اذا كانت الحلقات السابقة قد عالجت مفاهيم ونظريات واستراتيجيات وعناصر الأمن الإسرائيلي الإستراتيجي وموازين القوى الإستراتيجية, فان الجنرال احتياط ابراهام تمير وهو من ابرز جنرالات الجيش الإسرائيلي ارتأى أن يحلل العلاقة بين عملية واحتمالات السلام والتسويات السياسية وعناصر واشتراطات الأمن الإسرائيلي, فيقدم لنا رؤية اسرائيلية المنهجية اليوم في ربط بين الأمن الإسرائيلي والمفاوضات الجارية. ابراهام تمير عميد في الإحتياط, ولعب دورا رئيسا في صياغة السياسة الأمنية الإسرائيلية, وأصاغ تسويات أمنية في معاهدة السلام مع مصر ولبنان, وذلك من خلال المناصب التي شغلها كرئيس لشعبة التخطيط في قيادة الأركان العامة وكرئيس لوحدة الأمن القومي في وزارة الدفاع وكمدير عام لديوان رئيس الحكومة ووزارة الخارجية. يقول ابراهام تمير: بدأت مسيرة السلام في العام ,74 أثر حرب يوم الغفران, باشراف مؤتمر جنيف, على اساس قراري مجلس الأمن 242 و338. وقد أتاحت هذه المسيرة التحرك نحو حل النزاع العربي ـ الإسرائيلي عن طريق سلام وأمن دائمين, وفي اسرائيل انبعثت مجددا الآمال في السلام, الذي لم يتحقق أثر اتفاقات الهدنة المبرمة في عام ,49 بسبب ان دولا عربية رئيسية (مثل مصر, سورية, والأردن) فضلت حل الصراع بوسائل سياسية. وهناك أيضا عامل مركزي اضافي في مسيرة السلام تمثل في الإدارة الأمريكية, التي رغبت في دفع عجلة المسيرة السلمية الى الأمام بغية الدفاع عن مصالحها في الشرق الأوسط التي تعتبر جوهرية بالنسبة لأمنها القومي ولسلام العالم ـ مثل مصادر النفط في المنطقة وطرق تصديره. خوف اسرائيلي ولإعتبارات أمنية قومية احتاجت اسرائيل لعملية سلام شامل, وذلك للأسباب التالية: الخطر المحدق بوجود اسرائيل من جراء احتمال شن هجوم عربي شامل ضدها, فقد يرافق باستخدام اسلحة للإبادة الجماعية مثل (الأسلحة الكيماوية, البيولوجية واحتمال استخدام السلاح النووي مستقبلا). عدم تحقيق الاستقرار نتيجة للسلام المنفرد, وطالما أنه يوجد تحرك لتحقيق سلام شامل (وقد تعلمنا ذلك من مسيرة السلام المنفردة مع مصر). العلاقات المتبادلة بين السلام المنفرد الذي تقيمه اسرائيل مع كل واحدة من جاراتها (والأن مع السلطة الفلسطينية) وبين اتفاقات السلام الشامل في مجالات الحدود الدائمة, ونزاع ومراقبة التسلح والعلاقات الإستراتيجية والعلاقات الإقتصادية. بيد أن مسيرة السلام لم تجر حتى الآن على قاعدة استراتيجية اسرائيلية لسلام شامل بسبب عاملين رئيسيين: أولهما, سياسة حكومة الولايات المتحدة بعدم فتح الباب امام مشاركة فعالة للإتحاد السوفييتي في عملية السلام, حتى لا يستطيع استغلالها لترسيخ وتوسيع مواقعه الإستراتيجية في الشرق الأوسط. وثانيهما: الخلافات في الآراء بين الأحزاب السياسية في اسرائيل حول أهداف السلام, والتي اوجبت تشكيل حكومة ائتلافية تحظى باغلبية في الكنيست من خلال تفضيل (قاسم مشترك) لإتفاقات منفردة أو جزئية مع كل دولة عربية تحد اسرائيل, وعدم القدرة على تجسير الفجوات بهدف ايجاد (قاسم مشترك) يفضي الى سلام شامل, وبخاصة حول تحديد حدود. يجب الأخذ بالحسبان بان على اسرائيل ان تواجه استراتيجيات عربية ـ يشترط وجود صلة بين السلام المنفرد والسلام الشامل يستند الى حدود الرابع من حزيران ,67 واقامة دولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس. وقد تم التعبير عن هذه الإستراتيجية العربية بواسطة ممارسة الضغط على اسرائيل من خلال تحديد مستوى تطبيع اتفاقات السلام المنفردة ـ بغية اجبار اسرائيل على التقدم في اتجاه اتفاقات سلام تتلائم وشروط الجانب العربي. سياسة الحكومات الإسرائيلية ان سياسة حكومات اسرائيل تقضي بان العملية القائمة على اساس اتفاقات منفرد يجب ان توفر من جهة, الأمن في وجه مخاطر (جبهة رفض) عربية للسلام المنفرد, (كما حدث مع جبهة الرفض بقيادة سورية العراق ومنظمة التحرير, والتي عملت من اجل شل اتفاق وسلام منفرد بين مصر واسرائيل) ومن جهة أخرى ـ القدرة لحماية اتفاقات السلام المنفرد وكان لهذه السياسة تأثير على مواقف اسرائيل في عدد من المجالات: في مجال الحدود الدائمة للسلاح المنفرد, نتيجة لإعتبارات الأمن القومي. في مجال تسويات أمنية ـ سياسية, عسكرية واقتصادية ـ للسلام المنفرد, والتي يجب ان يأخذ بعين الإعتبار عند تحديدها, دروس خرق الإتفاقات المنفردة (التي أدت في سنة 56 الى تدهور الأوضاع ومن ثم الى حرب سيناء, وفي سنة 67 الى تدهور الأوضاع باتجاه نشوب (حرب الأيام الستة) وأيضا من اتفاقات دولية أخرى التي اعدت للإنتقال من الحرب الى السلم. في مجال المراحل الإنتقالية لتنفيذ اتفاقات السلام المنفردة والتي تتيح ليس فقط اختبار مدى تنفيذ الإلتزامات التي حددت تجاه كل مرحلة قبل الإنتقال الى المرحلة التي تليها, بل مدى استقرارها أيضا إزاء مخاطر جبهة الرفض العربية. في مجال الصلة بين أمن السلام المنفرد وبين أمن السلام الشامل. في مجال تفضيل مسيرة سلمية بزعامة الولايات المتحدة حيث يتجسد جزء منها بالوساطة والضمانات الوطيدة للأمن, والإندماج في التسويات الأمنية (بما في ذلك في قوة متعددة الجنسيات) وتعاون استراتيجي مع اسرائيل. في مجال قدرة اسرائيل على حماية وجودها من مخاطر مصدرها في الشرق الأوسط ومن خارجه, طالما لم تزل هذه المخاطر. الحدود السلمية والإعتبارات الأمنية ان النظرة الى الحدود السلمية من خلال اعتبارات امنية ينبغي لها ان تأخذ بعين الإعتبار ان هذه الحدود يجب ان يكون متفق حولها من جانب كافة الأطراف ذات العلاقة باتفاقات السلام, لأن أحدا من الأطراف ليس في وسعة أن يفرض شروطه على الجانب الآخر فالجانب العربي فقد الأمل في فرض شروطه على اسرائيل بواسطة الحرب والإرهاب. ومما ساهم في ذلك انتصارات الجيش الإسرائيلي في الحروب وتقدير الغموض النووي لإسرائيل, اضافة الى اصرار الدول العظمى على وقف الحروب الإقليمية التي من شأنها ان تجرهما الى حرب فيما بينهما, لذا عملت الدولتان الأعظم من خلال قرارات مجلس الأمن على وقف النار وتحقيق تسويات سياسية وأمنية في الأعوام ,56 ,67 73. ان (اسرائيل القوية) بفضل قدرتها على الردع وقدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق الحسم العسكري في الحرب في حالة فرضها على اسرائيل بمقدورها ان تتوصل الى حل وسط مع طرف عربي على اساس تفضيل حدود متفق عليها مع عمق استراتيجي امامها بواسطة الدمج بين التسويات الأمنية وقدرة الجيش الإسرائيلي للدفاع عن اسرائيل استراتيجيا على حدود ليس متفق عليها مع عمق استراتيجي خلفها, يؤدي التمسك بها الى تخليد الحرب ولهذا ولصالح السلام مع مصر والأردن وافقنا على حدود من فترة الإنتداب البريطاني, ومع سورية سنضطر الى مواجهة السلام. واما بالنسبة الى السلام مع لبنان, فقد سبق وان ابدينا موافقتنا على الحدود التي رسمت في فترة الإنتداب البريطاني اما في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة, فان الأمر يتطلب تشكيلا جديدا, يوفر لإسرائيل حدودا مختلفة عن حدود خط الهدنة من سنة 49 من اجل تمكينها من مواجهة مخاطر مصدرها في دولة فلسطينية ومن خارجها, وبحيث يشمل مجال الحدود هذا معظم المستوطنات الإسرائيلية, التي أنشئت بهدف تغيير الحدود لإعتبارات امنية اضافة الى القدس الموحدة بسبب اعتبارات قومية. الإستيطان أما حجم (الإستيطان الإسرائيلي في مناطق الضفة الغربية وغزة التي لن يشملها مجال حدود اسرائيل سيقرر على اساس متبادل (في مجال الحقوق الوطنية, الأمن, القانون, والقضاء) مع الوجود الفلسطيني في مجال اسرائيل, ومن ناحية أخرى ومقابل السلام مع سوريا ستكون هناك ضرورة لإتخاذ قرار (طبقا لما جرى مع السلام المصري ـ الإسرائيلي) باخلاء مستوطنات أو بابقائها خاضعة للقوانين السورية. اضافة الى ذلك من المهم التأكيد انه من أجل الحفاظ على مصادر مياه حيوية لإسرائيل في الجولان او في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة يجب تفضيل التعاون الوطيد لتقسيمها وتطويرها على السيطرة عليها بواسطة احتلال عسكري. التسويات الأمنية وفيما يتصل بتحديد التسويات الأجنبية للسلام المنفرد فانه رهن بتحديد الحدود الدائمة وبتفضيل الأطراف المحافظة عليها نصا وروحا, على التدهور نحو الحرب والإرهاب نتيجة لإنتهاكها. بالنسبة لنقطة الإنطلاق المتمثلة في الحدود المتفق عليها وجوهر التسويات الأمنية هنالك فرق قائم بين اتفاقات السلام مع الدول العربية المحاذية لإسرائيل والتي لها حدود دولية متفق عليها حتى منذ الفترة التي سبقت قيام اسرائيل (وهي الحدود التي اقرت في عهد الإنتداب البريطاني), وبين الإتفاقات حول الحدود المتفق عليها في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ـ مع دولة فلسطينية تنسب لنفسها الحق في ان ترث حدود وقف اطلاق النار من سنة ,1949 مع الأردن في مناطق الضفة الغربية والقدس ومع مصر في منطقة غزة. وبسبب التقدير بأنه سيكون من الممكن التوصل الى اتفاق حول وضع سياسي دائم في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ـ يتضمن دولة فلسطينية ودمج بين حدود دائمة وحدود لفترة انتقالية ـ ينبغي الأخذ بالإعتبار بان التسويات الأمنية التي ستحدد بين اسرائيل والدولة الفلسطينية, ستتضمن: بنية وقوات للأمن الداخلي فقط للدولة الفلسطينية, مغلقة بمناطق أمنية للجيش الإسرائيلي في حدود الأردن وفي سماء الضفة الغربية وقطاع غزة. وبحيث تعد هذه المناطق لمواجهة مخاطر مصدرها في الشرق الأوسط, الى أن يتم النظر فيها من جديد في اطار منظمة التعاون والأمن لدول المنطقة. عناصر التسويات الأمنية وفيما يتعلق بالدول التي لها حدود سلمية متفق عليها مع اسرائيل تم تحديد ما يلي: التسويات الأمنية التي اعدت, بواسطة ابعاد القوات عن الحدود, لإزالة مخاطر الهجوم المباغت والإرهاب. فمع مصر ضمن في التسويات الأمنية للسلام, عمق يمتد 200 كيلوا مترا عن حدود اسرائيل وتم فيها تطبيق تسويات لنزع الأسلحة وتخفيض القوات أما مع سورية فيتطلب الأمر عمقا يتراوح مداه بين 80 ــ 100 كيلوا مترا عن حدود اسرائيل لكي يطبق فيها نزع للاسلحة وتخفيض للقوات وبالإضافة الى ذلك ابعاد الصواريخ والطائرات الهجومية الى مدى يبلغ مئات الكيلومترات عن الحدود. وبالنسبة الى لبنان يجب ان يكون منزوعا من البنية والقوات العسكرية السورية, وأما الدولة الفلسطينية فينبغي لها ان تكون منزوعة تماما من بنية الحرب والإرهاب. التزامات سياسية, بضمان من الولايات المتحدة, للحيلولة دون تشكيل أي تجمع استراتيجي لمحاربة اسرائيل. التبادلية كرافعة لتطوير امن السلام المنفردة باتجاه ـ أمن السلام الشامل. وتشمل هذه التبادلية من بين ما تشمل: نزع وتخفيض للقوات ايضا في مناطق اسرائيل (وبعمق رمزي) والتزامات سياسية من قبل الأطراف لمنع أي انتشار أو تقديم الدعم للإرهاب الدولي, وتمويل قوة متعددة الجنسيات متفق عليها من قبل الأطراف المعنية وذلك من اجل الأشراف والرقابة, ولجان برئاسة وزراء دفاع وضباط كبار لتنفيذ التسويات الأمنية والتعاون لمكافحة الإرهاب, بواسطة الاستخبارات والتنسيق وفتح هيئات الدفاع للزيارات والتعاون. يستوجب الربط بين أمن السلام المنفصل بأمن السلام الشامل, إضافة الى النشاط السياسي باتجاه السلام الشامل, الأخذ بالحسبان, أنه في الوقت الذي تشكل فيه مصر قلب (جبهة عربية) في حرب ضد اسرائيل, فان سورية تشكل فقط عنصرا رئيسا واحدا في جبهة شرقية يضاف اليها شريك استراتيجي كالعراق أو ايران أو كلاهما معا الأمر الذي يؤدي الى تشكيل تهديد بالغ الخطورة لوجود اسرائيل بواسطة أسلحة الإبادة الجماعية. ولهذا السبب بالذات ينبغي لمراحل تنفيذ أي انسحاب من الجولان وانشاء تسويات الأمن للسلام المنفرد مع سورية أن تتضمن تسويات بضمان الولايات المتحدة لمنع أي ارتباط استراتيجي سوري مع العراق أو ايران. أما بالنسبة إلى التزامات الولايات المتحدة فان من الجدير الأخذ بعين الإعتبار أنه لولا تدخلها في قيادة مسيرة السلام لما تم التوصل الى اتفاقات تستند الى اعادة مناطق لصالح ضمان قدرة اسرائيل للدفاع عن وجودها وسلامتها في نطاق حدود متفق عليها. ناهيك عن ان بناء الجيش الإسرائيلي لسنوات الألفين على اساس الإنذار المبكر في وقت حقيقي, وعلى الردع الإستراتيجي للدفاع عن وجود اسرائيل وعلى ذراع استراتيجية بعيدة المدى بواسطة طائرات هجومية وقوات برية وجوية وبحرية, وعلى امن للسكان من وجه أي هجوم أو ارهاب من البر والجو والبحر ـ وأيضا بواسطة سلاح للإبادة الجماعية رهن بحجم المعونات العسكرية الأمريكية. كذلك فان قدرة اسرائيل على مواجهة المخاطر المحدقة بوجودها, حتى تتم ازالتها, رهن بالتعاون مع الولايات المتحدة لإنشاء منظمة للتعاون والأمن لدول الشرق الأوسط واقامة علاقات متبادلة بينها وبين هيئات دولية تعنى بالحفاظ على امن العالم ومناطقه. في مثل هذه الأطر يصبح بالإمكان تطوير سلاح وامن لأمد بعيد, بحيث تؤسس أيضا على إزالة مخاطر اسلحة الإبادة الجماعية عن طريق نزع الأسلحة ومراقبة التسلح. قصة الشرق الأوسط أما الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس معهد الأهرام للدراسات الإستراتيجية في القاهرة, فيقدم لنا (في مقالته التالية التي نشرت في نفس التقرير الأمني الإسرائيلي باللغة العبرية) رؤية تحليلية عربية لمعادلة الأمن والسلام او السلام والأمن ولمفهوم الأمن اليوم والنظام الشرق أوسطي الجديد, لينتقل الى الدور التخريبي الذي لعبه وما يزال نتانياهو في عملية السلام, ويعرج كذلك على المستجد الأخطر وهو التحالف العسكري الإستراتيجي التركي ـ الإسرائيلي كبديل للسلام.... يقول الدكتور سعيد: حينما يشرع المؤرخون بالكتابة مستقبلا حول الشرق الأوسط في العقد الأخير من القرن العشرين, سيشيرون الى الإنتخابات الإسرائيلية التي جرت في مايو 1996 كنقطة تحول في أمن المنطقة. ففي أعقاب انتصارهم بفارق ضئيل جدا, نجح نتانياهو, الليكود, والإئتلاف اليميني الذي شكلوه, في قلب عملية بناء الأمن الإقليمي, الذي بدأ مع نهاية الحرب الباردة في مؤتمر مدريد, رأسا على عقب وإعادة الشرق الأوسط الى الوراء. ان قصة الشرق الأوسط في عهد ما بعد الحرب العالمية الثانية هي قصة معاناة, خوف, عنف وباختصار ـ فقدان الأمن. فقد حدثت في هذه المنطقة التي كان فيها فقط 8% من سكان العالم 25% من الصراعات المسلحة في العالم منذ 1945 وكان ثمن هذه النزاعات 2,7 مليون قتيل و14 مليون من المهاجرين 1,4 تريليون دولار. وكل ذلك قبل ان تحسب خسائر الأرباح إثر عدم استغلال الموارد الإقليمية لأهداف بناءه. أسباب التوتر هناك جملة من الأسباب للتوتر والميل الى العنف بين الدول وفي داخلها في الشرق الأوسط. ومن تلك الأسباب الواقعية خاصة فيما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي العربي والذي قتل بسببه نحو 200 الف انسان بين عامي 48 و,93 وطرد ثلاثة ملايين شخص وبذرت أموال تقدر بنحو 300 مليار دولار, ومما لا ريب فيه ان النزاع الإسرائيلي ـ العربي يحتل مكانه تتقاطع فيه نزاعات شرق أوسطية كثيرة أخرى, وهو يشكل محورا مركزيا لمواجهات اقليمية ودولية كثيرة. وخلال العشرين سنة الأخيرة اعتقدت الأسرة الدولية بشكل عام, والولايات المتحدة وأوروبا بخاصة, بان تسوية هذا الصراع يمثل القاعدة الأساسية لأي تغيير نحو الأفضل في هذه المنطقة التي تعج بالنزاعات. مفهوم الأمن اليوم لقد أدت نهاية الحرب الباردة, والثورة التكنولوجية واتساع وبلورة السوق العالمية وتشكيل اوروبا الموحدة الى تغيير في الأسلوب الذي يتم من خلاله توصل دول ومناطق الى وضع من الأمن, ويتلخص هذا المبدأ بما يلي: فبدلا من ردع أمم بواسطة العدوان وسياسة القوة أخذوا يخلقون وضعا ينطوي على ما يمكن ان يربحوه من حفظ السلام والاستقرار. ان معنى الأمن اليوم يتمثل في مفهوم شامل من الأمن الجماعي الذي يدمج صورا مختلفة من النشاطات المتبادلة بين دول قومية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. في النصف الأول من التسعينات اجتاز الشرق الأوسط سلسلة من التغييرات الأساسية إذ خلقت حرب الخليج, ونهاية الحرب الباردة سلسلة من الفرص, ومن خلال وساطة أمريكية نشطة بأت في اكتوبر 1991 في مدريد مسيرة السلام, وما ان جاءت نهاية عام 94. حتى تحقق اتفاق سلام اسرائيلي فلسطيني واتفاق سلام اسرائيلي اردني, وقد تجسدت أهمية مسيرة المصالحة الإسرائيلية ـ العربية الجديدة في عرضه بعدا جغرافيا ـ اقتصاديا واعدا تعارض مع الاضطرابات الجغرافية ـ السياسية التي كانت من نصيب المنطقة بصورة تقليدية خمسة مواضيع وإضافة الى المفاوضات الثنائية, كان من المقرر ان تتشكل طبقة من المفاوضات, طبقة متعددة ـ الأطراف تعنى بالبحث في خمسة مواضيع تهم كافة الأطراف هي: نزع السلاح ورقابة السلاح, المياه, اللاجئين, التنمية الإقتصادية والمحافظة على البيئة. وعلى الرغم من ان المحادثات متعددة ـ الاطراف اسفرت عن نتائج محددة فقط, إلا انها قدمت الالهام الكثير من المبادرات وتسريع التنمية والتعاون الإقتصادي في الشرق الأوسط والتي كان أبرزها التئام مؤتمر القمة الإقتصادي للشرق الأوسط في المغرب في أواخر اكتوبر 94. ثم تلاها المؤتمر في عمان في عام ,95 والمؤتمر في القاهرة في عام ,96 ثم مؤتمر برشلونه في نوفمبر 95. وفي مارس 1996 عقد مؤتمر شرم الشيخ لصانعي السلام, حيث بحثت فيه لأول مرة مبادرة لتشكيل هيئة مشتركة لمكافحة الإرهاب. وكان قد حضر المؤتمر, بالإضافة الى 14 دولة عربية واسرائيل, 15 دولة أخرى على رأسها الولايات المتحدة, والأهم من كل ماورد, فقد بدا الشرق الأوسط خلال تلك السنوات وحتى سنة ,96 مكانا واعدا للعيش فيه, وبدا واعدا لدرجة أن العديد من دول المنطقة, وخاصة اسرائيل شرعت في تسويق نفسها كمركز للإستثمارات وللسياحة الدولية. النظام العالمي لقد أبدى رجال الشرق الأوسط تصميما للإندماج في النظام العالمي الرأسمالي عن طريق المنتديات العامة, المؤسسات, ومسارات وجهت لخلق فرص للاستقرار والازدهار لشعوب وامم الشرق الأوسط وشمال افريقيا وكان من المقرر ان تكون اسرائيل المستفيد الأساسي من التنمية, والإستثمارات, والعلاقات الإقتصادية والسياسية مع اكثر من مائة دولة في العالم بيد ان الشرك ظل مكانه: ذلك ان تلك الجهود كانت رهنا بشكل مطلق بنجاح مسيرة السلام العربية ـ الإسرائيلية. ولسوء الحظ كان وجود مدرج الاقلاع للسلام والتنمية والأمن في الشرق الأوسط, بالنسبة للكثيرين سببا كافيا للقيام بمحاولة وقف مسيرة السلام. قبل ان تختفي جهات معينة بالصراع وبالحرب وقبل ان تختفي الايدلوجيات المتعصبة والمتطرفة, واصبح بوسع المعارضين للسلام في كل من اسرائيل والعالم العربي ان يربتوا على اكتاف انفسهم اذ ان الإرهاب يفلح احيانا في تحقيق اهدافه بمثل هذه الكفاءة وقد نشأت في الشرق الأوسط ظاهرة مفادها انه كلما برز مؤشر على التقدم في مسيرة السلام تحدث عملية عنيفة في جانب أقلية اسرائيلية او عربية بغية اعاقتها او توقيفها بصورة مطلقة بيد ان انجاز المتطرفين الأكبر تجسد في تمهيد الطريق امام المعارضين الرئيسين للسلام والذين يتعارض مفهومهم للمفهوم الجديد للأمن الإقليمي للشرق الأوسط لاعتلاء سدة الحكم في اسرائيل. ائتلاف نتانياهو فقد ابدى ائتلاف نتانياهو رئيس الحكومة وائتلافه اليميني معارضة شديدة للمسيرة كلها حتى موعد الإنتخابات في اسرائيل وفي الواقع ما يزال هنالك وعود كبيرة من اعضاء حكومة اسرائيل يعبرون عن هذا الرأي حتى يومنا الحالي وكانت نتيجة هذا الواقع فقدان الثقة في تطبيق الإتفاقات والتأجيل والتأخير والتنازلات للمستوطنين والمتعصبين يهود متدينين كما حدث على سبيل المثال بالنسبة لإتفاق الخليل زد على ذلك ان فقدان التوازن بين القوة التي شاركت في المفاوضات فاقم من كل ذلك, حيث صمم نتانياهو ان يستغل هذا الوضع فقد وصف رئيس الحكومة مرة تلو الأخرى وفي اكثر من مقابلة السلام الإسرائيلي مع الدول العربية وبخاصة مصر بمصطلحات الردع وسياسة القوة والتفوق العسكري الإسرائيلي كما تجاهل تماما فكرة الانسحاب من المناطق العربية كأساس للسلام وبدا أحيانا ان نتانياهو يقلب صيغة (مناطق مقابل السلام) الى وجوب اعطاء اسرائيل مناطق مقابل قيامها بمنح السلام للدول العربية ومن خلال هذا المفهوم المبني على القوة رفض نتانياهو رؤية العامل الجغرافي الإقتصادي عنصرا في امن اقليمي وكما يجري بشكل عام (عندما دعى شمعون بيريز الرئيس الاسبق لحكومة اسرائيل الى انشاء شرق أوسط جديد), فقد سخروا من افكاره ليس فقط في دول عربية وانما في اسرائيل وخاصة القيادة الإسرائيلية الحالية ونتيجة لذلك توقفت العناصر الجغرافية الإقتصادية لعناصر السلام قبل المحادثات متعددة الأطراف او المؤتمرات الإقتصادية سوية مع مسيرة السلام وبدل منها اختار نتانياهو تعاونا اسرائيليا وثيقا مع تركيا وقد ادت هذه الخطوة فقط الى تعاظم المخاوف في المنطقة وخلفت مرونه عربية على الموقف العربي ازاء نظامي ايران والعراق, كما منحت شرعية لحركات راديكالية وتعصبية مهدت الطريق لتوازن نظام القوة في الشرق الأوسط مع كل ما يترتب على ذلك من ناحية سباق. الأبعاد النفسية الى ذلك كله فان الابعاد النفسية لسياسة القوة الإسرائيلية على العالم العربي لا تقل اهمية فمنذ الشروع في المسيرة السلمية في منتصف السبعينات نجح تفاهم اخذ بالإتساع في الجانب العربي لإحتياجات اسرائيل الأمنية ولهذا وافقت كل من مصر والأردن على اجراءات متساوقة وقد فسرت هذه التنازلات على انها عامل مساعد على تسوية النزاع الإسرائيلي العربي وعلى تحقيق علاقات اكثر تساوقا في المستقبل بيد انه في الوقت الراهن وعلى ضوء ما يبدو من ان السلام وتسوية النزاع اصبحا أبعد من أي وقت مضى, اصبحت قوة اسرائيل قوة مهددة وهي قوة تقود ليس الى فقدان التوازن في المنطقة فحسب وانما قوة تستخدم بغية تخليد الاحتلال ومعدة لإحاكة المؤامرات للسيطرة على مناطق عربية اضافية في المستقبل, ان كل عربي يتذكر السؤال الذي سأله شيخ جزائري عندما قيل له أن قوات فرنسية استعمارية قدمت الى الجزائر من اجل نشر الحضارة الغربية والمعاصرة. فقد سأل الشيخ قائلا: (ولكن لماذا احضروا معهم كل هذا البارود ؟(فبدون السلام, سيسأل كل عربي في عصرنا السؤال نفسه ولكنه سيغير فقط البارود بقنابل نووية. ان النتائج النهائية لمفهوم نتانياهو الجديد فيما يتصل بالأمن في الشرق الأوسط يعيد المنطقة الى الوضع الذي ساد فيه على امتداد الماضي. في الحقيقة مازال من السابق لأوانه بعد تحديد ما اذا كانت المنطقة قد خسرت نهائيا فرصة الولوج الى القرن الحادي والعشرين مع نبوءة جديدة بيد ان نهج نتانياهو عقد المناخ الأمني في المنطقة لدرجة انه خلق اضرارا ذات مغزى سيكون ثمن اصلاحها باهظا. شرح صورة السلام الاسرائيلي عبر فوهات المدافع والدبابات