بعد المباحثات التي اجراها الجانبان التركي والسوري واستمرت على مدى يومين في مدينة أضنة التركية, ساد ارتياح عام وحذر داخل الأوساط السياسية والشعبية, وبعد النتائج الايجابية التي حققتها هذه المباحثات , فقد اتفق المسؤولون الاتراك وعلى رأسهم رئيس الوزراء مسعود يلماظ ووزير الخارجية اسماعيل جيم على كون هذه المباحثات بداية على طريق إعادة بناء جسور الثقة بين أنقرة ودمشق, في حين لم يصدر أي تصريح رسمي من قبل المؤسسة العسكرية والتي كانت قد لعبت دورا أساسيا في التصعيد ضد سوريا. فيما وضعت الأوساط الصحفية هذه المباحثات بأنها انتصار للدبلوماسية التي قامت بها كل من مصر وايران لاحتواء الأزمة بين البلدين. وفي الوقت الذي اعتبرتها بعض الاوساط الدبلوماسية انتصار لأنقرة, وهو ما خرجت به عناوين لصحف تركية وصفتها أوساط اخرى على انها انتصار لدمشق, ولأنها التزمت موقف العقلانية خلال هذه الأزمة مقابل التصعيد والتهديد التركي لها. إذ بات واضحا من خلال تصريحات المسؤولين الأترك بأن العلاقات السورية ــ التركية قد دخلت مرحلة جديدة في مستقبل الحوار الدبلوماسي, ولو ان هذا الطريق مازال طويلا وشائكا, ولما للخلافات بين البلدين من تاريخ طويل ومعقد من الصعب حسمها في يوم وليلة. كل ذلك في الوقت الذي تترقب الأوساط السياسية ومعها الاعلامية باهتمام الموقف الذي ستتخذه أنقرة تجاه روسيا, والتي أصبحت الآن هدفا هي الاخرى لتصريحات وانتقادات الساسة الاتراك وعلى رأسهم رئيس الوزراء الذي ادعى وجود زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان في موسكو, وهي المعلومات التي حصلت عليها انقرة من جهاز المخابرات الاسرائيلي (الموساد), وهو ما اعترف به المسؤولون الاتراك ويبين ذلك مدى الدور الذي لعبته وتلعبه تل أبيب خلال وبعد الأزمة مع سوريا. إذ يستعد المسؤولون الاتراك للتقدم بطلب رسمي من روسيا لاعادة أوجلان ولتتم محاكمته في تركيا. ولا يعرف حتى الآن شكل أو مضمون هذا الطلب, إذ ان موسكو لا تعتبر منظمة حزب العمال الكردستانية ارهابية, عدا ذلك انه لا توجد اتفاقية تركية ــ روسية بتبادل الارهابيين أو الفارين من العدالة. فيما تقول بعض الأوساط الصحفية ان أنقرة لا ولن تجرؤ على التقدم بمثل هذا الطلب ولأسباب عدة, منها: التنافس التركي ــ الروسي في القوقاز ودول الجمهوريات الاسلامية, ولاسيما ان انقرة مرغمة الآن لتغيير سياستها المتعلقة بالشيشان مادامت الورقة الكردية في يد روسيا, في الوقت الذي ينتظر ان تعلن الشركات التي تشرف على مشروع انتاج البترول الاذربيجاني, وخلال الأيام المقبلة, المسار الذي سيحدد خط الانبوب والذي سيحمل الانتاج الأولي من البترول الاذربيجاني. في حين ترتبط تركيا وروسيا بعلاقات اقتصادية جيدة, إذ يصل حجم التبادل التجاري بينهما خمسة مليارات دولار سنويا. واما حجم تجارة الحقائب فهو ايضا يتراوح بين 4 ــ 5 مليارات سنويا, ويصل حجم استثمار الشركات التركية في روسيا الى 17 مليار دولار , في الوقت الذي تعتمد وبشكل كبير على الغاز الطبيعي الذي تستورده من روسيا, ويراقب الجميع كيف ستستغل الأخيرة الورقة الكردية لصالحها, وكانت هذه الورقة دائما الأهم اقليميا وعالميا. اسطنبول ــ بشار فهمي