يوم السبت الماضي ختم الرئيس الكونغولي لوران كابيلا آخر زيارة له الى السودان لم يعلن عنها الا بعيد وصوله الى الخرطوم, ومنذ أسابيع كان قد قام بزيارة سرية لم يعلن عنها على الاطلاق, وقيل ان مسؤولين سودانيين على مستوى عال كانوا قد زاروا كنشاسا بين هذه وتلك الزيارة بل وقبل الزيارتين . ونبدأ بالزيارة الأخيرة وما صدر حولها من تصريحات رسمية, فقد ذكر لامبير كابوي احد معاوني كابيلا انه بحث مع البشير في مجال التعاون العسكري, اما على الصعيد السوداني فقد نقلت اذاعة امدرمان ان كابيلا مكث يوما واحدا في السودان والتقى البشير الذي أكد موقف السودان الثابت من التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية للدول, وأدان التدخل الرواندي والأوغندي في الكونغو. وتابع: ان السودان يدعم مساعي الكونغو لمواجهة الغزو, وان البشير دعا الى تحرك مشترك لمواجهة التحديات التي تواجه القارة الافريقية. لا ريب اننا لو ربطنا ما قاله معاون كابيلا ان الزيارة بحثت في مجال التعاون العسكري, وما رددته الاذاعة السودانية نقلا عن البشير في دعم مساعي كابيلا لمواجهة الغزو لخلصنا الى نتيجة واحدة هي ان الطرفين بحثا بشأن اقامة تحالف عسكري بينهما ضد أوغندا من جهة, وضد حركة قرنق والحركات المناوئة لحكم كابيلا في الكونغو. وهذا الربط لابد ان يعيد الى الاذهان ما نشر عقب الزيارة السرية الأولى لكابيلا من ان السودان دفع بالفي جندي الى المساعدة في القتال بجانب القوات المناصرة للرئيس كابيلا. ولعله من المفترض نظريا ان يأخذ التعاون اشكالا مزدوجة لمصلحة النظامين, فبالنسبة للسودان يكون بوسعه الالتفاف على حركة قرنق من الخلف من داخل الحدود الزائيرية, وبالتالي تسهل محاصرة حركته وكذلك ضربها. تلك هي الحسابات النظرية التي جمعت بين حاكم كنشاسا وحكام الخرطوم, فما هو حظ تلك الحسابات على الصعيد العملي؟ في البداية لابد ان نذكر ان النظامين كانا على طرفي نقيض, فحتى سقوط موبوتو العام الماضي كان نظام الخرطوم يدعمه, بل واجتمع به سرا في المغرب عند عودته من مشفاه قبل مواجهة السقوط الأخير, لكن الوضع قد تغير ربما من خلال منصة: ان المصائب تجمعن المصابينا, فكابيلا بعد ان تنكر لوعوده في اعادة الديمقراطية ومحاولته الاستفراد بالسلطة والتنكيل بمن حملوه الى الكرسي الرئاسي أحس ان السودان أقرب اليه من بعض جيرانه الآخرين مثل أوغندا وبروندي. بعد هذه المقدمة القصيرة لتنشيط الذاكرة والتي لابد منها كتمهيد للاجابة على السؤال المطروح عن حظوظ الحسابات النظرية من التطبيق على أرض الواقع يمكننا ان نقول على الفور ما يلي: أولا: ان النظامين لا يملكان قوات عسكرية نظامية كبيرة ومجهزة بالعتاد لمساعدة بعضهما, فكابيلا أوشك نظامه على السقوط لولا تدخل قوات زيمبابوي وناميبيا وانجولا. ومع ذلك, فالمتمردون ــ اذا جاز التعبير ــ يسيطرون على معظم المناطق الشرقية. ثانيا: المناطق الحدودية الكونغولية تسكنها قبائل معادية لنظام كابيلا, وبالتالي ليس من السهل ان تكون خلفية مناسبة يطمئن اليها السودان لانزال قوات فيها تلتف على حركة قرنق مع وجود احتمال ان يسمح نظام كابيلا باختراق قوات سودانية للأراضي الكونغولية, ولكن في الغالب ان يكون المقصود من انزال تلك القوات هو محاربة أوغندا وليس حركة قرنق. ثالثا: ان النظام السوداني عندما يزج بنفسه في أتون حرب البحيرات فإنه يرتكب الخطأ الثاني والافدح في أسلوب معالجته لحرب الجنوب. فهو في المبتدأ قد سعى الى تدويلها بعد ان كانت وسائل البحث في حلها قبل ان يتولى السلطة قاصرة على السودانيين, فعمد الى تدويلها بكل التدخلات التي حدثت. وهذه النقلة هي الخطر الذي يصعب تداركه, بل قد تتحول الى الشرارة التي تجعل من الحرب حربا اتنية ودينية. واذا كان النظام في العلن يدين ما يصفه بتدخل بعض الدول في شؤون الدول الاخرى, فإنه يتناقض مع نفسه بالدعم العسكري الذي يقدمه الى كابيلا بأي شكل من الأشكال. وبالطبع ان مثل هذا التربص لا يتفق مع الموقف الذي أعلنته وزارة الخارجية والمتمثل في انها تعمل على ترميم العلاقات مع أمريكا, وان وزير الخارجية قد قطع شوطا مشجعا في لقاءاته الأخيرة مع عدد من المسؤولين الأمريكيين أثناء حضوره لجلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة, لأن محاولة التحالف مع نظام كابيلا للاطاحة بحكم موسيفيني يعتبر من التحديات المكشوفة للولايات المتحدة فضلا عن كونه من الشواهد البارزة على تدخل النظام السوداني في شؤون الآخرين وفق حسابات تتعارض مع الحسابات الاقليمية والدولية. حقا انها ورطة كبيرة وغير محسوبة يدخل النظام فيها السودان ولن تغتفر له. صحافي سوداني مقيم ببريطانيا*