع الثاني هو من بعض الأوساط المعارضة والمتشككة بنوايا وممارسات السلطة, والتي يقودها هذا التشكك المشروع الى حالة من البلبلة والارتباك تجعلها تتردد ازاء الخطوة المقترحة (خطوة اعلان السيادة). مما لا شك فيه ان اعلان السيادة سيجابه بردود فعل عدوانية اسرائيلية تقود الى صدام واسع النطاق مع الاحتلال سينطوي بالضرورة على كم هائل من المصاعب والآلام لشعبنا ويتطلب منه تضحيات جمة والتخوف الشعبي واسع النطاق من ان يكون الفشل نصيب هذه الخطوة, بما ينطوي عليه ذلك من كارثة, هو تخوف مشروع دون ادنى ريب, ولكن ما ينبغي ان يستخلص منه هو ضرورة التركيز بجدية على سبل تأمين مقومات النجاح لهذا الخيار الوطني, وتوفير مستلزمات الصمود الشعبي بما يقلص من حجم الصعوبات والآلام والتضحيات المحتملة. وذلك هو برأينا ما ينبغي ان ينصّب عليه تركيز واهتمام قوى المعارضة دون ان يكون لديها ادنى تردد ازاء ضرورة وأهمية خطوة اعلان السيادة باعتبارها الخيار الوطني الوحيد المتاح لمجابهة استحقاق الرابع من مايو 1999. فاذا كان ثمة من يخشى ان يقود اعلان السيادة الى كارثة, فان عليه ان يتذكر ان الكارثة الأكبر التي يمكن ان تحل بشعبنا وبقضيته الوطنية هي تكريس الوضع الراهن وتمديد ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالية بما ينطوي عليه ذلك من خطر تحويلها الى وضع دائم وحل نهائي مفروض بالأمر الواقع. خطوة اعلان السيادة فك اشتباك مع الاحتلال ان الاعتراف الدولي ليس بالتأكيد العنصر الحاسم ولكنه عنصر هام ومؤثر في ضمان مقومات النجاح والظفر في المعركة التي سوف تدور من اجل تحويل السيادة المعلنة الى سيادة ممارسة على الارض. نحن نؤكد اهمية هذه النقطة آخذين بعين الاعتبار ان ثمة العديد من الاجتهادات الاخرى بشأنها, منها الرأي القائل بضرورة التمسك منذ البداية بحدود التقسيم التي يمنحنا اياها القرار 181, او ضرورة الامتناع عن تحديد حدود الدولة المعلنة مقتدين بذلك بما فعلته اسرائيل عند قيامها عام 1948 عسى ان نستطيع الحصول على ما هو ابعد من حدود 1967, او ربما كي لا يسجل علينا اننا تنازلنا عن حقنا التاريخي في كامل تراب فلسطين. واخيرا هناك الرأي القائل بأن علينا ان نعلن الدولة في حدود مناطق (أ) و (ب) حيث نستطيع ان نمارس سيادة فعلية. ان مخاطر الرأي الأخير واضحة, فهو ينطوي على التسليم بالأمر الواقع الاحتلالي على ما تبقى من مناطق 1967, حيث تتكرس الصفة التي اضفاها اتفاق اوسلو على هذه المناطق باعتبارها ارضا متنازعا عليها ويكتسب مصداقية, وقبولا دوليا اكبر, اي اجراء اسرائيلي بضم هذه الارض. وبالتالي فان خطوة اعلان السيادة على مناطق (أ + ب) هي في الواقع خطوة تكيف وتأقلم وفك اشتباك مع واقع الاحتلال, لا خطوة تجديد للصراع من أجل جلائه الكامل. اما الرأي القائل بالامتناع عن تحديد حدود الدولة فهو ـ في واقعنا الراهن وفي المدى المرئي ـ لا يفتح آفاقا لنيل ما هو ابعد من حدود 1967, بل هو بالعكس يسقط الضوابط التي تقيد نمو النزعات التفريطية المستعدة للتنازل عن بعض مناطق 1967, خاصة ان خيار التمسك بحدود التقسيم لا يحظى ـ الآن ـ بالحد الادنى من القبول الدولي مما يفقدنا احد الأسلحة الفعالة في المعركة التي ستنشب من اجل تجسيد اعلان السيادة على الارض. ليس ثمة اساس للمقارنة بين وضعنا الآن, وبين وضع اسرائيل عند اعلان قيامها عام 1948. ان الخيار الفعلي الذي نواجهه ـ ضمن الشروط الاقليمية والدولية وموازين القوى القائمة ـ هو ليس بين حدود 1947 وحدود 1967, بل هو في الواقع بين حدود 1967 وبين خارطة المصالح الوطنية لأرييل شارون, او خارطة المصالح الامنية لمردخاي, او على الأقل مشروع آلون الذي لم يتخل عنه بعد رسميا حزب العمل (نود ان نضيف هنا ان اعلان السيادة في حدود 1967 لا يسقط تلقائيا حقنا في المطالبة بحدود التقسيم. ان ما نقوله بهذا الاعلان هو ان الضفة, بما فيها القدس, وقطاع غزة هي ارض فلسطينية لا جدال في حقنا في السيادة عليها, ولا امكانية للمساومة بشأنها, وهي غير خاضعة للتفاوض. اما المفاوضات بشأن الحدود, التي هي عنصر من عناصر مفاوضات الوضع الدائم, فيجب ان تجري على قاعدة التسليم المسبق بسيادتنا على اراضي 1967 وبعد ذلك يمكن المطالبة بإعادة رسم الحدود بما يأخذ بعين الاعتبار الحقوق التي منحنا اياها قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947). - ان يقوم اعلان السيادة على أساس وثيقة اعلان الاستقلال التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني في دورته المنعقدة في الجزائر في 1988/11/15, وان يكون حصيلة توافق بين القوى والفصائل والفعاليات الوطنية والاسلامية, على ان تكون الجهة المعنية بإعلانه هي منظمة التحرير الفلسطينية, من خلال مجلسها الوطني, او من خلال المجلس المركزي الذي خولته دورة الجزائر لعام 1988 بأن يقوم بدور البرلمان المؤقت لدولة فلسطين, وذلك تأكيداً على مكانة المنظمة كممثل شرعي وحيد لشعبنا ومرجعية عليا للبت في القرارات المتعلقة بقضيته الوطنية. - ان يستند هذا الاعلان الى تأكيد الاجماع الوطني الفلسطيني على ان قيام دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة على ارض الضفة الفلسطينية وقطاع غزة, وعاصمتها القدس العربية, لا يشكل مساسا بحق اللاجئين في العودة وفقا للقرار 194, ولن يكون ثمنه التخلي عن هذا الحق. ان دولة فلسطين, وفقا لاعلان الاستقلال, هي (دولة للفلسطينيين اينما كانوا, فيها يطورون هويتهم الوطنية ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق) . ان قيام الدولة المستقلة بتجسيد سيادتها على الارض سوف يشكل تعزيزا للنضال المتواصل من أجل حق العودة من خلال التمسك بهذا الحق والعمل على تأكيد استمرار الالتزام الدولي بالقرار 194 الذي يكفله. - ان يستند اعلان السيادة الى توافق وطني شامل, واضح ومرسّم ومعلن, على الحدود الدنيا التي لا يمكن ابرام أي اتفاق للحل الدائم دون ضمانها وهي: أ ــ الانسحاب الاسرائيلي الكامل الى حدود 4 يونيو 1967 وذلك تطبيقا للقرارين 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام. ب ــ ابطال الضم الاسرائيلي للقدس العربية, عملا بالقرار الدولي رقم 478 (الصادر عن مجلس الأمن عام 1980), والاعتراف بها عاصمة لدولة فلسطين المستقلة. جـ ــ تفكيك المستوطنات ورحيل المستوطنين عملا بالقرار الدولي رقم 465 الصادر عن مجلس الامن عام 1980. د ــ الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بما يعني الاستقلال واستعادة السيادة الكاملة على ارضه الوطنية في قطاع غزة والضفة الفلسطينية, بما فيها القدس. هـ ــ التمسك بحقوق اللاجئين وفقا للقرار 194 الذي يكفل لهم حق العودة والتنفيذ الفوري للقرار 237 الخاص بعودة النازحين. ان التوافق الوطني على هذه الضوابط والخطوط الحمراء قد لا يقطع دابر نزعات التفريط والتنازل, ولكنه على الاقل يطوقها ويقيدها ويساهم في بناء مناخ من الثقة بين القوى الوطنية يسمح بتعزيز عملها المشترك للنهوض باعباء هذا الخيار. - التوافق على خيار اعلان السيادة يجب ان يترافق مع اتفاق بين القوى الوطنية على سبل ادارة المفاوضات مع اسرائيل وأسسها. وبرأينا ان اعلان السيادة يجب ان يتضمن دعوة حكومة اسرائيل الى اجراء مفاوضات لاقرار سلام دائم ومتوازن على اساس تطبيق قراري مجلس الامن 242 و338 اللذين يقران مبادلة الارض بالسلام والحل العادل لقضية اللاجئين والنازحين الذي يتطلب تنفيذ القرارين 194 و237. على ان تجري المفاوضات, وفقا لمنطوق القرار 338, في اطار صيغة دولية مناسبة تسمح من جهة باستعادة الترابط والتنسيق بين المسار الفلسطيني وسائر المسارات العربية المعنية بالحل, وتكفل من جهة اخرى اشرافا دوليا جماعيا على عملية السلام يستبدل التفرد الامريكي بالمشاركة الحيوية للامم المتحدة وسائر القوى الدولية الفاعلة, وبخاصة الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين, الى جانب الولايات المتحدة. ان هذا يعني ارساء العملية التفاوضية مع اسرائيل على اسس جديدة تماما: مفاوضات بين دولتين, على اسس الشرعية الدولية, وتحت اشراف دولي جماعي. واي بلانتيشن والرهان العقيم يجب ان نؤكد هنا ان الحديث عن اعلان السيادة, والتحضير الجاد لهذا الاعلان بما يكفل مقومات نجاحه, لا ينسجم مع استمرار الرهان العقيم على نتائج واي بلانتيشن, وبخاصة بعد ان اتضحت للعيان الوظائف الخبيثة لها. فهي من جهة مكنت نتانياهو, وماتزال, من كسب الوقت الثمين لمواصلة فرض الوقائع الاستيطانية والتوسعية على الارض تحت غطاء استمرار المفاوضات, وهي من جهة اخرى نجحت في خفض السقف التفاوضي الفلسطيني فضلا عن شل وتخدير التحركات والمبادرات العربية والدولية الاخرى التي يمكن ان تشكل عوامل ضغط على اسرائيل (الدعوة الى القمة العربية, المبادرة المصرية ـ الفرنسية الخ..). ويتأكد الآن ان الرهان على امكانية الضغط الامريكي على اسرائيل, او على احداث شرخ في العلاقة بين واشنطن وتل ابيب, من خلال القبول الفلسطيني بما تم في واي بلانتيشن, هو رهان عقيم ينطوي على قدر كبير من السذاجة في افضل الحالات. وكما كان متوقعا فان الادارة الامريكية, بدلا من دورها كوسيلة من وسائل الضغط على حكومة نتانياهو, اقدمت في الواقع على اعلان وفاة مبادرتها بالصيغة التي وضعت فيها في مطلع هذا العام, وذلك بدعوتها الأطراف الى قمة واي بلانتيشن والاتفاق. وهكذا بدلا من ان تكون هذه العناصر هي (الحل الوسط) المفترض بين الموقفين الفلسطيني والاسرائيلي, فقد اصبحت الافكار الامريكية في الواقع سقفا جديدا للموقف التفاوضي الفلسطيني وباتت النتائج (حل وسط) بينها وبين الموقف المتعنت لصقور حكومة نتانياهو. وبالفعل فقد قدم المفاوض الفلسطيني اكثر من تنازل عن العناصر الاصلية للمبادرة الامريكية, التي قيل عند الموافقة عليها انها تشكل الحد الأدنى, وللقبول بتعديلها لصالح الاقتراب من الموقف الاسرائيلي. اين يكمن التناقض بين هذا النهج التفاوضي وبين التحضير الجاد لخيار اعلان السيادة في 1999/5/4؟ ان اوساط السلطة تنفي هذا التناقض مستندة الى الادعاء بأن تنفيذ المبادرة الامريكية سيضمن توسيع مساحة المنطقة (أ) الى 18,2% من مساحة الضفة, ومساحة المنطقة (ب) الى 21,8% من الضفة (الآن اصبحت 18,8% + 3% محميات طبيعية) وان هذا سيوفر ارضية جغرافية اكثر ثباتا, واوسع مساحة, لاعلان الدولة. ونظريا تبدو هذه الحجة متماسكة. ولكنها في الواقع لا تصمد امام النقد. ذلك ان احد وظائف المبادرة الامريكية, بالاضافة الى ما ذكرناه اعلاه, تتمثل في تسويغ قبول التمديد للمرحلة الانتقالية بعد الموعد الزمني المحدد لها في اتفاق اوسلو, اي بعد 1999/5/4. ربما اتى ذلك عن طريق تضمين الاتفاق, الذي جرى طبخه في واي بلانتيشن, نصا واضحا يلزم الجانب الفلسطيني بعدم الاعلان عن الدولة في 1999/5/4. باعتبار ذلك اجراء من طرف واحد. ولكن حتى لو لم يتم ذلك فان الجدول الزمني الذي تعتمده المبادرة الامريكية لتنفيذ عملية اعادة الانتشار سينقلنا الى عشية موعد 1999/5/4. ونحن نعيش في اجواء من الارتخاء والانفراج المؤقت (في العلاقة مع الاسرائيليين طبعا). مما يعطي ثقلا وحافزا اضافيا لجهات نافذة ومؤثرة في مركز قرار السلطة لكي تضغط بقوة اكبر باتجاه الاخذ بخيار التمديد (اذا تذكرنا ان اتفاقا اوليا قد ابرم اخيرا في واي بلانتيشن, فان نتانياهو سيطلب بضعة اسابيع للمصادقة على هذا الاتفاق في الحكومة, ثم في الكنيست. وبالتالي لن يبدأ تنفيذ الاتفاق عمليا, على الأرجح, قبل بداية العام المقبل. وحيث ان المبادرة الامريكية تحدد جدولا زمنيا من ثلاثة اشهر لانجاز النبضة الأولى والثانية من عملية اعادة الانتشار, والجزء الرئيسي والمهم من هذه العملية يفترض ان يتم في الأسبوع الاخير من هذه الفترة, فان هذا يعني ان التنفيذ لن ينتهي قبل نهاية مارس 1999, ومع شيء من المماطلة الاسرائيلية يمكن ان يمتد الى نهاية ابريل او مطلع مايو 1999. ولكن ان تتصوروا حينذاك الأصوات التي سترتفع لتسويغ التمديد للمرحلة الانتقالية بحجة ان الحصول على مزيد من الارض لتمارس عليها السيادة فعلا هو اجدى من اعلان سيادة (على الورق) !!).