تبعث عملية اعتقال ديكتاتور تشيلي السابق الجنرال اوجسطو بينوشيه في لندن مؤخرا على الامل في اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤوليته تجاه الجرائم التي ارتكبها عدد من القادة السياسيين بحق الانسانية لبحث وسائل معاقبتهم لمنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل . ولعل الحالة الاكثر بروزا في هذا الصدد هي محكمة الجزاء الدولية التي انشئت من قبل الامم المتحدة في مدينة اريوشا شمال شرق تنزانيا لمحاكمة المسؤولين عن المجازر التي ارتكبت في رواندا. ففي الرابع من سبتمبر الماضي قضت هذه المحكمة بمعاقبة جين كامباندا رئيس الوزراء الرواندي السابق بالسجن مدى الحياة لاتهامه بارتكاب جرائم اغتيال, وجرائم اخرى بحق الانسانية ويسجل هذا الحكم سابقة تعد الاولى من نوعها لمعاقبة مسؤول على جرائمة من قبل محكمة دولية. وقد اقر كامباندا بجرمه وابدى ندمه على هذه الاعمال كانت تنفيذا لسياسة رواندا الرامية لاقتلاع عرقية التوتسي من البلاد. وتعد محكمة اريوشا نوعا من المحاكم التي تقام على اساس القانون الدولي, فالاعوام التي اعقبت الحرب العالمية الاولى شهدت بعض المحاولات التي لم يكتب لها النجاح لانشاء محكمة جزاء دولية لمحاكمة المتورطين في جرائم الحرب. وتمتد هذه المحكمة بجذورها الى مابعد هذا التاريخ حيث انشأت الدول المتحالفة محاكم في نورمبرج وطوكيو لمحاكمة مجرمي الحرب اليابانيين والالمان. ورغم الخلافات الجوهرية بين محكمة اريوشا في رواندا, ومحاكم نورمبرج وطوكيو التي جاءت كنتيجة لنصر الحلفاء من الحرب الا ان محكمة رواندا تعد الحالة الثانية التي يأتي انشاؤها من قبل قسم كبير من المجتمع الدولي ممثلا في الامم المتحدة بعد ان سبقها انشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الدوليين في يوغسلافيا السابقة عام 1993. والاكثر من ذلك فإن محكمة رواندا تنظر في صراع داخلي لم يتخطى الحدود, وفي ادعاءات اخرى في مستوى اقل من حالة كامباندا, وازالت الروابط بين الجرائم ضد الانسانية الصراع المسلح. وتعد هذه المحكمة اقل احكاما في استجابتها للجرائم الجماعية ذلك ان مجموعة صغيرة من الناس ان تحاول مط وتطويل اعمالها بسبب تعقيد الاجراءات الامر الذي يجعل صبرالضحايا ينفد, وتثار التساؤلات والشكوك حول الدور الرادع للمحكمة. ولكن ماهو الخيار؟ هل يظل المرء سلبيا لايفعل شيئا ويترك الامر لهيئة المحكمة لتمارس اعمالها؟ ام يأخذ طريقا مختصرا ويغامر بتعويض مصداقيتها؟ من الواضح ان ايا من الخيارين لايحظى بالقبول. وبالعودة الى حالة كامباندا نجد انها الاولى في التاريخ التي يحاكم فيها مجرم عن افعاله من قبل محكمة جرائم حرب دولية, وكان لقراره الشجاع بالمثول امامها تأثيرا ايجابيا في نفوس الروانديين كبادرة لازالة الكآبة التي خلفتها هذه الجرائم. وتكتسب محاكمة اريوشا اهمية خاصة ذلك انها تنظر في جرائم تمت خلال حرب اهلية تشبه حالات اخرى كثيرة في القارة السمراء وعمل هذه المحكمة يجعل الامل يحدو الافريقيين في الثأر من مرتكبي الجرائم التي تشهدها هذه الحروب, وينطوى على رسالة واضحة لجنرالات الحرب الذين يعقيون مسيرة التنمية والتطور في بلادهم الى اعادة التفكير اكثر من مرة قبل الاقدام على ارتكاب اي من هذه الجرائم قد تدور بخاطرهم. واذا كانت بذرة هذه المحاكم لم تثمر تماما الا انها تساهم في تحجيم اعمال الشر التي اطلت برأسها في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى الان في بقاع مخلتفة من العالم سواء في كمبوديا او يوغسلافيا السابقة. الدراما التي احاطت باعتقال ديكتاتور تشيلي بينو شيه تؤكد ان امثاله من المجرمين ربما ينجحون في الهرب الا انهم لن ينجحوا في الاختفاء طويلا. مستشار محكمة الجرائم الدولية في تنزانيا - خدمة لوس انجلوس تايمز* كانجسلي تشيدو موجالو*