لم يشكل اتفاق واي بلانتيشن مفاجأة سارة للفلسطينيين والعرب عموما رغم المخاضات الصعبة التي سبقت ولادته وخروجه الى حيز الوجود بعد سلسلة طويلة من الجلسات واللقاءات والكولسة التي احاطت بظروف المفاوضات علاوة على استنفاد كل الأطراف لكل اوراق وفنون التفاوض السياسي والدبلوماسي واستخدام المساومات حينا والتهديد بالانسحاب في أحايين كثيرة... الاتفاق الذي جعل القيادة الفلسطينية تتنفس الصعداء لأنها استطاعت جر نتانياهو الى طاولة المفاوضات والزمته باتفاق جديد يهيىء لدفع المسيرة السلمية ويحرك مياهها الراكدة جاء مخيبا لآمال الفلسطينيين الذين اعتبروه جزءاً مكملاً لاتفاقات أوسلو التي أضاعت القضية الفلسطينية وأدخلتها في دهاليز ومتاهات الدبلوماسية الأمريكية المنحازة لاسرائيل. معظم قيادات المعارضة الفلسطينية بالداخل والخارج اكدت رفضها لاتفاق واي بلانتيشن معتبرة اياه حلقة مكملة لسلسلة التنازلات التي تقدمها السلطة لاسرائيل محذرة بذات الوقت من الالتزامات الأمنية الفلسطينية لاسرائيل والتي ستنعكس بشكل او بآخر على تصعيد المواجهات الفلسطينية والاضرار بمصالح الشعب الفلسطيني واحتمالات تعرض وحدته الوطنية للتهديد والمخاطر. الظروف التي تعيشها المنطقة العربية ربما هيأت الى حد ما عقد مثل هذه الاتفاقات مع اسرائيل تحقيقا لمقولة (شيء افضل من لا شيء) سيما وان الاطراف العربية خسرت الكثير من اوراقها التي تملكها بعد ان اضحت جهة متلقية تقبل بما يتفضل به الآخرون عليها, اما الوسيط الأمريكي فهو مدرك الآن ان خيارات العرب قليلة ولا يملكون سوى مواصلة المسيرة السلمية برعايته. الشواهد تشير الى ان كل الاطراف الرئيسية في الاتفاق سعت لخدمة سياساتها ومصالحها الاستراتيجية بغض النظر عن قضية التسوية, لذا فقد حرص الرئيس الامريكي كلينتون على اتمام المفاوضات وانجاح الاتفاق بشتى الطرق والاساليب ومارس كل الضغوط ليخرج للشعب الامريكي بانتصار سياسي يحققه كزعيم لدولة عظمى ترعى مسيرة السلام في الشرق الاوسط, وهي بذات الوقت جسر يتجاوز فضيحة مونيكا التي تشغل الرأي العام الامريكي ودوائر صنع القرار السياسي الأمريكي, اما نتانياهو فقد وجد نفسه ازاء حملة الانتقادات الموجهة ضده اقليميا ودولياً امام خيار صعب لابد منه وهو الاستجابة للمساعي الامريكية في تجاوز عثرة المفاوضات, ولم يكن عرفات بأحسن حظاً من سابقيه فهو في وضع لا يحسد عليه ويعيش اجواء سخط في السلطة التي تواجه استحقاقات كثيرة تجاه الشعب الفلسطيني وهي مطالبة ايضا باستكمال مسيرة الألف ميل نحو السلام لاستعادة ولو جزء من الوطن المسلوب واعلان الدولة الفلسطينية. وفي ظل هذه المخاضات فان نتائج وانعكاسات اتفاق واي بلانتيشن ظهرت مباشرة عقب التوقيع واعلانه للملأ فقد دشنت السلطة وحسب الأخبار التي تناقلتها وكالات الانباء حملة اعتقالات واسعة ضد المعارضين والناشطين من حركة حماس, وظهرت حركة احتجاجات واسعة في أوساط الفلسطينيين تندد بالاتفاق وتحمل السلطة مسؤولية تقديم تنازلات جديدة لاسرائيل خاصة ما يتعلق بالجانب الأمني منه الذي اعتبره الاسرائيليون نصراً لهم بسبب ما سيترتب على الفلسطينيين من التزامات في ضبط وقمع المعارضين ومحاصرة من يطلقون عليهم (الارهابيين) ! تجربة الاتفاقات السابقة مع الاسرائيليين اثبتت عدم مصداقيتهم في احترام التزاماتهم تجاه الآخرين, ولذا تبقى الاتفاقات حبراً على ورق ولم يطبق منها شيء.. فماذا سيكون مصير واي بلانتيشن؟. الملف