رغم ترحيبها بالاتفاق الا ان الصحف الامريكية بدت امس حذرة تجاهه باشارتها إلى أن عملا كبيرا مازال يتوجب القيام به, كذلك يسود الاعتقاد لدى الوسطاء الامريكيين الذين عانوا من قساوة مفاوضات واي بلانتيشن بأن مفاوضات المرحلة المقبلة ستكون اسوأ بكثير , لكنهم استفادوا من دروس واي بلانتيشن واهمها عدم التعويل على الجانب الرومانسي لدى الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي, ونسمات المنتجعات العليلة. واعترف الناطق الامريكي جيمس روبن بان الايام التسعة في واي بلانتيشن كانت (مضنية) , والمداولات حول الوضع النهائي للاراضي الفلسطينية (ستكون اكثر صعوبة) لا سيما وان موضوعيها الرئيسيين سيكونان الدولة الفلسطينية المقبلة والقدس. وربما استفادت الولايات المتحدة على الاقل من الاخطاء التكتيكية التي ارتكبتها في واي, اذ دامت هذه القمة الاسرائيلية الفلسطينية ضعف ما كان مقررا, وكانت اكثر فوضى وتطلبت ادارتها من الدقة اكثر مما كانت الولايات المتحدة تتخيل. وكان الامريكيون يتوقعون ان يصفق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الباب بين لحظة واخرى. لكن الوقت حان في اليوم السابع لكي يستعيدوا المبادرة. وقد امضوا ساعات عدة في وضع وثيقة عمل على الطاولة لكي يدخلوا المفاوضات اخيرا في صلب الموضوع. وكان يفترض ان يكون هذا النص جاهزا لانه يستند الى اقتراحات امريكية قدمت منذ اكثر من سنة. اما اليوم الاخير فكان الاسوأ: طلب نتانياهو في اللحظة الاخيرة الافراج عن الجاسوس اليهودي جوناثان بولارد, مؤخرا لبضع ساعات توقيع الاتفاق الذي انتظره الرئيس بيل كلينتون طويلا. لكن وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت اوضحت لاحقا ان الامر يتعلق بمجرد سوء تفاهم: فكلينتون لم يعد بالافراج عن بولارد بل باعادة بحث قضيته يوما ما. ولم يترك وجود وزير الخارجية المتطرف ارييل شارون مجالا لنتانياهو لكي يلعب على الكلمات, فطلب اعادة بولارد معه بالطائرة. وكان الامريكيون قد شددوا في الايام الاولى, بما في ذلك لدى الصحافيين, على الجانب غير الرسمي للاجتماع. فالاطار الريفي والنزهات على ضفة نهر واي يفترض ان تساعد الاسرائيليين والفلسطينيين على اقامة علاقات مؤاتية للحلول الوسط. لكنهم نسوا بذلك ان محترفي التفاوض او قادة الحرب السابقين هؤلاء ليس لديهم مكان كبير للمشاعر, ولا يكنون الكثير من التقدير لخصمهم. فنتانياهو والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يحتقران احدهما الاخر. وشارون يعتبر عرفات (ارهابيا) بينما هو في نظر الفلسطينيين (جزار) مخيمي صبرا وشاتيلا قرب بيروت حيث جرت مذبحة ابان الغزو الاسرائيلي للبنان في 1982. وقد اعترف الامريكيون انفسهم بانهم تأخروا في فرض وتيرة سريعة للمفاوضات. اذ تمسك كل من الجانبين بمواقفه في الايام الاولى. ولانهم لم يجدوا ما يفعلونه, جاب الخبراء الفلسطينيون المكلفون صياغة نقاط الاجراءات الامنية -وهي ملف دقيق- المراكز التجارية القريبة. لكن منذ الاثنين عاد الجميع الى ارتداء البزات وربطات العنق والى الالتزام بالمواقيت بدقة اكبر. ولم يكن الامريكيون يتوقعون ايضا على ما يبدو ان يخرق ضيوفهم علنا تعليمات السرية, فيعقدوا مؤتمرات صحافية غير مقررة امام المركز الصحافي. وفي الايام الاخيرة بدا ان الاتصالات بواسطة الهواتف النقالة مع اعضاء الوفود تعرضت للتشويش. وما ان وقع الاتفاق حتى عادت الشكوك. واكد وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه ان (الاسرائيليين سيستخدمون كل الذرائع لتجنب تطبيق الاتفاق) , مؤكدا ان (ثقتنا فيهم تحت الصفر) . وخلال حفل التوقيع لم يستطع نتانياهو ان يمنع نفسه عن ان يعد كلينتون وعرفات بــ (ليال بيضاء) عندما تبدأ مفاوضات الوضع النهائي بعد عشرة ايام. وقال محذرا (لسنا سوى في منتصف الطريق الى سلام دائم) وباقي الطريق (لن يكون سهلا ولن يكون بسيطا) . من جهتها قالت صحيفة (نيويورك تايمز) ان الاتفاق الذي وقعه نتانياهو مع عرفات (متواضع) . وقالت في عنوانها (عرفات ونتانياهو متفقان على بدء المرحلة المقبلة باتجاه السلام. اتفاق متواضع لاعادة بناء الثقة) فيما يبدو قلقا من الصحيفة على المستقبل. وتساءلت نيويورك تايمز (اذا احتاج الامر الى 19 شهرا من الدم والشتائم وتسعة ايام من المناوشات الكلامية بدون توقف للقيام بما كان يجب القيام به قبل اشهر عدة, اي تدخل يفوق الطاقة البشرية سنحتاج اليه للتغلب على الصعاب الهائلة من امثال قضية اللاجئين والقدس والمياه؟) . وتبدي الواشنطن بوست اهتمامها بالمرحلة المقبلة من عملية السلام. وكتبت الصحيفة في عنوانها (المناقشات النهائية حول اتفاق (السلام مقابل الارض) الذي تم التوصل اليه بمشقة تبدأ الشهر المقبل) . ورأت ان الاسرائيليين والفلسطينيين (اتفقوا على ان يبدأوا الشهر المقبل المرحلة النهائية من المناقشات من اجل حل خلافاتهما القومية) . وكذلك حافظت صحيفة (لوس انجلوس تايمز) على حذرها مشددة في مقال على صدر صفحتها الاولى على الخلافات بين عرفات ونتانياهو. وجاء في عنوان الصحيفة (انقسامات عميقة ما زالت قائمة بعد ان تم التوقيع على اتفاق) واعتبرت ان (العداء بين نتانياهو وعرفات لا يبشر بالتفاؤل) حيال مصير عملية السلام. ــ أ. ف. ب