يحكى أن نباشا للقبور امتهن سرقة أكفان الموتى في أحد القرى حتى ضجّ منه أهلها وأصبحوا يتمنون مجىء اليوم الذي يستريحون فيه من أفعاله الى ان مات , اراد ابنه الذى استأنف مهنة أبيه أن يستمطر عليه الرحمات ولم يجد إلى ذلك سبيلا غير وضع جثه كل من ينبش قبره على (خازوق) فأخذ الناس يقولون رحم الله أباه فقد كان يكتفى بسرقة الأكفان دون هذا التمثيل البشع. يتذكر المرء هذه المقارنة بين السىء والأسوأ والأكثر سوءاً وهو يسترجع أجواء الاتفاقيات مع الصهاينة منذ كامب ديفيد وما صاحبها من اعتقادات في السياق الذي جاءت فيه, وحتى سلسلة الاتفاقيات الأخيرة بدءا بأوسلو وحتى بواى بلانتيشن ولا يدرى احد تحديداً من سيأتي الاتفاق الأخير. وكيف ستكون حالته. المفاوض الفلسطيني أستهلك في تقديم التنازلات حتى لم يعد لديه ما يتنازل عنه, في حين ان نظيره الاسرائيلي يجيد تماما لعبة القفز الى الامام عشرات الخطوات مسبقاً اذا ما طلب منه التراجع خطوة واحدة الى الخلف. يعرف جيداً كيف يحصل على التنازلات التي يريدها في مقابل التلويح بتقديم (شيء واحد) بعد أن يتم تفتيته الى عشرات الجزئيات ليتفاوض على كل جزئية على حدة بصورة تضمن تشتيت مطالب من أمامه وإدخاله في دوامة التعقيدات التي يجيد نسجها. عشر سنوات هي الفترة الزمنية الفاصلة بين اجتماعات المنتجعات الامريكية كامب ديفيد وواى بلانتيشن, اختفى أبطال الأولى عن المسرح, غيب الموت بعضهم وتجاوزت الظروف آخرون وصار من ملغيها بالأمس على ما انطوت عليه من مساوئ وتنازلات يتمناها اليوم مدفوعاً في ذلك بما عليه الواقع من هشاشة مستمرة ليس فقط بشأن حجم التنازلات المقدمة, ولكن تعهد الجانب الفلسطيني بمقمع المعارضة التي تعد العرق الوحيد النابض في هذا المشهد البالغ المأساوية الامر الذي ينطوى على الكثير من الألغام الموقوتة التي تهدد وحدة الصف الفلسطيني وهو ما تتمناه إسرائيل. المفاوض الاسرائيلي يعرف جيدا كيف يستفيد من صقوره ويكمم افواه حمائمه, اما نظيره الفلسطيني فلا يجيد هذه المهارة ويتطوع بتنفيذ الرغبة الاسرائيلية في قمع صور المقاومة, ومن منا كان يتصور ذات يوم ان يقول عرفات للصهاينة (أمنكم هو أمننا)