بينما كان جمهور من الدبلوماسيين يقفون أمام المصورين في قاعة المؤتمرات في واي بلانتيشن لالتقاط الصور قبل انطلاق مباحثات عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين, كان رئيس المخابرات المركزية الامريكية جورج تينيت ومدير مكتب الوكالة في تل ابيب ينتظرون بعيدا عن الأنظار في الطابق العلوي, بانتظار خروج الصحفيين والمصورين للانضمام الى المباحثات دون لفت الانتباه. ان مثل هذا التصرف له ما يبرره. فوكالة المخابرات المركزية الامريكية غالباً ما تعمل من وراء الكواليس بعيدا عن الاضواء, وخصوصا اذا كان الأمر يتعلق في منطقة الشرق الاوسط التي غالبا ما تعج بالمخاطر من ناحية, وحيث تسليط الأضواء على ما تقوم به الوكالة من نشاطات يمكن ان يؤدي الى اغتيال عملاء الوكالة من ناحية اخرى. ولكن على مدى الايام التسعة من المفاوضات الشاقة في واي بلانتيشن, كان تينيت ومجموعة مختارة من مساعديه, الدبلوماسيين الاهم والاكثر تأثيرا وفعالية الذين نجحوا بالتوصل الى صيغة مقبولة حول اكثر البنود تعقيدا وصعوبة في الاتفاق: لقد قطع الفلسطينيون وعدا على انفسهم بمحاربة (الارهابيين) حتى تتمكن اسرائيل من الانسحاب من مزيد من اراضي الضفة الغربية. وفي هذا الصدد علّق الرئيس الامريكي بيل كلينتون قائلا: (بسبب اهمية الاعتبارات الامنية, كان على تينيت ان يلعب دوراً لم يسبق له مثيل في تاريخ الوكالة) . اضف الى ذلك ان عملاء الوكالة سيخوضون غمار تجربة محفوفة بالخطر, وخصوصا ان الاتفاق ينص على ان تقوم المخابرات المركزية بمراقبة عمليات الاعتقال التي ستقوم بها قوات السلطة الفلسطينية والقوات الاسرائيلية ضد العناصر (الارهابية) وكذلك التحكيم في الخلافات التي قد تنشأ بين الطرفين حول الاجراءات الأمنية. لم يحدث في تاريخ المخابرات المركزية ان شاركت بهذه الفعالية وبهذا الشكل العلني في اي من المحادثات السابقة. فقد بدأت العملية عام 1996 عندما انهارت محادثات السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين وبدأ مدير فرع الوكالة في تل ابيب باستضافة اجتماعات اسبوعية بين مسؤولين من الجانبين لتبادل المعلومات حول (الارهابيين) . ومنذ ذلك الوقت, قام تينيت بزيارة اسرائيل والاراضي الفلسطينية أربع مرات, كما قامت الوكالة بفتح مكتب اتصال في قطاع غزة بالاضافة الى (أربع غرف عمليات) في كل من اريحا والخليل ورام الله ونابلس وذلك لتسهيل عمليات الاتصال والمتابعة مع المسؤولين الفلسطينيين. وبالرغم من النكسات التي تعرضت لها المخابرات المركزية في المنطقة مثل فشلها بالتنبؤ بسقوط شاه ايران عام 1979, والغزو العراقي للكويت عام 1990, الا ان الوكالة لاتزال تحظى بهالة من الاحترام. وقال احد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الامريكية انه (بالنسبة لعرفات فان التعامل مع رئيس المخابرات المركزية يعتبر أمراً في غاية الأهمية والدلالة) . كما ان كلاً من عرفات وتينيت حريصين على توطيد اواصر العلاقة بينهما لخلق جوّ من الثقة المتبادلة. فخلال زيارة تينيت الاولى الى الضفة الغربية عام 1996, اشرف عرفات بنفسه على وضع الترتيبات لجولة تينيت في كنيسة القيامة في بيت لحم بمرافقه كبار رجال الدين والأعيان في المدينة. من المؤكد ان الدور الدبلوماسي الذي لعبه تينيت سيعزز مكانته في واشنطن. وعندما كان لايزال موظفا في مجلس الامن القومي, شكك الكثيرون بقدراته وخبراته وعارضوا توليه منصب مدير الوكالة وهو لم يزل في سن الرابعة والأربعين. لقد ارتكب تينيت بعض الهفوات منذ توليه المنصب الجديد. فقد جاءت التفجيرات النووية الهندية في شهر مايو الماضي بمثابة مفاجأة للولايات المتحدة. كما ان منتقدوه يميلون الى الاعتقاد بأن الوكالة لم يكن لديها ما يكفي من المعلومات لتبرير تدمير مصنع الادوية في السودان بحجة انه ينتج اسلحة كيميائية لصالح اسامة بن لادن. الا ان تينيت مقرب جدا من كلينتون الذي يعبر دائما عن اعجابه بادائه وقدرته على ادارة الازمات. كما نجح تينيت باقناع الكونجرس بزيادة ميزانية الوكالة بما لا يقل عن مليار وثمانمائة مليون دولار لهذا العام لتصل الى 29 مليار دولار. كما يتجنب تينيت وسائل الاعلام ويرفض الحديث عن اقتحامه الجديد للشرق الاوسط. ولكن في تصريح خاص لمجلة تايم بعد ماراثون واي بلانتيشن اكد تينيت ان المخابرات المركزية (يمكن ان تلعب دوراً بارزاً في المستقبل, ولكن لابد من ان تصبح مؤسسة اكثر مرونة) . لقد اعرب تينيت وكبار مساعديه عن قلقهم بسبب الاهتمام الاعلاني الذي لقيته الوكالة في محادثات السلام الأخيرة. فمساعدة عرفات بملاحقة عناصر حماس قد تؤدي الى عمليات ضد اهداف امريكية, كما ان رجال وعملاء الوكالة في المنطقة سيتعرضون للخطر. خلال الاحتفال الذي اقيم لتوقيع الاتفاق في البيت الابيض يوم الجمعة الماضي, كان المقعد المحجوز لتينيت شاغراً. لقد عاد الى مقر المخابرات المركزية مباشرة بعد انتهاء المفاوضات محاولا ان يعود للعمل في الظل ومن خلف الكواليس. عن (مجلة تايم) .