فتح انتخاب العماد اميل لحود رئيسا للجمهورية اللبنانية أبواب الأمل واسعة للتغيير والاصلاح, وتكاثرت ملفات الاستحقاقات, وتعددت قضايا العهد الرئاسي الجديد على أجندة لحود , واختلطت الآمال بهموم التركة اللبنانية, وما أفرزته وثيقة مؤتمر الطائف للوفاق الوطني من نظام (الترويكا) الذي بدأ كطوق نجاة لاخراج لبنان من أتون حرب أهلية مجنونة, غذتها تنازعات الطوائف, وتحولت إلى طاحونة لتفتيت كل طائفة على حدة. إلا ان نظام الترويكا انتهى به الأمر ليصبح أخطر معوقات انطلاقة اللبنانيين لبناء دولة المؤسسات, وتذويب رواسب (تركة) الطائفية, وباتت لبنان دولة تتنازعها ادارات ثلاثة رؤوس: رئيس الدولة, رئيس الحكومة, رئيس البرلمان. ويترقب اللبنانيون اعلان العماد لحود تشيكل حكومة العهد الجديد, كأول اختبار لكيفية تعاطيه لعملية التغيير والاصلاح, ولبيان مدى قدرته على الوفاء باستحقاقات عهده, واقتحام عتبات صياغة وثيقة جديدة للوفاق الوطني, وتخلص لبنان من صداع رؤوس الترويكا الثلاثة, وتناطحهم. ففي حالة اكتفاء لحود بحصته في الحقائب الوزارية, وفقا لناموس الترويكا ( ثلث الحقائب) واستمرار وجود ما يعرفون بالوزراء الثوابت, فإن أعمال الاصلاح سوف تتقزم. ومن جهة أخرى يتخوف قطاع من الساسة اللبنانيين من المقارنة بين لحود وعهد العماد فؤاد الشهابي, رغم وجود أربع حقب تفصل بينهما, وزاد مخاوفهم بروز دور ضابط المكتب الثاني أو الاستخبارات العسكرية في الحياة السياسية. ورغم المخاوف يتطلع لبنان إلى تكرار نموذج الشهابي لبناء دولة المؤسسات ودعم الوفاق الوطني. والنقابات تتحفز لمواجهة: أبو رزق: شهاب أرسى مؤسسات فليكمل لحود دورها بيروت ــ (البيان) : بدأت (المعركة) مبكرة بين الحكم اللبناني الجديد برئاسة الرئيس اميل لحود من وجهة, وبين الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية, والتي أجمع أركانها خلال الأيام الماضية, من جهة أخرى على انهم بدأوا يتلقوا من بعض كبار الضباط تعليمات صارمة تمنعهم من القيام بأي تحرك نقابي من ناحية وبأنه سيتم أي نوع من هذا القبيل ضمن القوانين والقرارات المرعية الاجراء. من الناحية الثانية. ويقول رئيس الاتحاد العمالي العام الياس أبو رزق انه جرى التوافق على تشكيل طريق عمل اجتماعي مشترك يبحث في القضايا المطلبية, بعيدا عن أية أجواء سلبية ومحاولة ايجاد الحلول لها على قاعدة تأمين العدالة الاجتماعية للجميع في المرافق الأساسية التي تستنزف راتب الموظف وهي التعليم والسكن والاستشفاء. ويضيف أبو رزق انه من السابق لأوانه اعطاء صورة كاملة ومتكاملة عن علاقات الاتحاد العمالي العام وتحركاته وقضاياه المطلبية بالحكم الجديد للحود, لكن الواضح برأيه هو انه ورغم كل ما يسميه بـ (المساوئ) التي أحيط بها عهد الجنرال الأول (شهاب) فإنها يمكن ان تشكل نقطة الانطلاق لعهد الجنرال الجديد في معالجة القضايا والمعضلات الاجتماعية المتفشية والمتفاقمة. ويلفت المسؤول النقابي إلى ان فريق عمل لحود طبع على كراسات كل القوانين والقرارات والاجراءات المتخذة لمواجهة أية تحركات عمالية سلبية, خاصة لجهة التهديد باللجوء إلى الاضرابات والتظاهرات في حال لم يجد مجلس النواب موقفا يحسم فيه الموافقة على مشروع سلسلة الرتب والرواتب التي تحيي بعض القدرات الشرائية في جيوب المواطنين, ولو حتى إلى اشعار قريب. المهم كما يقول أحد أركان النقابات, ان نعمل على قاعدة عصفور في اليد أو الجيب, ولا عشرة على الشجر, أو على أوراق المشاريع ومسوداتها. وعلمت (البيان) ان الاتحادات النقابية ستبلغ رئيس الجمهورية الجديد قريبا انها مقتنعة بالسياسة الانمائية والاجتماعية التي قام عليها نهج الرئيس شهاب, رغم بعض التحفظات عليها, وان كل ما هو مطلوب من العهد الرئاسي الجديد تطوير تلك الصيغ والأخذ بها ما زال يتلاءم مع الواقع الحاضر لشؤون البلاد وشجونها. وهنا يتوقف أحد أبرز المفكرين الشهابيين ليضع صياغة للرغبة العمالية تلك, وهو المفكر اللبناني باسم الجسر الذي يركز على المرحلة الثالثة في مراحل حكم شهاب, وخاصة لجهة مرحلة الاصلاح الاجتماعي التي تلت استقالته ثم عودته عنها. بماذا يختصر باسم الجسر ذلك؟ يقول انه بعد توسيع شهاب لحكومته الرباعية الأولى أثر استقالة ريمون اده منها وضم خمسة وزراء إليها, عملت بتوجيه مباشر منه, واتخذت عددا كبير من المراسيم الاشتراكية التصحيحية والاصلاحية والتنظيمية التي كلف الرئيس عددا من الخبراء وأصحاب الخبرة في اعدادها. ومن أهم القوانين التي صدرت بمراسيم اشتراعية وقانون الانتخابات النيابية, تنظيم الادارات العامة, اجراء التشكيلات الادارية في الدولة, وهي تميزت بظاهرتين, أولاهما: محاولة اخراج الوظائف العامة إلى السياسيين والطائفيين, ومحاولة ادخال العناصر الشابة والكفؤة إلى الادارات الحكومية. لكن شهاب رغم كل سلطته المعنوية لم يتمكن تماما انذاك من تحرير الادارات العامة من (المحسوبية على الزعماء أو المراجع الطائفية) . ويروى انه غادر اجتماعا لمجلس الوزراء في احدى جلساته بعد ان اصطدم باصرار بعض الوزراء على التمسك بمديرين عامين كان يرى من الضرورة أو المصلحة تغييرهم, إلا انه استطاع ادخال عدد كبير من أصحاب الكفاءة إلى الادارات العامة استنادا إلى شهاداتهم وكفاءاتهم, كما كسر احتكار بعض الطوائف لبعض المراكز الهامة في الدولة, وهو احتكار كانت الطوائف الاسلامية تشكو منه (خاصة وأن بعض المديريات العامة في الدولة كالتربية الوطنية والخارجية والمالية كانت محصورة بالطوائف المسيحية). ما بعد العودة عن الاستقالة؟ سارت الرياح السياسية عاصفة ضد شهاب من داخل حكم يرفض معظم اقطابه ادخال أية اصلاحات فيه, فاتخد قرارا أشبه ما يكون بأهون الشرين وقدم استقالته في 20 يوليو 1960. ثم عاد عنها بعد موجة شعبية كاسحة مؤيدة نزلت إلى الشوارع وظلت فيها ليلا ونهارا, ورفضت العودة إلى منازلها بعد عودة (الجنرال) عن استقالته, حصلت العودة لتبدأ مرحلة الانماء الاجتماعي, وتشكلت في ذلك الوقت أكبر وزارة رفعت عدد أعضائها إلى 16 وزيرا, وقد تحققت في ذلك الوقت مع شهاب أقسام كبيرة من المشاريع والانجازات, الاجتماعية والاصلاحية والادارية والمؤسسية, وكما أكملت المشاريع الاصلاحية التي كان العهد قد بدأ بتنفيذها من قبل, وجرى ارساء قواعد دولة المؤسسات والتخطيط الانمائي والعدالة الاجتماعية. بعثة ايرفد وعزز شهاب من قوة ذلك التوجه فاستدعى بعثات خارجية من الخبراء تدارست وسائل تقوية الاقتصاد الوطني وتدعيمه, وأبرزها بعثة ايرفد برئاسة الأب لوبريه. وبذلك تحققت المراحل الاصلاحية والادارية والانمائية ــ الاقتصادية ــ الاجتماعية تباعا خلال المراحل الثلاث من حكمه, أي مرحلة تصحيح الأوضاع السياسية 1959 ــ 1960, وقد شهدت هذه المرحلة انشاء مؤسسات ومجالس عدة وصدور قوانين تنظيمية. ثم مرحلة (1960 ــ 1962) التي شهدت سلسلة أخرى من الانجازات والمشاريع الاصلاحية والاجتماعية التي كانت الدراسات الممهدة لها قد أنجزت, والمرحلة الثالثة امتدت من 1962 إلى 1964, واستمر تنفيذ خططها طوال الستينات, وتميزت بتنفيذ الخطة الانمائية الاجتماعية التي انبثقت عن دراسات بعثة ايرفد. وقد مسحت هذه البعثة بصورة شاملة أوضاع لبنان ومتطلباته وامكانياته البشرية والطبيعية والاقتصادية والاجتماعية واقتراح الخطة التي تعالج المشكلات الناجمة عنها. وبين عامي 1959 و 1961 قامت (ايرفد) بعملية المسح الشامل الاقتصادي والاجتماعي للبنان, وقدمت تقريرها الأولي المؤلف من سبعة مجلدات ضخمة أحدثت آنذاك ضجة كبيرة عند نشره. مشاكل سببها النزاعات ملخص تلك الدراسات ما يصب من نتائج في المراحل الراهنة أيضا, ومفاده ان وراء النزاعات والمشاكل السياسية والطائفية في لبنان تكمن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والفروقات الكبيرة بين الطبقات والفئات والمناطق, (فالأعجوبة) اللبنانية والازدهار الظاهر في قسم من بيروت, كانايخفيان أوضاعا اقتصادية واجتماعية خطيرة, من تزايد مطرد في السكان (2.3 أو 2.7 بالمائة), إلى هجرة كبيرة من الريف إلى المدن, أو هجرة إلى الخارج, إلى انحسار النشاطات الاقتصادية والعمرانية في بيروت وضواحيها, إلى التفوت المذهل في الدخل العام بين اللبنانيين, إلى طغيان قطاع الخدمات على القطاعين الزراعي والصناعي, رغم ان نصف سكان لبنان يعملون في الزراعة, أو يعيشون منها. لم يفاجأ شهاب بنتائج الدراسات التي قامت بها بعثة (ايرفد) لأنها جاءت تؤكد نظرته إلى الواقع اللبناني واقتناعه بان المشكلة الحقيقية أو الأساسية الكامنة وراء المشاكل السياسية, الطائفية إنما هي مشكلة اجتماعية ــ اقتصادية. لذلك قرر تخصيص المدة الباقية من ولايته لتنفيذ الخطة الانمائية الاقتصادية ــ الاجتماعية التي ستقترحها بعثة ايرفد, والمشاريع المترجمة لها. وإضافة إلى ذلك اهتم شهاب بالاصلاح الاداري وتحديث الدولة ــ الاصلاح الاداري والمؤسسات الحديثة للدولة ــ الضمان الاجتماعي وقانون النقد ــ المشروع الأخضر ــ المناطق والتنمية الاجتماعية ــ التنظيم المدني ــ المشاريع العمرانية والتجهيزية الاجتماعية والتعليم ــ تشجيع الصناعة ــ الانماء السياحي. وإلى الكثير من أمثال ذلك تحت شعارات عامة أعرضها تحقيق العدالة الاجتماعية والتي لخصها فؤاد شهاب في رسالة وجهها في مناسبة الاستقلال في 22 نوفمبر 1962 بقوله: (... ان العمل الانمائي الذي يجري في ميادين الاجتماع والاقتصاد والعمران يتعدى في غاياته رفع مستوى العيش وتحقيق العدالة الاجتماعية, إلى صهر اللبنانيين في مجتمع واحد تقوم وحدته الوطنية على ايمان كل فرد من المواطنين بانتمائه الكامل إلى شعب واحد, والولاء الخالص إلى وطن واحد, ولا تقف عند حدود تعايش الفئات والتحالف بينها والتآلف, أنه بذلك تأخذ الوحدة الوطنية اسمى معانيها وتنبعث منها كل قدراتها) . هل يكمل لحود؟ باختصار يسوق المسؤولون النقابيون العماليون والمهنيون تلك الامثلة وهم بغالبيتهم الساحقة من المعادين السياسيين والايديولوجيين للشهابية خاصة انها تدخل العسكر الحكم. وبعد ذهاب الهراوي واتخاذ رئيس جديد وعسكري آخر هو الرئيس اميل لحود. بدأوا يهددونا (الغمز واللمز) ان أي تحرك سنقوم به سيكون عقابنا عليه عسيرا, وكيف لا يمكن ان نتحرك والناس تتضور جوعا, وتنام ليل نهار من البطالة, وتصرف من أعمالى فرادى وجماعات. ويخلص أبو رزق إلى القول: (ليتدخل العسكر في الحكم ويحرر الوطن, والأهم ليعمد الرئيس لحود إلى متابعة مشوار فؤاد شهاب في بناء دولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية. ويكشف أبو رزق ان الاتحادات النقابية هي في حالة انعقاد دائمة, سعيا لبلورة مذكرة شاملة بذلك المعنى, ترفع الشعار ــ الحلم: بناء الدولة المعاصرة) . ويلفت أحد قدامى النقابيين انه لم يكن من قبيل المصادفات العجيبة والغريبة تلك (الهمروجة) التي أحيط بها تخريج دفعة من قوى مكافحة الشغب. فالشغب موجود والمكافحة مطلوبة, والقوة لازمة هذه هي المعادلة التي يخشى النقابيون والعمال ان تبني عليها سياسة العهد الرئاسي الجديد, وان كل ما يوحي به الرئيس المنتخب يوحي بعكس ذلك دائما, لكن في التجربة, كما يقول الأديب اللبناني مارون عبود يبقى البرهان الكبير.