شهد السودان خلال الايام القليلة الماضية حوادث انفلات أمني كثيرة وخطيرة أطاحت بهيبة الحكم, واعتبرت مؤشرا بقرب سقوطه, ففي العاصمة الخرطوم شنت قوات اللواء فاولينو ماتيب هجوما مسلحا على معسكر تابع لقوات دفاع جنوب السودان التي يتزعمها الدكتور مشار مساعد ورئيس الجمهورية رئيس مجلس التنسيق . وكان المعسكر يضم 450 مجندا لم يبق منهم بعد الهجوم سوى 39 فردا. وقد روع سكان المنطقة المدنيين من قعقعة السلاح والمبارزات التي لم تشهد العاصمة مثلها من قبل. وبينما أخذت قيادات القوات المتحاربة والمتحالفة مع الحكومة تتراشق بالاتهامات وتوسع من دوائر القتال بينها في جنوب البلاد لاذت الحكومة بالصمت وبدت قدرتها على الحسم مشلولة, بعد ان سمحت لحلفائها بحيازة الاسلحة وتكوين الجيوش الموازية لجيش الدولة. وتتابعت المشاهد المرعبة بتواتر أنباء غرب السودان وفي مقدمتها الهجوم الذي قادته قوة مسلحة مرتدية الزي الرسمي على بنك السودان في مدينة نيالا في الحادية عشرة صباحا واستولت على مبلغ قدر في المبتدأ بمليار ومائتي مليون جنيه سوداني, وقدر لاحقا بنسب متفاوتة بين مليارين وأكثر. وقد جردت القوة المهاجمة القوة التي تحرس البنك من سلاحها وضربوا المسؤولين عن الخزينة وقاموا بتوثيقهم وقطعوا الخطوط الهاتفية, وقد استغرقت العملية نصف ساعة ومكتب الوالي لا يبعد أكثر من مائة متر من مبنى البنك وعلى بعد خمسمائة متر تقبع حامية اللواء التاسع للقوات المسلحة. ونسب بعض أعضاء المجلس الوطني من منطقة نيالا الى ان وراء العملية ما يسمى بتنظيم (جيش الخلاص الوطني) وان منشورات قد وزعت بهذا المعنى. لكن الدكتور حسن الترابي بوصفه رئيسا للمجلس الوطني رفض طلب مناقشة المسألة المستعجلة للأمر بزعم انها ليست حالة مستعجلة وقد صرح النائب دوسة الذي قدم الطلب (ان الحادث يعبر عن خلل أمني خطير لطبيعته وللجرأة التي تعامل بها الجناة نظرا لأن مقر البنك يقع في أهم شوارع المدينة وعلى مرمى حجر من مقار أجهزة الحكومة من مدنية وعسكرية) وتضامن نواب المنطقة معه فأخذوا في جمع توقيعاتهم مطالبين باستئناف قرار رفضه الترابي مؤكدين ان المنطقة تمور بالحركات السياسية المناوئة للنظام والمنتمية لقوى التجمع المعارض. وعلى الرغم من ان الحكومة تحاول التخفيف من وقع الحادث ومن نفي وجود اي تنظيم عسكري سري باسم (جيش الخلاص) وتزعم ان الحادث مجرد من الاهداف السياسية فإن هذا النفي لا يقلل من مسؤولياتها ودورها في انفراط عقد الامن بسبب الاسلحة التي باشرت في نشرها وتوزيعها والميليشيات التي خلفتها وأطلقت عليها مسميات عديدة, ووزعت عليها الزي العسكري. وحتى في اطار ما يوصف بالنهب المسلح فإن جملة الاحداث التي وقعت في مناطق غرب السودان خلال الاسابيع القليلة الماضية تدعو الى الفزع وإلى تأكيد ما ذهبنا اليه من ان عقد الامن قد انفرط وان هيبة الدولة قد سقطت تماما. ولابد ان نحمد للشرطة مجرد اعترافها بهذه الحوادث المتتالية بالرغم من محاولتها التقليل من شأنها وهي معذورة في ذلك لأن تلك هي طريقة الحكومة في عدم نشر الحقائق في محاولة لاخفاء عجزها واستخفافها بأمن المواطنين على حساب ظهورها بقدرات لا تملكها! اما شمال السودان الذي كان أقل أقاليم السودان عرضة لحوادث النهب المسلح فقد دخل الاسبوع الماضي المعمعة وبذلك تكتمل صورة زعزعة الأمن في كل أقاليم السودان, فقد نشرت صحيفة (آخر ساعة) السودانية أنباء عن هجوم مسلح على (بنك الخرطوم) في مدينة المتمة, ولكن نائب مدير البنك صرح لها بأن الحادث كان طفيفا. والشرق كما هو معروف فإنه يشهد قتالا مسلحا تقوده قوات المعارضة, والجنوب الحرب فيه مستعرة ليس بين جيش الحكومة وقوات قرنق فحسب بل امتدت إلى صفوف القوات الحليفة للحكومة خاصة في بحر الغزال, ومن ثم انتقل إلى الخرطوم ما يعني نهاية اتفاق السلام الذي وقع ابريل عام 1997 وأكثر من ذلك يعني تهديدا قويا لسقوط النظام في الخرطوم, لأن هذه القوات كما أسلفنا بمقدورها أن تخلق فوضى في العاصمة وتؤدي في النهاية إلى نتائج غير محسوبة وهي الاستيلاء عليها طالما تبين بجلاء ان هذه القوات تتقاتل على المناصب والمكاسب الذاتية فبوسعها أن ترى في الاستيلاء على السلطة ما يحقق المكاسب الأفضل لها طالما ان النظام أعجز من ان يواجهها. أو حتى يجبرها على الرحيل من العاصمة إلى الاقليم الجنوبي حيث تدور المعارك هناك أو لاعتقاد فريق ان الدولة تناصر الفريق الآخر! هناك بالطبع من يتهم النظام بأنه يشجع هذه التصفيات العسكرية وانه يقف بجانب اللواء ماتيب ضد مشار لكي يظهر للعالم ان القتال الدائر أصلا بين أهل الجنوب ليس بسبب الدين أو العروبة وإنما لأسباب قبلية وعشائرية وانهم أي أهل الجنوب إذا كان مثل هذا القتال الفظيع يدور بين قبيلة واحدة هي النوير فماذا يمكن توقعه من قتال بين الدينكا والنوير أو الشلك وغيرها من القبائل الجنوبية؟ لكن استغلال مثل هذه التناقضات إذا صح الاتهام يكون أضراره أكبر بكثير من ملافاتها بل إنها تعني نهاية احتمالات الاستقرار في السودان وتماسك نسيجه الاجتماعي ووحدته المرتجاة والتعايش المنتظر بين قبائله وعشائره المختلفة. والمشكلة كما نرى لم تعد قاصرة على الجنوب وحده وقبائله وانتقال الحرب إلى الخرطوم, وإنما الانفلات الخطير للأمن الذي اتسعت قاعدته في غرب السودان وتمثل في تتابع الهجومات المسلحة وكان أبرزها الهجوم الذي وقع على بنك السودان في نيالا واستتبعه منشورات باسم جيش الخلاص الوطني مما ينذر بعواقب وخيمة وارهاصات تشير إلى ان غرب السودان هو الآخر سينفصل أو سينفلت من سلطة الحكم في الخرطوم. لقد أصبح من الواضح تماما انه لم يعد بوسع فرد أو جماعة أن تتحرك بين مدن وقرى السودان في الغرب دون التعرض لقوافل مسلحين, وأيا كان الهدف من التعرض فإن النتيجة هي ان الحكومة قد فقدت سطوتها وسيطرتها وبذلك تكون قد فقدت أهم شروط بقائها في سدة الحكم ودخلت في مراحل التفكك الذي عادة ما يسبق الانهيار الأخير. وإذا كانت الحكومة ولم تزل تنكر الدوافع السياسية وراء كل ما يجري في غرب السودان, وتقلل من شأن ما يجري في الخرطوم, وتنكر الهجمات العسكرية التي تشنها المعارضة في شرق ووسط السودان وتزعم ان قرنق لا يحاربها إنما أوغندا هي التي تحاربها, وحتى عندما تسقط طائرة في المعارك تسارع فتنسب ذلك السقوط إلى عطل فني إلى آخره فإنها تكون قد بلغت مراحل متدنية جدا من هوة السقوط العسكري بعد سقوطها في الميادين كافة.