نزع الاتفاق الأمني السوري التركي الذي كلل المفاوضات الحدودية بين وفدي البلدين مؤخرا فتيل مواجهة عسكرية, لاحت في افق المنطقة, الا انه لم يغلق ملف الازمة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ , منذ ادارت تركيا الاتاتوركية ظهرها لمجالها الحيوي ونسيجها الحضاري الاسلامي, محاولة استعارة قناع اوروبي فشلت كل الحكومات التركية والانقلابات العسكرية الثلاثة في تحويله الى وجه حقيقي, بل استحال الى كتلة من الاصباغ تمسخ الاصالة التركية. والازمة التركية السورية معقدة بقدر تعقد التدخلات والتقاطعات الاجنبية, وحرصها على صنع وافتعال ازمات تحول دون استقرار وطننا, فمنذ تسليم سلطات الانتداب الفرنسي لواء الاسكندرونه العربي السوري عام 1939 الى تركيا , ظلت الازمة كامنة, لتطفو بشكل دوري متكرر, وجاء التحالف العسكري التركي الاسرائيلي ليدشن افتعال الاتراك لازمة جديدة مع سوريا, لاصطيادها في فخ مواجهة عسكرية لصالح اسرائيل وللتغطية على فشل عملية التسوية من جانب, وامتصاص الازمات التركية الداخلية, التي فجرتها قضايا الفساد الحكومي, والتناطح مابين العسكر وحكومة مسعود يلماظ, والمواجهة مع الاسلاميين. صحيح ان الاتراك فرضوا اجندتهم على المفاوضات مع سوريا حيث ضخموا حجم قضية حزب العمال الكردستاني وهمشوا قضايا المياه والحدود, الا ان التعاطي السوري ودخول الدبلوماسية المصرية على الخط بكل ثقلها فوت الفرصة على محاولة الايقاع بسوريا. (البيان) استطلعت اراء نخبة من المثقفين السوريين حول ابعاد الازمة مع تركيا وانعكاسات التحالف التركي الاسرائيلي ومايشكله من تحديات الامن القومي العربي, الذي بات مكشوفا مقارنة بحقب المد القومي الذي افشله التهديد التركي لسوريا في الخمسينات. حسين العودات: مفكر واعلامي: لابديل عن تحالف سوري ايراني عراقي لمواجهة التهديدات التركية الاسرائيلية يقول المفكر الاعلامي السوري حسين العودات ان مايدعو للتساؤل هو لماذا لم تتناول الصحف السورية موضوع الازمة مع تركيا بشكل كامل والتصدي للاتهامات التركية التي تواصلت ضد سوريا ولهذه الازمة المفتعلة عدة اسباب منها محلية, تركية واسباب اخرى خارجة من اقليمية ودولية وهذه الاسباب مازالت قائمة. هناك قمع حكومي للشعب الكردي لان الحكومات التركية المتعاقبة لاتريد ان تعطيه اي حق لذلك فإن المشكلة ستبقى قائمة, ولتركيا مشاكل داخلية كثيرة مع الاقليات والاحزاب والديمقراطية واوضاعها الاقتصادية السيئة وعندهم سوء علاقات مع اوروبا كل هذه الاسباب اصبح النظام العسكري امام مشكلة حقيقية وكأي نظام يواجه مثل هذه المشكلة لابد له من ان يصدرها خارج حدود بلاده, النظام يدعي ان سوريا وراء ثورة الشعب الكردي هذا غير صحيح اطلاقا ورغم التأكيدات السورية والنفي بعدم وجود حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله اوجلان فإن النظام التركي يكرر اتهاماته لهذا فاعتقد ان المشكلة مع تركيا ستظل قائمة مع وجود المشاكل والازمات داخل تركيا ودائما ستبحث تركيا عن مبرر خارجي لتوهم شعبها ان هذه الاسباب خارجية وليست داخلية. اما بالنسبة لما يقال حول اندلاع حرب بين سوريا وتركيا فأنا استبعد ذلك ولكن لا استبعد قيام تركيا بعمل عسكري لان الاتراك بحاجة لمثل هذه الاعمال ربما تكون على شكل قصف جوي ليقنعوا الشعب التركي انهم قضوا على السبب الخارجي وهذا لن يحل اي مشكلة. واضاف العودات ان من دون شك ان لاسرائيل وامريكا مصلحة في ذلك لان هناك مفاوضات حول استئناف عملية السلام وهناك سبب اخر يتعلق بقبرص واليونان هذا السبب لايتحدثون عنه. والمعروف ان سوريا دائما مع قبرص ومع وحدتها ومع الشعب القبرصي ومع حل مشاكله لوحده وليس بغزو خارجي وسوريا على علاقات ممتازة مع اليونان هذا يزعج تركيا كثيرا وتعتقد ان اليونان تبقى في موقف قوي هذه المشاكل موجودة ومطروحة وتركيا تريد ان تعالج هذه المشاكل بالاعتداء وبأي طريقة من الطرق التي لاتصل الى نتيجة. وقال العودات حول اهمية وجود تحالف او تنسيق مع العراق من قبل كل من سوريا وايران بأن الرد الطبيعي والمنطقي ان يتمتن التحالف مابين سوريا والعراق وايران وهذا الشيء الطبيعي لمواجهة تركيا واسرائيل والروح العدوانية للعسكر الاتراك, لا اعرف لماذا لا يمتن هذا التحالف بعد كل هذه الاستفزازات شيء طبيعي ان يكون مثل هذا التحالف لان الموقف العربي لا اتوقع ان يكون اكثر من بيان ساخن او ان يقوم بعض العرب بالوساطة ماذا يمكن ان يفعل العرب بعد ما وصلوا اليه لابد من شيء مايحيط بتركيا من خلال تعاون او حلف مابين الدول الثلاث وهذا عمق حقيقي وهذا الفعل المباشر الذي يخيف تركيا لانها الان تسرح وتمرح وكأن لا احد موجود في الطرف الاخر. وسألناه هل تنظر بعين التفاؤل للاجتماعات السورية التركية على حدود البلدين على المستوى الامني قال: هذه اللجنة موجودة سابقا وعقدت عدة اجتماعات وهي مجرد استئناف للمحادثات السابقة والاتراك يطرحون نفس الطرح الذي كانوا يطرحونه سابقا ويدعون دائما ان سوريا تساعد اوجلان حتى لو كانت سوريا تساعد اوجلان ماهي المساعدة التي يمكن ان تقدمها هل اكثر من وجود لاجئين او بعض المساعدات الانسانية اوجلان قوته بشعبه, بوطنه, بحقوقه هذه قوته وليس بسوريا, انا اتصور ان المحادثات هي مزيد من التأكيد التركي للسوريين بأنهم يساعدون الاتراك وبالنسبة للجانب السوري مزيد من التأكيد على انهم لايساعدو الاكراد وتظل الاجتماعات بداية للطرح, واعتقد ان تركيا تحاول ان تغطي على الاشياء الاساسية تغطي على الاسكندرونة على المياه وعلى اراضي السوريين في تركيا وتغطي على العديد من المشاكل العالقة منذ عشرات السنين والان وجدت تركيا فرصة بسبب حال الضعف العربي اثارة اتهاماتها لسوريا. واكد ان خط الحدود التركي مع سوريا غالبيته من العرب وكذلك لواء الاسكندرونة. وقال استغرب كيف تطلب تركيا ان تتنازل عن لواء الاسكندرونة هل يمكن ان تطلب من شخص ان يتنازل عن جزء من جسده مؤكدا ان لواء الاسكندرونة ومساحته 5 كليومترات مربعة وهو ارض سورية مائة بالمائة. عدنان حمدون (سياسي وضابط سابق): الهدف توريط سوريا في حرب لصالح اسرائيل الازمة التي افتعلتها القيادة التركية مع سوريا جاءت في ظروف وتطورات اعتقدت المؤسسة العسكرية التركية انها مناسبة للتحرش بسوريا وجرها لمعركة ليست لا هي ولا الدول العربية مستعدة لها وفي ظرف دولي ليس لصالح اي طرف عربي, فالعالم الآن وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تحت الهيمنة الامريكية واسرائيل من خلال اللوبي والجاليات اليهودية في العالم وبشكل خاص في الدول ذات الثقل والتأثير تقيم افضل العلاقات سواء في روسيا وأوروبا وأمريكا والدول المستقلة الى جانب اقامتها حلف عسكري وأمني مع تركيا وهذا هام جدا في المسألة التي نحن بصددها ومما يعزز من اعتقاد المؤسسة العسكرية في تركيا ان الوقت قد حان لتصفية الحسابات مع سوريا الوضع العربي المتردي الذي يعاني من التشرذم والخلافات والمشاكل المحلية, مما يجعل مسألة التضامن والموقف العربي الصلب مع سوريا امرا في غاية الصعوبة, فكل ما سمعناه منذ بداية الشهر الحالي والى الآن لا يعدو كونه تأييد اعلامي وسياسي دون اي التزام بالوقوف الفعلي مع سوريا او اتخاذ خطوات ضد تركيا كأن تقوم بعض الدول العربية المرتبطة بعلاقات اقتصادية كبيرة بقطع هذه العلاقات التي بتقديري ستشكل كارثة على الاقتصاد التركي لأن من اسباب افتعال الازمة مع سوريا هو الوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور للشعب التركي وما تعانيه بلاده من تضخم وركود وبطالة. ان الوضع العربي شجع تركيا وجعلها تعجل في اثارة الازمة بحجة تأييد سوري لحزب العمال الكردستاني وهذا ما تنفيه سوريا باستمرار الى جانب المطالب التركية الاخرى ومن أغربها ان تشترط انقرة على دمشق بنسيان لواء الاسكندرونة الذي اغتصب في العام 1939 وهو تحد خطير اذ تعلم تركيا قبل غيرها ان هذا المطلب يستحيل مهما كانت الظروف وحجم الضغوط. ان من يستحضر احداث الماضي ويقاطعها مما يجري الآن يدرك ان تركيا مصممة على تفجير الازمة ويبدي انها قد اتخذت قرارا بالتنسيق مع اسرائيل بضرب سوريا عسكريا, والا ما معنى زيادة الحشود العسكرية على الحدود مع سوريا والمراوغة تجاه الوساطات العربية والاسلامية والنوايا الطيبة التي ابدتها سوريا خلال الازمة ولا تزال. وأي متتبع لتصريحات قادة تركيا من مدنيين وعسكريين يدرك ان انقرة ماضية في اتجاه اختارته بدعم وتأييد من اسرائيل للوصول الى نقطة الصدام مع سوريا ولاشك ان اي حرب قد تقع لن يستفيد منها سوى اسرائيل وتحقق اهدافها في استنزاف قدرات سوريا العسكرية والاقتصادية وهو هدف تحلم به اسرائيل منذ سنوات لأنها ترى في قدرة الجيش السوري خطرا عليها وان مدنها ومواقعها تحت مرمى المدفعية والصواريخ السورية وتخشى اية مواجهة مع سوريا لهذا السبب ولأسباب اخرى, لهذا رأت القيادة الاسرائيلية ان الحل الانسب هو توجيه هذه القدرات السورية نحو الشمال بعيدا عن اسرائيل من خلال ما تنوي فعله تركيا ضد سوريا. ويتابع حمدون قائلا: من هنا فإنني على يقين بأن تركيا ستقوم بعمل عدواني تجاه سوريا وقد يتأخر قليلا لأنه كما ارى هناك اتفاق تركي اسرائيلي على هذا العمل ولن يردع هذين الحليفين سوى موقف عربي يشعر الاتراك ان مصالحهم الاقتصادية في خطر وان اي مكسب سيحققوه لا يساوي خسائرهم الاقتصادية. ان الهجوم العسكري على سوريا له اهداف تصب في خدمة التحالف التركي الاسرائيلي فحكام تركيا تلتقي مصالحهم مع مصالح الصهاينة في فرض الهيمنة على المنطقة بما فيها سوريا فإن سيناريو الحرب مع سوريا يتضمن دخول القوات التركية الى اقصى منطقة في الشمال الشرقي السوري على محاذاة الحدود مع العراق والدخول الى منطقة مدينة الموصل العراقية وايجاد عازل ما بين الحدود السورية العراقية لابقاء العراق على حاله ومنعه من ان يكون امتدادا لسوريا نحو ايران المؤيدة لسوريا. رياض محمود (كاتب صحفي): الأطماع التركية ولدت مع أتاتورك في الحقيقة فإن المشكلات بين سوريا وتركيا عميقة ومتشعبة في كثير من الأراضي السورية ونتيجة ظروف سياسية قديمة وحديثة فرضتها حالة الانتداب والاحتلال لحقت تركيا بطريقة قسرية وتعسفية وفي مقدمة ذلك الحاق لواء اسكندرونة الأكثر خصوبة في سوريا بتركيا, وهناك أيضا مشكلة توزيع المياه في حوض الفرات حيث تصر تركيا على الاستئثار بأكبر قدر ممكن من هذه المياه بما يخالف القوانين والتشريعات الدولية في هذا الخصوص, اضافة إلى ما تدعيه بشأن مساعدة سورية لحزب العمال الكردستاني. ومنذ انهيار الدولة العثمانية وصعود القومية العمالية الأتاتوركية لم تخف تركيا أطماعها بالأراضي السورية والعربية عموما وخاصة في شمال العراق إلى الموصل المنطقة الغنية بالنفط العربي, ودائما كانت عامل عدم استقرار في المنطقة نتيجة هذه الأطماع. وعلى الرغم من أن عامل الغموض يلف التطورات والتصعيدات الأخيرة إلا انه من الواضح ان التحالف الاستراتيجي التركي ــ الاسرائيلي بدأ يستعد لتنفيذ مخططاته الاقليمية بهدف الهيمنة على المنطقة وتقاسم ثرواتها. وإذا كانت سوريا العقبة الوحيدة التي تقف في وجه تنفيذ هذه المخططات فإنه لابد من افتعال المشكلات معها لارغامها على الرضوخ وابتزازها للتنازل عن حقوق اقليمية, بالاستفادة من وضعها المكرس أساسا لمواجهة اسرائيل وحالة الضعف العربي بشكل عام. وإذا كانت التصعيدات التركية ضد سوريا في الأزمة الأخيرة قد جاءت بالتفاهم الكامل والتنسيق مع اسرائيل في اطار التحالف الاستراتيجي القائم بينهما, فإن هذا التصعيد يستهدف جر سوريا لسحب جزء من قواتها المواجهة لاسرائيل ووضعه في مواجهة التحشدات التركية في محاولة لاضعاف الجهد العسكري السوري لمواجهة اسرائيل بحيث تحقق تركيا واسرائيل أهدافهما العدوانية التوسعية على حساب الأرض العربية السورية. ولا يخفى على أحد الجهود الاستراتيجية المبذولة لتكديس ضم الجولان باقامة المزيد من المستوطنات الصهيونية فيه والابقاء على احتلال جنوب لبنان باضعاف ظهر المقاومة الوطنية اللبنانية التي تشكل سوريا عموده الفقري الأساسي. وعلى الرغم من اعلان اسرائيل انها ليست طرفا في النزاع القائم بين سوريا وتركيا إلا ان كل الدلائل تشير انها غارقة إلى أرنبة أنفها فيه وما كان لتركيا ان تثير نزاعا على هذه الدرجة من الحدة مع سوريا لولا تشجيع أطراف وتزيين هذا التصعيد في نظر العسكريين الأتراك على انه يخدم أهدافهم الداخلية ويدغدغ أحلامهم التوسعية القائمة منذ انتصار الكمالية الجديدة بمعنى انه ضرب عصفورين بحجر واحد. فالأوضاع الداخلية التركية متردية ومنهارة إلى درجة الحرب الأهلية وقد تدخل الجيش لازاحة حزب الرفاة الاسلامي عن السلطة برئاسة نجم الدين أربكان بصورة قسرية بحجة حماية النظام العلماني وقرر لاحقا حل هذا الحزب الذي يعتبر أكبر الأحزاب وأكثرها عددا في البرلمان كما انه يواجه مشكلة انفصالية كردية في شرق وجنوب البلاد وبقيادة حزب العمال الكردستاني, اضافة إلى العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. ومنذ البداية كانت سوريا واعية لأهداف التصعيد التركي وقد أعلن فاروق الشرع وزير الخارجية ان معركة سوريا الأساسية ليست مع تركيا وفضح الدور الاسرائيلي في هذا التصعيد ودعا إلى حل المشكلات بين سوريا وتركيا بالطرق الدبلوماسية انطلاقا من ان هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الجانبين بالاضافة إلى المشكلات القائمة. فسوريا هي البوابة الرئيسية لتركيا على العالم العربي وهناك الكثير من العلاقات الاقتصادية بين العرب وتركيا وتربطهم بها علاقات ثقافية وتاريخية متأصلة وإذا ما كانت تركيا مستعدة للتنازل عن اطماعها التوسعية والرضوخ للشرعية الدولية وعوامل الحق والعدل فإن عقبة حل كافة المشكلات القائمة بين الجانبين ومواجهة التحديات العدوانية المخططة للمنطقة من الدوائر الأمبريالية والاستعمارية بطريقة مشتركة. وبانتظار ما ستسفر عنه المباحثات المقرر عقدها بين الجانبين في الأسابيع والأشهر المقبلة سيتبين ما إذا كانت تركيا واعية لمصالحها المستقبلية التاريخية أو أنها وقعت نهائيا في براثن المؤامرة الصهيونية لتفتيت المنطقة واشعال التناقضات فيما بين أبنائها بهدف فرض الهيمنة لاحقا على الجميع. ومما لا شك فيه ان سوريا ستكون قادرة على الدفاع عن نفسها بمختلف الوسائل إذا ما فرض عليها أي عدوان من أية جهة كانت لأنه لا بديل عن التصدي للدفاع عن النفس, وفي هذه الحالة ليس من المستبعد تدخل قوى اقليمية أخرى بحيث انه إذا ما اشتعلت الحرب فإن أحدا لا يستطيع التكهن بالنتائج ولا بمعرفة القوى التي ستتدخل فيها وفي كل الأحوال ستكون هناك كارثة اقليمية تنال من الجميع وبالدرجة الأولى تركيا التي تكون قد بدأت المغامرة.