لم يكد حاكم تشيلي السابق الدكتاتور بينوشيه يتخلص من آلام الظهر, بعد اجراء عملية في لندن يوم 9 أكتوبر الجاري, حتى داهمته اوجاع من نوع آخر ما كانت لتخطر بباله وهو يجمع حقائبه للسفر الى العالم القديم مزودا بجواز سفر دبلوماسي ظانا أنه يحميه من كل مضايقة يمكن ان يتعرض لها, فهو عضو مدى الحياة في مجلس شيوخ بلاده, رغم أن هذه الصفقة لم تشفع له لدى فرنسا التي رفضت منحه تأشيرة دخول اليها مما اضطره الى البحث عن ملاذ طبي آخر فاختار بريطانيا التي لاتفرض التأشيرة على الرعايا التشيليين. لقد كانت منظمة العفو الدولية (امنستي) له هناك بالمرصاد, فاحتجت لدى الحكومة البريطانية وطالبت بالقاء القبض عليه وتقديمه لمحاكمة دولية جراء اقترافه جرائم القتل والتعذيب والتشريد, فسارعت حكومة توني بلير الى نفي أية علاقة لها بالزيارة مؤكدة أن أي مسؤول رسمي بريطاني لم يقابل طاغية سانتياجو وبالتالي فانه موجود فوق الاراضي البريطانية مثل أي سائح عادي. وبينما كان محامو امنستي يجتهدون في البحث عن الصيغ القانونية لمحاصرة بينوشيه, ظهر طالب آخر بالحق المدني ممثل في اسبانيا, حيث يحقق قاضيان فيها من 1996 في أسباب اختفاء واغتيال عدد من الرعايا الاسبان في الارجنتين خلال السبعينات, حين كان لعسكرها تنسيق وتعاون وثيق مع عسكر تشيلي في مجال خنق الحريات العامة والخاصة. ويريد القاضيان وهما مانويل جارسيا كاستيون وزميله الذائع الصيت بالتزار جارسون الاستماع الى شهادة بينوشيه, والتحقيق معه في التهم المنسوبة اليه وللطغمة العسكرية التي حكمت الارجنتين حتى عام 1989. الهيئة القضائية الاسبانية طلبت من الحكومة البريطانية ــ بمقتضى الاتفاقيات المبرمة بين البلدين في هذا الشأن ــ ان تسمح لفريق تحقيق قضائي بالانتقال الى لندن لاستجواب بينوشيه وبعث الطلب بالطريقة الدبلوماسية وعلى عجل لتتوصل به وزارة الخارجية ــ كما قالت الأنباء ــ في ظرف ساعات. وها هو دكتاتور تشيلي السابق معتقلا بين أيدي شرطة سكوتلنديارد بناء على الطلب الاسباني. وطبقا لمصادر قضائية وخبراء في القانون فان الطلب الاسباني سبب احراجا للحكومة البريطانية ومتاعب حقيقية للدكتاتور العجوز 82 عاما الذي يواجه تهما ثقيلة, خصوصا وأن القضاة الاسبان يعتبرون بينوشيه ارهابيا تجب محاربته مثله مثل مقترفي الجرائم ضد الانسانية, فهو المسؤول عن ازهاق اكثر من ثلاثة آلاف روح منذ ان طفح على سطح الاحداث في 11 سبتمبر 3791 بانقلابه الدموي الذي اصاح بالرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور اليندي. وقمة 600 متابعة قضائية مرفوعة من عائلات الضحايا والمنظمات السياسية التشيلية التي فقدت ذويها والمنتسبين اليها لأنها تريد أن تعرف مرقدهم الأخير حتى تترحم عليهم. ويزيد من معاناة أسر الضحايا اصرار الدكتاتور على عدم الاعتراف بجرائمه والاقرار بذنوبه وطلب الصفح من الأمة, فهو سيج نفسه بحصانة واجراءات قانونية تحميه من المحاكمة, بل حتى من مجرد المساءلة, ولم يخجل من ان ينصح مواطنيه بــ (نسيان الماضي) , وزاد على ذلك بالعمل على اخراج قانون العفو والتصويت عليه, وهو القانون الذي يشمل المرحلة الممتدة من 1973 الى ,1978 حيث بلغ القمع فظاعته القصوى. لقد ظلت امريكا اللاتينية قارة غنية بكل شيء, لاسيما بالفنون والآداب التي تملأ خيالنا بالاساطير, والبطولات والدم والثورات وكذلك بالعسكر الذي ينتج الانقلابات على هواه ومصالحه, مثلما صور ذلك ابن القارة العبقري جابرييل جارسيا ماركيز في روايته المدهشة (خريف البطريق) , غير أن الكثير من الجنرالات المنهزمين تحت زحف الديمقراطية العنيدة يحاولون الهروب من اداء ثمن ارتكابهم افظع الجرائم في حق شعوبهم, ويطالبونها بالصفح والنسيان, الم يطلب بينوشيه نفسه من ضحاياه في ابريل الماضي: (كفى.. أقولها لا تهديدا, وانما سياسة) .. الم ينصح بلاده (التحلي بالاعتدال) ان هي ارادت تحقيق (المصالحة) بين مواطنيها والعسكر!! كثيرا ما ابتسمنا للنكتة التي تقول ان طفلا قال لأمه محتجا: سئمت الافطار, أريد أن اتغدى. ويبدو ان الوقت حان لكي يتغدى الضحايا بجلادهم, حان وقت القصاص ليكون بينوشيه عبرة لكل الطغاة إينما كانوا. فاذا كانت تشيلي تخلصت نهائيا من عبء تاريخها الدموي فان ارواح آلاف التشيليين تطالب بالثمن الذي دفعته لكي تنتصر الديمقراطية.