تناول الشريف زين العابدين الهندي الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي المنشق عن قيادة محمد عثمان الميرغني, في حوار ساخن مع(البيان)بدأ من مقابر حي بري بضواحي الخرطوم , كل القضايا الساخنة على الساحة السودانية على رأسها قانون التوالي المثير للجدل في الأوساط السياسية ومواقف الحكومة والمعارضة من هذا القانون الذي يهدف إلى اعادة تنظيم الأحزاب وتناول كذلك تداعيات الحزب الاتحادي الديمقراطي وامكانيات الوفاق الوطني ومحاذير رفضه واستقراء دروس الماضي في الممارسة الديمقراطية الخاطئة. وتحدث الهندي الذي عاد مؤخرا للبلاد بعد طول غياب ومعارضة في الخارج وقام بالعديد من الاتصالات مع قيادات الحزب بالخارج لاقناعها بالتخلي عن المعارضة والدخول في حوار مع النظام الذي قال انه ألقى بندقيته جانبا وقطع نصف الطريق للوصول إلى المعارضة وعليها أن تكمل المشوار وتنتهز هذه الفرصة السانحة قبل أن يتناول النظام مرة ثانية بندقيته ودعا الأحزاب والمعارضة إلى التفاعل مع طرح قانون التوالي ودعا الجميع لأن (يتوالوا) قبل فوات الأوان. وطالب الهندي القيادات الحزبية بالاعتراف بأخطائها والاعتذار لجيل الشباب عن ممارسات الماضي وصب جام غضبه على المعارضة التي تتخذ من دول مشبوهة مقرا لها ودعاها إلى مغادرة هذه المواقع لمساعدتها في اتخاذ القرار الصحيح وناشد الجميع التجاوب مع قانون التوالي واصفا من لا يستطيع أن يكسر قيده بأنه ليس أهلا للممارسة السياسية الديمقراطية واستبعد في حواره حدوث انتفاضة جديدة على غرار ما حدث في ابريل 1985. وفيما يلي نص الحوار: - من الواضح انك مطمئن جدا إلى قانون (التوالي) بعكس الآخرين الذين عارضوه.. فماذا تقول؟ ــ اعتراض الأحزاب السياسية على الدستور وقانون التوالي السياسي لا يقوم على أسس موضوعية, لان المطلوب هو الحريات السياسية والحقوق الدستورية. الذي وضع قاعدة هذه الحريات, أو تلك الحقوق, والرافضون يبدون كأنهم في انتظار حلم الانتفاضة وأنا لا أتوقع انتفاضة شعبية لأن الشعب السوداني مكبل بأخلاقياته وهو شعب يحترم القانون ولا يجزع عندما يدهمه الجوع والبلاء, وعرف عن الشعب السوداني على مدار تاريخه الحديث الصبر والصمود, والتاريخ الحديث يدلنا على المقدرة على اجهاض الانتفاضات, ورغم صراعنا المرير والطويل ضد جعفر نميري الا انني غير سعيد بانتفاضة ابريل 1985م لانها لم تكمل شروطها والمبررات التي أدت إلى اندلاعها, ولهذا جاءت نتائجها كلها مخيبة للآمال. - ولكن لا يكفي أن يصدر قانون للأحزاب والانتخابات بينما ما زالت أجهزة السلطة قائمة وهي تتولى تنفيذ القانون واجراء الانتخابات العامة؟ ــ نحن ندعو ونعمل لتكوين (حكومة برنامج) لتقصي أسباب الفشل السياسي على مدى أربعين عاما والانحدار الاقتصادي والهبوط الاجتماعي, وعدم القدرة على إدارة حكم البلاد, لمعرفة العوامل التي أدت إلى ذلك توطئة لعلاجها جذريا, للدخول إلى القرن المقبل برؤية أكثر وضوحا, اضافة إلى اعطاء الأجيال الجديدة من السودانيين المشاركة بصورة أفضل, لانها الأجيال التي ستحمل مشعل الحرية لتدخل به إلى عهد الألفية الثالثة. ان البحث عن المشكلات السودانية وتقصي جذورها ومسبباتها لا يتم عبر المؤتمرات الوظيفية الأدائية وإنما عبر المؤتمرات التي تشارك فيها شخصيات تمتلك ارادتها الفاعلة, لان المؤتمرات الوظيفية والأدائية تمثل هوى القائد الذي وجه الدعوة لكن المؤتمرات الحقيقية والتي تتم في ظرف ديمقراطي تكون مصاحبة بالنقد والجرأة والمواجهة, ومناخ الحرية الذي افتقده السودانيون منذ ثلاثين عاما إذا توافر فإنه سيتيح فرصة واسعة لتبادل الآراء وتوجيه النقد وتصحيح المسار بالصورة التي تحقق تطورا حقيقيا في المجتمع والدولة. ان هنالك الكثيرين الذين يكذبون ويرفعون شعارات الحرية وبعضهم أقسم بالولاء للعبودية ومن بين هؤلاء سياسيون في الداخل والخارج. وأحسب انه لابد من الاعتراف بالأخطاء أولا, ثم الاعتذار للأجيال الشابة, عن الأضرار البليغة التي ألحقها بها جيلنا الأمر الذي دفع معظمهم إلى الهجرة السياسية داخليا والهجرة بحثا عن ملاذ آمن خارجيا. تجاوز الماضي - في رأيكم هل آلية (حكومة البرنامج) قادرة على إدارة هذه المؤتمرات؟ ــ لقد الحق السياسيون أضرارا بهذا البلد وشعبه لذا لابد من إيمان القيادات السياسية بضرورة معالجة أخطاء الماضي والعمل على تجاوزها في المراحل المقبلة وفق برنامج وطني جامع يحوي الاطار الديمقراطي والحريات العامة والتعددية السياسية التي تقوم عليها أحزاب مؤسسية وتكون المؤسسات هي المرجع والمنطلق, ويمكن أن تتشكل الحكومة من فنيين (تكنوقراط) من المسؤولين لإدارة الدولة في هذه المرحلة الحرجة ويا حبذا لو قل فيها عدد السياسيين, على أن تعمل على تحقيق اصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي, ولتنقذ البلاد من الكوارث القائمة, واصلاح الاخلاق, واعادة علاقات السودان بجيرانه وسائر علاقاته الخارجية إلى طبيعتها أو إلى ما هو أفضل مما كانت عليه, وإيقاف الحرب الأهلية, وكسب اتفاقية السلام لمصلحة الوحدة الوطنية بدون الانفصال وحق تقرير المصير) وذلك باستقطاب الجنوبيين بالرضاء والتعاون الحسن.. وكل ذلك لمصلحة البلاد. وستكون هذه الحكومة وحكومة البرنامج.. مرحلة انتقال من الوضع الراهن إلى مرحلة التعددية السياسية والديمقراطية على أن تتولى انتخابات حرة نزيهة, ذلك وفق الدستور الراهن وقانون (تنظيم التوالي السياسي) . وكل من لا يؤمن بالدستور أو قانون التوالي السياسي يستبعد من (حكومة البرنامج) , وان كان لدى القوى السياسية ملاحظات على (التوالي) أو الدستور فيمكن تغييرها وفق القانون عندما يحقق أغلبية شعبية توصله إلى قيادة البلاد برلمانيا. - الأحزاب طول السنوات العشر الماضية في حالة ركود ومنها الاتحاد الديمقراطي فكيف يتسنى لها المشاركة الفاعلة في مثل هذا البرنامج؟ ــ نحن نعمل من الآن على اعادة بناء الحزب الاتحادي ليكون مؤهلا لخوض مرحلة (التوالي السياسي) ويشارك في ذلك أقطاب الحزب ورموزه التاريخية ذات الثقل الجماهيري والرصيد النضالي, وأنا شخصيا سأخرج من مؤتمر الوطن (الحزب الحاكم) الذي بصدد تحويله إلى حزب سياسي لاننا لنا تاريخنا النضالي الوطني المشهود من خلال حزبنا, ولان موقعي الحالي في المؤتمر الوطني لم يأت من القواعد إنما جاء لأسباب وضرورات سياسية, ولكن عندما يتحول المؤتمر من (نظام سياسي) إلى حزب سأعود إلى الحزب الاتحادي الديمقراطي مثل آخرين كثيرين, سيعودون إلى أحزابهم, وستكون لدينا فرصة كافية لتوظيف تجاربنا السابقة والحالية في انجاح ذلك البرنامج, وفي تقديري ان من لم يشارك في مبادرة الحوار الشعبي الشامل, الذي أدى إلى ايضاح المرحلة الدستورية الراهنة, ولم يبد آملا فيها, ليس لديه أي مستقبل في المرحلة الدستورية المقبلة. ضمانات للمعارضين - هل تكفي مجموعتكم الحزبية وحدها لقيادة الحزب؟ ــ أتوقع عودة عدد من رموز الحزب المعارضين إلى البلاد, وهم من الشخصيات المشهود لها بالدور الوطني الرائد, وراقبوا التطورات الدستورية عن كثب واقتنعوا بأنها دقيقة ومن ضمن هؤلاء: محمد الحسن عبدالله يس عضو مجلس رأس الدولة السابق وتاج السر الميرغني العضو القيادي, وميرغني عباس, وهؤلاء أكدوا لي بأنهم سيعودون للاسهام في المرحلة الدستورية المقبلة. وهناك ضمانات بألا يتعرضوا للمساءلة عن مواقفهم المناوئة للحكومة, وسيشاركون بفعالية وسيسهمون في اعادة تشكيل الحزب الاتحادي الديمقراطي ليلعب دوره الوطني الديمقراطي. - ما هي أهم سمات مبادرة الحوار الشعبي الشامل وموقف القوى السياسية منها؟ ــ مبادرة الحوار الشعبي الشامل وصلت إلى كل الأحزاب وطرحناها على القيادات السياسية دون تمييز لكنها قوبلت بالرفض ووصفها الصادق المهدي رئيس حزب الأمة بأنها (ولدت ميتة) , والمبادرة تنهض على الثوابت التي من الممكن أن يتفق عليها أهل السودان, ولم تختلف عليها كثيرا القوى السياسية السودانية ويمكن تبنيها كمشروع مرحلة يعمل على تحقيقه الجميع, وهي تحوي كذلك التعددية السياسية والحريات والديمقراطية ووحدة الوطن, ومشكلة الحكم. - ولكن (التوالي السياسي) تجاوز المبادرة كما يرى البعض أو قام بتحجيمها في نظر آخرين فما رأيكم في ذلك؟ ــ لم يكن في المبادرة تغيير (التوالي) إنما (التعددية السياسية) و(التوالي) كلمة اتخذ منها البعض النشاط السياسي بحرية وهذا هو المهم مهما كان العنوان فالأساس في المعنى والدلالة, والتوالي يعني التعددية السياسية, والنص في الدستور يعني ذلك, وبالمناسبة هناك العديد مما تضمنته روح المبادرة ظهر جليا في الدستور وفي قانون تنظيم التوالي السياسي.. بما في ذلك المؤسسة والولاء للبرنامج وغيرها من الثوابت التي انبثقت عن مبادرة الحوار الشعبي, والتي كنا وما زلنا نرى انه في حال توافرها لا يوجد مضار في هذا الوطن, وعلى ضوء الثوابت انبثق الميثاق الوطني, وللحقيقة لمسنا من خلال الحوار حول المبادرة مصداقية الحكومة في التحول الديمقراطي والتعددية, والحوار الموضوعي الخالي من الطمع والمنافسة الحادة, وبالفعل أعطت الحكومة الميثاق الشعبي اعتبارا رسميا, وفي المؤتمر الوطني العام أجازت الحكومة في أعلى هيئاتها السياسية ميثاق الحوار الشعبي الوطني, وهو يمثل روح الدستور وأية فقرة من فقرات الدستور نابعة منه, وكل هذا تم تعيينه ضمن قانون تنظيم التوالي السياسي الذي فك القيود عن الأحزاب السياسية وفتح أمامها المجال لممارسة العمل السياسي بحرية ونشاط للمنافسة من أجل تداول الحكم, ولا أرى مبررا للوقوف أمام كلمة (التوالي) واعتبارها حجر عثرة أمام ممارسة النشاط السياسي, وانني عندما أعثر على ما يحققه لي حق الممارسة السياسية بحرية حتى ولو كان ثقبا صغيرا, سأمارسها لان ذلك هو الطريق السليم الذي منه سأنطلق لتغيير ما لا آراه مناسبا أو معوقا للعمل السياسي الديمقراطي الحر, وأن أسعى إلى التعديل وفقا للقانون حتى أصل إلى الصيغة الأفضل, وفي رأيي ان اقرار (الانقاذ) للتوالي السياسي هو قمة القوة لدى الحكومة وبإرادتها وافقت على منافسة الآخرين لها في الحكم. تحفظات حزبية - مع ذلك ترى الأحزاب ان هذا ليس كافيا ما دامت السلطة وحدها منعت وأجازت القانون؟ ــ طالما الأحزاب السياسية بقواعدها وقياداتها في مستوى الحجر فهم ليسوا أهلا للممارسة السياسية, لان الإرادة السياسية هي الأساس الذي تنهض عليه قوة الحزب وسلامة قيادته, ولان من لم يكن في مستوى الحجر لا يحجر عليه, ومن لا يستطيع أن يكسر قيده ويتحرر منه ويحله عليه أن يبقى مقيدا. - قيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي بالداخل تعترض أساسا على ما جاء به الدستور بشأن الفدرالية قبل تقوية المركز مما سيؤدي إلى تمزيق البلاد؟ ــ لقد علمنا الحوار ان نبدأ من قاعدة الانطلاق, أن يتم الاتفاق على قاعدة ينطلق منها الحوار, ان الفدرالية ليست نداء لكنها رغبة لدى بعض الذين يكفرون بالمركز وهو متهم باحتكار السلطة واهمال الأقاليم, وخرج شعار لأول مرة باسم (المناطق المهمشة) , هل هذا يفيد؟ أعتقد انه من الأسلم أن نترك للفدرالية فرصة التجريب ريثما نرتب أمرنا قبل الانطلاق إلى الوحدة, لندع الناس تجرب حظها في الفيدرالية, وللفيدرالية مناصرين قاتلو من أجلها في طليعتهم محمد ابراهيم دريج حاكم دارفور الأسبق وزعيم التحالف الوطني الفيدرالي المعارض, وهو بعد أن لمس جدية (الانقاذ) في تحقيق الفيدرالية سيعود إلى البلاد بعد ان غاب عنها طويلا مقاتلا من أجل هذه الفيدرالية. - رغم قناعتك ومجموعتك وأيضا الحكومة يبدو الأمر غير مقنع لغالبية الفعاليات والقوة السياسية؟ ــ لا أدري أية ضرورة ان يتصارع السودانيون دون سبب ويتصالحون دون سبب, لأن الوطن لا يحتمل كل هذه العذابات والجراحات والمرارات, ولابد ان نقف عند العلل لمعرفتها وبحث سبل معالجتها قبل الانطلاق إلى المجهول, لابد ان ندخل القرن الجديد ونحن مزودون بخياراتنا وبرامجنا وأهدافنا الواضحة, لقد كان السودان في السابق يتحمل التهورات و الانقلابات والانتفاضات, كان غنيا بالمال والرجال وكان الزمان جميلا, أما الآن فالسودان لا يحتمل كل ذلك, وصار نهبا لكل من كان, وما لم يكن, وأصبحت البلاد منتهبة ومنتهكة. - المعارضة ترى ان الحل يكمن في عقد مؤتمر دستوري؟ ــ المؤتمر القومي الدستوري هو أنجع السبل لتحقيق الحلول الناجزة لمشكلات السودان الراهنة, عندما تجلس كل القوى السياسية حول مائدة الحوار وتقدم أوراق علمية واقية تطرح الداء ومكامنه وتقترح الدواء, لكنني أتساءل كيف يمكن عقد هذا المؤتمر؟ وما الذي يدعو إليه؟ وأين ومتى يعقد؟ لقد طرحنا مبادرة الحوار الشعبي ولم تجد الصدى المطلوب, ولم تقدم القوى السياسية الأخرى بديلها سواء كان مؤتمرا دستوريا أو غيره, وأعود لأسأل لماذا لم تبادر القوى السياسية الرافضة لمبادرة الحوار الشعبي بالعودة إلى مؤتمر قومي دستوري لمعالجة مشكلات السودان؟ وما هو الفرق بين المؤتمر الدستوري والثوابت, شخصيا غير محتاج للمؤتمر الدستوري, لكن القوى السياسية المؤمنة به لماذا لم تبادر إلى عقده بدلا من انتظار الحكومة لتفعل ذلك. - هناك آراء من داخل وخارج النظام ترى الانتظار لتحقيق الوفاء الوطني قبل تفعيل قانون الأحزاب. ــ أمام القوى السياسية فرصة ذهبية تتمثل في الدستور وقانون التوالي السياسي, ولا أرى شيئا لعدم الاستفادة من هذه الأجواء, اللهم إلا ان كانت هذه القوى عاجزة وليس لديها إلا الطمع في الوصول إلى السلطة, ان (الانقاذ) جاءت لأن الممارسة الديمقراطية صاحبتها أخطاء كثيرة, وهي لم تأت من فراغ وخير دليل على ذلك ان الديمقراطية عندما وأدت لم تذرف عليها دمعة واحدة. والسودان مقبل على اللبننة والصوملة ان لم ترتفع القوى السياسية في الحكومة والمعارضة إلى مستوى المسؤولية وتسعى إلى الجلوس إلى طاولة الحوار للوصول إلى أنجع السبل لحلحلة كل المشكلات التي تعانيها البلاد, من خلال التوالي السياسي والدستور. حرمان ديمقراطي - الأحزاب ترى ان قانون التوالي السياسي مفصل على الاسلاميين وحرمان الآخرين من الديمقراطية؟ ــ عمر الديمقراطية في السودان خلال حكم استمر 40 سنة هي سبع سنوات فقط استطاع خلالها السودان ان يحقق قفزات لم تصل إليها الدول المشابهة للسودان في خمسين سنة, وكلما تحققت تحولات ديمقراطية تكالبت عليها القوى العظمى والاقليمية, وحالت دون تطورها, وسأقف عند وأد الديمقراطية في العام 1969م, فإن كل من استفاد من المرحلة الديمقراطية الثانية, وكل الذين قاتلوا من أجلها هم من الاخوان المسلمين والأنصار, أما الأنصار فقد كانت الديمقراطية بالنسبة لهم (امامة) وهذا شيء جميل ان يقود الأنصار أمامهم إلى الديمقراطية والحريات باعتبارها هي الأهم بالنسبة لهم من معاشهم, هذا اضافة إلى رموز من الحركة الاتحادية, هؤلاء هم قيادات النضال الوطني من أجل الديمقراطية والحريات, هؤلاء هم الذين يبنون المستقبل الديمقراطي القائم على المجتمع المدني الحقيقي الذي ينص أيضا على الاتحادات والمنظمات المدنية والطرق الصوفية. - حكومة الانقاذ لديها القوة لفرض آرائها على الآخرين ولكنهم يرفضون ذلك ما لم تتساو الفرص؟ ــ بعد ان وضع نظام الانقاذ البندقية جانبا ودعا معارضيه إلى الحوار وقال لهم تعالوا إلى كلمة سواء لا أرى سببا واحدا لعدم دفع (الانقاذ) في اتجاه التحولات الديمقراطية والحقوق الدستورية, حتى لا تعود إلى البندقية مرة أخرى وهو احتمال وارد. - لكن الحكم الحالي تقوى اقتصاديا واعلاميا وسياسيا من الحق العام, فكيف تقبل الأحزاب؟ ــ هذا خطأ الأحزاب لأنها فرطت فجاء غيرها إلى السلطة, ولماذا لم تقم هذه الأحزاب بتقوية قاعدتها الاقتصادية والاعلامية والسياسية, هذا الموقف كان عندما انتزع نميري السلطة ففي عام 1976 جاءت الأحزاب تخوض في اشلاء أهلها ومواطنيها لانتزاع تلك السلطة وهي ممارسة لاسترداد الحكم تختلف عن أسلوب كل الآخرين ومنهم هؤلاء الحكام. - هل معنى هذا ان من يصل إلى الحكم يتجاوز الآخرين؟ ــ ليس هناك تجاوز والكل ينال حقوقه, ولكنه أيضا يلتزم فاعلية ولأن السودان ليس ملكا لأحد فلا يمكن لأحد ان يدعي ان كل شيء حقه دون ان يخضع لمحاسبه, وهذا من أسباب فقدان الديمقراطية عام 1969, ثم جاءت مرحلة (سعيد الحظ الذي لم ىأت الزمان مثله وهو الصادق المهدي) الذي طوال سنوات حكمه الأربع بعد سقوط نميري يقوم بحل الحكومة وهو في موقعه في رئاسة مجلس الوزراء المحلول, وذلك خلافا للغرض السياسي والديمقراطي ولم يلجأ مجلس السيادة لاعادة الأمر إلى البرلمان لاختيار رئيس وزراء جديد أو تكلفته بتشكيل الحكومة وفي هذا عدم احترام أيضا للبرلمان ولديه مائة من النواب وللحزب الاتحادي الديمقراطي المؤتلف معه في الحكم, ثم ماذا انجز الصادق المهدي أو حكومته بشأن المطلب الشعبي بازالة آثار (مايو) أو القصاص لأي خطأ ارتكبه نظام نميري, ولهذا فإن القتلة ما زالوا يتطالوا وهل نجح في ايقاف حرب الجنوب بالرغم من انه تنازل عن سلطاته عندما رفض (قرنق) استقباله بصفته رئيسا للوزراء, لهذا كله نحن عبثنا بالديمقراطية, ومن سوء حظ هذا الوطن ان حزبنا لم يحقق الأغلبية ولهذا ظلت الجماهير صامتة وفي حيرة مما يحدث والشيء الغريب ان زعماء الحزبين يطالبون لأن بما فشلوا فيه عندما كانوا في السلطة. مباركة شعبية - ما هي في نظركم ملامح الديمقراطية الرابعة؟ ــ هذا السؤال هام جدا وسيكون الرد عليه من أساسيات برنامج الحكومة القادمة, ولن تكون هناك أحزاب أو انتخابات إلا بعد الاجابة على هذا السؤال, والذي يستطيع الاجابة على هذا السؤال ينال مباركة الناس ليحكم, ولهذا فإن الأمور لن تسير كما كانت في السابق, فقد انتهت مرحلة (الأبوية) السياسية, مع ملاحظة ان المتصرف في السودان ويحرك الارادة الشعبية في الظروف الحالية هم المثقفون الذين لا يحتاجون إلى الكلام الكثير أو المنمق ولكن إلى أفعال لا تجدي معها المناورات الحزبية, وهؤلاء هم الذين نفتح لهم الطريق إلى البرلمان. - وكيف تجيب لنا على السؤال؟ ــ ان نتحمس الطريق منذ 56 عام الاستقلال حتى نتمكن من استخلاص التطعيم للحصانة من الأمراض التي ابتلينا بها ونشير إلى مواطن الداء لمعرفة الدواء, وإلا أصبح الأمر مجددا مجرد ألاعيب سياسية تحت مسمى (تداول السلطة) وللحصول فقط على بطاقة. - ما هو المطلوب من المعارضة الخارجية؟ ــ يجب ان يوجه هذا السؤال للمعارضة الخارجية؟ لكنني أرى انه لابد من ان توحد قيادتها وهدفها ورؤاها السياسية حتى يمكننا مساءلتها وحوارها, ولا أعتقد ان قيادة المعارضة متفقة بشكل جماعي حول (ميثاق أسمرا) . اضافة إلى ذلك على المعارضة الخارجية الخروج من المناطق المشبوهة مثل أسمرا لأنها قاعدة أمريكية اسرائيلية لتنفيذ المشروع الأمريكي في القرن الأفريقي, وخير دليل على ذلك قول الرئيس الأريتري بأن شعبه ليس عربيا, وعلى المعارضة الخارجية وحتى لا تقع في الشبهات, الخروج من أسمرا إلى مناطق مريحة. ثانيا: دعنا نعود إلى ميثاق أسمرا الذي أقرته المعارضة الخارجية, أبحث فيه عن مكاسب جديدة غير تلك التي أقرها الدستور ولماذا لا تعود المعارضة الخارجية لتطبيق ما اتفقت عليه في ميثاق اسمرا تحت مظلة الدستور, ويمكنهم تعديل المواد التي يرون انها تنتقص من حقوقهم بالطرق القانونية والديمقراطية. ودعوني أسأل لماذا تقاتل المعارضة الخارجية؟ ومن أين لها بالسلاح الذي تقاتل به, ولماذا تمنح اريتريا المعارضة هذه الأرض والدعم اللوجستي, صحيح اننا عندما هاجمنا حكومة مايو في 1976م وانطلقنا من ليبيا لم يشارك معنا في القتال عنصرا واحدا غير سوداني, بل لم نكن نسمح لهم بدخول المعسكرات, ورفضنا أي نتعامل مع العناصر المسلحة غير السودانية, لدخول معسكراتنا, ولم نسمح لها بأن تطأ الأرض السودانية, ودخلنا السودان بجيشنا الخالص المعارض, ولم نناوش عبر الحدود, لأن ذلك مثير لحفيظة المواطن والانسانية, ولم نكن نسمح بضرب رجال الشرطة في النقاط الحدودية, ناهيك عما تفعله المعارضة الآن من ضرب للمدنيين من داخل الحدود التي ينطلقون منها. وإن خرجت المعارضة عن هذا المكان المشبوه وأعلنت موقفها السياسي الواضح فإن العديد من الدول الشقيقة والصديقة سترحب بها, وستعمل على مطالبة حكومة الانقاذ بالاستماع إليها, ويمكن ان تمارس بعض هذه الدول ضغطا على الانقاذ( لمصالحة معارضيها, وطبيعي ان اتجاه المعارضة إلى مناطق مشبوهة يوردها التهلكة وأنا شخصيا أرفض ان يكون المستشار السياسي لمحمد عثمان الميرغني, د. منصور خالد بكل ما أملك من قوة, وفي نفس الوقت أرفض ان يسير الحزب الشيوعي السوداني الحزبين الكبيرين (الأمة) و (الاتحاد الديمقراطي) مع احترامي للحزب الشيوعي السوداني. نحن في الاتحاد الديمقراطي ليس لنا رئيس أو زعيم, لنا أمانة عامة كونت لاجراء الانتخابات وعقد المؤتمر, وليس من حق أحد أن يأتي ويقول أنا قائد, وإن كانت القيادة الموجودة بالخارج قيادة حقيقية لالتحقت بها جماهيرها, أو انفجرت تفاعلا مع نداءاتها ولاستطاعت ازالة النظام لأن جماهير هذه الأحزاب أكثر من جماهير الحكومة. ان (الانقاذ) خطت خطوة ووصلت نصف الطريق تجاه المعارضة فلماذا لا تنتهز المعارضة هذه السانحة وتكمل بقية الطريق, وتعود إلى قواعدها لتعمل على تكملة بناء أحزابها بطرق مؤسسية وبرامج مقنعة , ان كانت أحزاب ذات وزن فعلا, وبعزوف فإنها تظل عبارة عن بالونة فارغة يتسطيع اية دبوس ان يفقدها حياتها إذا تراجعت الحكومة عن ما أنجزته من اصلاحات دستورية واقرارها للحقوق الديمقراطية والسياسية. التشتت الاتحادي - ما هو سبب هذا الاطمئنان للحكومة في كل ما ذكرت؟ ــ هذه الحكومة منذ ان تحاورت معها والتقيت بقيادتها ومن اليوم الأول إلى الآن لم أكذبها في شيء ولم أرى منها أي ريبة, لكنني لمست صراعا مشروعا داخلها, بعضهم طالب بعدم اشراك الآخرين, إلا ان الغلبة كانت لدعاة الاصلاح مما قاد إلى الدستور, ولا أجد ان هناك ما يبرر عدم مشاركة القوى السياسية في المساحة الديمقراطية المتاحة ليختار الشعب من يحكمه. - هذا التشتت في الحزب الاتحادي وموقف اجنحته المتعددة ربما ينعكس على الديمقراطية؟ ــ كل الأسماء التي تطلق على أجنحة الحزب الاتحادي الديمقراطي هي أسماء شللية, دون شك هناك ضرورات أدت إلى انشاء الحزب الاتحادي الديمقراطي قبل مؤتمر الخريجين في سنوات الثلاثين من هذا القرن, وهو رغبة وطنية قديمة شاركت فيها شخصيات وطنية رائدة وصحف ومجلات مثل عرفات ومعاوية و (النهضة) و (الفجر) , وتخلق الحزب منذ ذلك العهد إلى ان وصل إلى ما هو عليه منذ الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأشقاء إلى الاتحادي الديمقراطي, ودخل خلال هذه المسيرة قادة الحزب السجون واستشهد البعض, ومازال الاحتياج الوطني لانشاء الحزب قائما , الذي أول من تبنى قضايا التعليم المجاني, ووضع الشروط المنصفة للمزارع وتحقيق الضمان الاجتماعي للعامل, ورعاية الطالب إلى ان برنامجنا ما زال حيا يحتاج إلى من يعيد طرحه وسيلتف حوله الكثيرون, وهذا وحده يوفر اطار لوحدة الاتحاديين. حوار : يوسف الشنبلي ومحمد الاسباط