طالبت القوى والفعاليات السياسية في مصر الحكومة باتخاذ موقف حاسم ضد الحملة الاعلامية التي تشنها صحف بريطانية وأمريكية ضد مصر, والخاصة بتناول قضية الأقباط تحت ما أسمته هذه الصحف باضطهاد الأقباط في مصر . كانت صحيفة (بوسطن جلوب) الأمريكية, نشرت مقالا يوم الجمعة 23 أكتوبر حول اضطهاد الشرطة للأقباط في مصر وتناول كاتبه (مايكل ستوت) الحوادث التي وقعت في قرية الكشح بمحافظة سوهاج.. وفي يوم الأحد 25 أكتوبر نشرت صحيفة (صنداي تلجراف) البريطانية مقالا في صفحتها الأولى حمل عنوان (الشرطة المصرية تصلب وتغتصب المسيحيين!!) وورد في المقالين مغالطات كبيرة أبرزها ان الشرطة قامت بضرب مواطنين أقباط من قرية الكشح بالعصا, واستخدمت اساليب الصعق الكهربائي في المناطق الحساسة من أجسامهم, وألقت الأطفال على الأرض, وانه تم تقديم الأنبا ويصا الى المحاكمة بتهمة إثارة الفتنة.. وهي تهمة يعاقب مرتكبوها بالإعدام.. ولم تقتصر الحملة الاعلامية على مقالي (بوسطن جلوب) , و(صنداي تلجراف) , وانما تزامن معه اعلان مدفوع الأجر على صفحة كاملة في صحيفة (النيويورك تايمز) , ذهب الى أن مجموعة من المصريين في احدى قرى الصعيد تعرضت لاعتداءات وأعمال بطش من جانب الشرطة على أساس ديانتهم المسيحية القبطية! وتساءلت القوى والفعاليات السياسية في مصر عن السر وراء هذه الحملة, مشيرة الى العلاقة بينها وبين رفض الرئيس مبارك لمطلب اسرائيل بتسليم جاسوسها عزام عزام المسجون في مصر حاليا, وأكدت وجود أصابع صهيونية وراء إثارة الحملة التي هدأت بعض الشيء في الفترة الاخيرة, واستشهدت في ذلك بأن المقالين والاعلان المدفوع الأجر, تم نشرهم في تنسيق وترتيب زمني, وأن هذا تم بعد رفض الرئيس مبارك لتدخل الرئيس الامريكي كلينتون تليفونيا بالافراج عن عزام عزام, وأن صحيفة (صانداي تلجراف) البريطانية مملوكة للملياردير اليهودي روبرت مردوخ, وأن صحيفة النيويورك تايمز هي معقل للصهيونية وحصن الدفاع عن اسرائيل. أما عن الحقيقة فيما حدث في قرية الكشح بمركز دار السلام بمحافظة سوهاج, فيكشف عنها جمال أسعد عبد الملاك عضو مجلس الشعب السابق, وأحد القيادات السياسية من الاقباط قائلا: حادثة قرية الكشح تمثلت في قتل اثنين من الاقباط بالقرية يوم 15 اغسطس الماضي, ونتيجة لهذا الحادث قام مركز شرطة دار السلام بالقبض على أعداد من أبناء القرية للتحقيق معهم لمعرفة الجاني. ويمضي جمال أسعد في روايته قائلا: قرية الكشح تضم اغلبية ساحقة من الاقباط, وأثارت الاجراءات الأمنية حفيظة الأنبا ويصا أسقف البلينا للأقباط الارثوذكس ومعه كهنة القرية.. مما جعله يتوجه الى مباحث أمن الدولة بسوهاج للاعتراض على عمليات القبض وأثار هذا الاجراء من الأنبا ويصا حفيظة مديرية الأمن حيث اعتبرت أن هذا الاجراء هو بمثابة بلاغ ضدها لمباحث أمن الدولة. وأمام تصعيد المشكلة من الاطراف الأمنية, قام الأنبا ويصا بالتصعيد من جانبه, فأخذ يستدعي بعض الشهود الذين أدلوا بأقوالهم أمام النيابة, ويقنعهم بأن يذهبوا الى النيابة لاقرار أن أقوالهم جاءت نتيجة لتعذيب الشرطة لهم. مع العلم أن الأمن قام بالقبض على مرتكب الجريمة وهو مسيحي من نفس القرية لخلافه مع المجني عليهم بسبب لعب الميسر (وهو ابن عم أحد القتلى). لكن ما هي جوانب الخطأ في المسألة بكاملها؟ يقول جمال أسعد: الأنبا ويصا أسقف البلينا كان زميلي في المعتقل أثناء حملة سبتمبر عام 1981.. ويتسم بسمات شخصية ابرزها تصرفاته التلقائية وكانت تؤدي الى احتكاكه الدائم بالأمن في المعتقل, وكان لديه احساس بعدم الرضا عن الأمن بشكل عام بسبب ملابسات عمليات القبض عليه والتي كانت مهينة.. كل هذا أدى الى فقدان الود بينه وبين الأمن بشكل عام, وهو ما دفعه الى التصرف بهذا الشكل, ويرى جمال أسعد: ان تدخل الأنبا ويصا عند الأمن بهذه الطريقة في الحادث كانت خاطئة لأنه في النهاية يحمل صفة اسقف وأبا روحيا لهؤلاء الاقباط.. وقام بتجاوز هذه الصفة ودخل في ملعب غير ملعبه لان الاقباط هم مواطنون مصريون لهم حقوق المصريين, وعليهم واجبات المصريين بالدستور والقانون, وبالتالي فالاقباط يخضعون للسلطات كما بينها الدستور, وبالتالي يقومون بانتخاب ممثليهم في المجلس التشريعي, ومن ثم فهؤلاء النواب هم الذين يمثلون الشعب المصري بما فيه الاقباط. ويستخلص جمال أسعد من هذه القصة جوانب أخرى, أبرزها: ان تدخل الأنبا يصا اعطى انطباعا بأن الأقباط هم جالية أجنبية تمثل بهم الكنيسة, وهم تابعون للكنيسة وليس للدولة, ومن ثم فانتماؤهم للكنيسة ولا انتماء لهم بالبلد, وعلى ذلك على الكنيسة أن تحل مشاكلهم فيما يعني تنازلهم عن حق المواطنة .. أما الشرطة بتصرفها لم توفق في جمع الاتهامات للأسقف والكهنة, فهذه تعتبر المرة الأولى بعد سبتمبر 81 التي توجه فيه مثل هذه الاتهامات لأساقفة وكهنة. تلك هي الحكاية بكل فصولها كما يرويها جمال أسعد عبد الملاك .. النائب البرلماني السابق غير ان بعض ما أوردته بوسطن جلوب, وصنداي تلجراف حمل بعض المغالطات الأخرى, أبرزها مثلا انه تم اغتصاب لفتاة قبطية وانه تم تعذيب شقيقها الطفل بواسطة الصعق الكهربائي. وفي تعليقه على ذلك, قال اللواء أحمد عبد العزيز بكر محافظ سوهاج: غير صحيح بالمرة انه تم القبض على 1200 مواطن من أهالي قرية (الكشح) وقال لقد كانت هناك حالات استدعاء للتحقيق ولكن أياً من المواطنين لم يبق لدى الشرطة الا وقت التحقيق فقط ثم ينصرف بعد ساعات قليلة, كما انه لم يتم اعتقال مواطن واحد طوال هذه الأزمة. وقال عدلي محارب مجلع شيخ البلد في قرية (الكشح) انه لم يبق الآن رهن التحقيق سوى ابن عم القتيل وهو المسيحي المتهم بالقتل للثأر وشخص مسلم لسوء سلوكه وسمعته واثنين من المسيحيين لاتهامهما بالشهادة الزور. ومن جانبه أكد الأنبا ويصا مطران البلينا التابع لها القرية الكلام السابق, وابدى دهشته من ادعاء اغتصاب فتاة تدعى هنية بقطر قائلا ان الطبيب الشرعي الذي وقع الكشف عليها قال انها لم تتعرض لأي اغتصاب, كما استغرب الأنبا ويصا من الكلام عن الصلب وأدهشه مجرد ترديد مثل هذا الكلام الذي لايعقل ولايتصور أحد أن يحدث, وأكد بصورة قاطعة أنه لم تحدث حالة وفيات واحدة. يبقى أن نقول أنه حتى الطفل المسيحي الذي ورد اسمه في التقرير المغرض ويدعى روماني بقطر والذي ادعت كاتبة التقرير البريطانية انه تعرض للصعق بالكهرباء في يده فقد نشرت مجلة المصور القاهرية صورة له اتضح منها ان يده لم تتعرض لما تدعيه الكاتبة الانجليزية. هذه هي الخلفية الواقعية التي تم على أثرها إثارة الحملة المسمومة ضد مصر .. لكن كيف تفاعلت معها القوى والفعاليات السياسية المختلفة في مصر. حزب الوفد اعتبرها افتراءات ومزاعم مسمومة ضد مصر, ووضعها في سياق ما يفعله أعضاء اللوبي الصهيوني المنتشرون في الدول الغربية, وقال انها حملة وقحة للإساءة إلى مصر بعد يومين من رفض الرئيس مبارك طلب اسرائيل تسليم الجاسوس عزام, وأبدى تساؤله عن حرص إذاعة لندن على نشر ملخص للتقرير في فتراته الاخبارية الصباحية على ثلاث مرات متتالية, وفي المقابل انتقد الحزب تجاهل أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة للموضوع .. يذكر ان هيئة الاستعلامات المصرية قامت بعد نشر المقال بيومين في الصنداي تلجراف بإرسال رد طويل الى رئيس تحرير الصحيفة اعتبرت فيه ان ما تم لا يصلح الا كمادة جيدة تصلح لقصة مثيرة في الصحف الصفراء وابدى رد هيئة الاستعلامات استغرابه من عدم مبادرة الصحيفة بإيفاد مبعوث الى القاهرة للتحقق من القضية, وكتابة تقرير من موقع الأحداث, وأشار رد الهيئة الى ان ما فعله مجلس كنائس نيويورك باصداره تقرير في مارس 1998 يفند مزاعم اضطهاد الأقباط في مصر, وتم نشره وتداوله على مستوى واسع, وأهم ما شمله التقرير انه لاتوجد أدلة على سماح السلطات المصرية بحدوث اضطهاد ديني ضد الأقباط المصريين. القاهرة ــ مكتب (البيان)