لا أسوأ من جمود الشعار, ولا أكثر كارثية من جمود العقل الذي يتعاطى مع هذا الشعار عبر اعتقاله في زاوية من الخلايا الميتة ! مدخل محزن هذا لمن يتبصر المشهد العربي الراهن ومحاولة جر شعار الوحد العربية عنوة ورفعه عنوانا للمآزق المتعاقبة على اقطار هذا الوطن مترامي الهموم والفوضى. آن لمفكرينا ان يخرجوا من راحتهم الطويلة, ويظهروا من خلف جدار الشعار الوحدوي الفاقع, يطلقون ديباجات التلاحم والتضامن العربي... ويخلدون للسبات على أمل ان يكفي الله المؤمنين شر القتال. منطقتنا العربية تخضع تدريجيا لمخططات السوق الشرق اوسطية الخارجة من (عبقرية) شمعون بيريز, وتذوب بلا استحياء حدود الوطن العربي في مصطلح الاقليم عبر زج أقاطر هذا الوطن بصراعات ونزاعات جانبية على جبهات (اقليمية) اخرى وبشكل متزامن ما يجعل الحلول عصية الا في اطار الحل (الاقليمي) . الازمة السودانية الداخلية جرى تفريخها في ازمة خارجية مع دول افريقية فبات العربي حائرا بين معارضة سياسات الحكم في الخرطوم وبين رفض التدخل الخارجي في الشؤون السودانية والتي اصابع الكيان الصهيوني ليست بعيدة عنه. وبعد تخدير الازمة الليبية ــ التشادية, وبقاء احتمالات نزاعات اخرى دخلت لوكيربي على خط الهدوء وما فرضته من حصار جمد تقريبا تفاعل ليبيا على الساحة العربية والدولية. احياء حدة الصراع التركي ــ السوري, وابتزاز دمشق على اعتاب انفراج التسوية الفلسطينية ــ الاسرائيلية, ورغم أهمية دور الوساطة المصرية في نزع مؤقت لفتيل الانفجار, الا ان ايران أيضا دخلت على خط الوساطة بدعاوى اقليمية حيث المسألة الكردية المحيرة لا تقتصر فقط على سوريا وتركيا, وفازت تقريبا الحسابات الاقليمية. وحتى العراق الذي غدا محيدا بعد حربين أولهما اقليمية بحتة, انتقلت تبعات الحرب الثانية من أزمة عربية داخلية الى أزمة عراقية ــ أمريكية دخلت فيها المصالح الاسرائيلية. وبالتالي يعجز التضامن العربي حيال هذه الأزمات ــ الأمثلة. عن طرح حتى مؤشرات ظهوره أو حلوله. ولدى كل أزمة نلقي عن أدمغتنا عبء التفكير ونفجر ديباجات الوحدة العربية والبيت العربي وغيرها من مفاهيم المقاولات. وفق المعطيات والمستجدات المتتالية, لا أمل في ان يعطي شعار الوحدة حلولا شافية وملموسة للأزمات التي تثور من آن لآن.. ولا وقت لأمتنا المثلومة هذه لتحقيق الوحدة أولا ومن ثم التصدي لأثلامها. نحتاج لبعض الجرأة والواقعية معا. اسرائيل لا تخجل من امتلاك الردع الذي يضمن استمرار وجودها.. ولن تتخلى عنه فلا داعي لأن نحلم. الهند وباكستان أعلنتا التحدي للمجتمع الدولي واحتكار دول بعينها لهذا الردع. ونحن نواصل الفشل في طرح برامج كلاسيكية للتوحد.. لم لا نقلب هذه البرامج. وببساطة الجرأة نتحدث علنا عن ضرورة امتلاك قطر عربي ما قدرة وقوة الردع لتشكل محورا ندور تدريجيا حوله الى حين الالتصاق والالتحام التام في الكيان العربي الموحد. ألا يكفي هذا الردع لنسف الاقليم, وجعل مجرد التفكير بالاعتداء على قطر عربي مغامرة خاسرة؟!