بعد خمسة عشر شهرا على الاطاحة بنظام موبوتو في زائير, وصعود ديزيري كابيلا, الذي اعلن ميلاد الجمهورية الديمقراطية للكونغو, فقد واجه هذا الاخير خلال شهر تمردا كاد ان يعصف بنظامه , وهو الذي قاده ما يسمى بالتوتسي الكونغوليين من اصل رواندي, المعروفين بالبيومولانجي, انطلاقا من منطقة كوفو وهي نفسها التي انطلقت منها العمليات التي افضت الى الاطاحة بنظام موبوتو, والتي تعتبر منطقة تتعايش فيها الكثير من القوى المعارضة او المناوئة للدول المجاورة, كما هو الامر بالنسبة للمتمردين الهوتو, مرتكبي مجازر 1994 ضد التوتسي الروانديين, او المعارضين للنظام الاوغندي. ان المعارك التي دارت في الكونغو الديمقراطية قد ابرزت من جديد حالة اللاإستقرار التي تعرفها منذ سنوات منطقة البحيرات الصغرى, وكشفت عن التعقد الذي يلف مثل هذه الوضعيات, وبالتالي تباين التفسيرات والتبريرات التي التجأ اليها كل طرف في الدفاع عن موقفه. وهو الامر الذي يجعلنا نتساءل بدورنا عن طبيعة هذا الصراع. هل يتعلق الامر بصراع داخلي حول السلطة, وبالضبط حول تحديد نوعية النظام السياسي, ام ان الامر يتعلق بصراع اقليمي يضع في الواجهة مجموعة من الاطراف التي جعلت من الكونغو مسرحا لتصفية حساباتها. إذا كان من الصعب تجاهل العوامل الداخلية, على الاقل في الخطاب الايديولوجي للمناهضين للنظام في الكونغو, فإننا نعتقد أن العوامل الاقليمية المرتبطة بالتوازن في المنطقة قد لعبت دورا اكثر حسما في هذا الصراع, فلنفحص كل تفسير على حدة: أولا: صراع داخلي من أجل الاطاحة بالنظام القائم لقد رفضت الاطراف المجاورة للكونغو, وخاصة رواندا واوغندا الاقرار بتدخلها في الاحداث الجارية في الكونغو, معتبرة أن الامر يتعلق بمسألة داخلية تضع في المواجهة طرفين, وهما: المتمردون البويمولانجي, ونظام لوران ديزيري كابيلا. وفي هذا السياق, فقد اعتبر قادة هذه الحركة ان هذا التمرد ضد نظام كابيلا املته عدة اعتبارات مرتبطة اساسا بسلوك هذا الاخير. ويمكن تلخيصها فيما يلي: اولا: تنكر كابيلا للالتزامات التي كان قد قطعها على نفسه خلال محاربة النظام الديكتاتوري لموبوتو, والقاضية باقرار دولة الحق والقانون. بيد أنه حسب المتمردين قد اعاد انتاج نفس ممارسات النظام السابق, ويتعلق الامر بالمحسوبية والفساد والتمييز القائم على الاصول العرقية. الامر الذي يهدد الوحدة الوطنية. وعلاوة على ذلك, فان الاوضاع المعيشية للمواطن الكونغولي لم تعرف التحسن الموعود, رغم شعارات النظام التي تقدم كابيلا بمثابة الزعيم المنقذ والمصلح. ثانيا: منع التعددية الحزبية, والاستئثار بالسلطة, ورفض تحديد اي جدول لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في البلاد, وفي نفس السياق عدم احترام حقوق الانسان, من خلال قمع الاصوات المعارضة, ومنعها من التعبير عن وجودها. ثالثا: اعتبر بعض قادة المتمردين ان كابيلا قد التزم خلال مواجهة نظام موبوتو بتسليم المتمردين منطقة الكوفو, وهو ادعاء ينم عن رغبة لدى الدول المجاورة, وخاصة رواندا, في تجزئة الكونغو. لاشك في ان الانتقادات الموجهة الى سوء التدبير تشاطرها قطاعات اخرى من المعارضة في البلاد. ويذهب الكثيرون الى الاعتقاد ان كابيلا لا يرغب في اقرار اي شكل من الديمقراطية في الكونغو, بل انه سرعان ما عاود نفس ممارسات سلفه. وربما يعود ذلك الى كونه لا يمثل الرجل المناسب المتشبع باساليب حسن التدبير. لكن رغم ذلك, فانه انجز بعض الاصلاحات التي اعادت تقويم بعض الاختلالات التي كانت سائدة في النظام السابق. بصفة عامة, اذا كان مطلب ديمقراطية النظام يشكل عصب خطاب المتمردين, فانه لا يشكل وحده سببا كافيا لتفسير هذه الحركة التمردية. فاستقراء تاريخ مثل هذه الحركات, ومن بينها حركة كابيلا نفسه, تبين بوضوح انه لا يمكن لها ان تكتسب صدى بدون مساندة خارجية, او على الاقل بدون محيط خارجي يمنحها الاشعاع الضروري. وفي ظل هذه المنطقة المشحونة بعوامل التوتر واللاإستقرار, فانه يبدو لنا ان العناصر الخارجية اكثر قدرة على تفسير ملابسات الصراع الذي عرفته جمهورية الكونغو. ثانيا: التوازن الاقليمي الصعب لم يفاجأ المتتبعون للشأن الكونغولي بما حدث. فقد كان الامر متوقعا, فمنذ وصوله الى السلطة وجد كابيلا نفسه في مواجهة لعبة توازنات صعبة بين القوى التي آزرته في صراعه ضد موبوتو, ويتعلق الامر اساسا بــ رواندا واوغندا. وقد ازدادت مهمته صعوبة بسبب ضعف المساندة داخل الطبقة السياسية الكونغولية بسبب استئثاره بالسلطة, ورفضه اشراكها في مقاليد الامور, الشيء الذي قلص من شعبيته تدريجيا. لقد كان الكونغو خلال هذا الصراع مسرحا لمواجهات وضعت سبعة دول وهي رواندا وبورندي واوغندا وانجولا وزيمبابوي وناميبيا وافريقيا الجنوبية. غير ان خمسة دول فقط تدخلت في العمليات العسكرية لتحديد مصير هذه المواجهة لصالح هذا الطرف او ذاك. ففي البداية مكنت المساندة التي تلقاها المتمردون من رواندا واوغندا من تحقيق انتصارات كاسحة كادت ان تعصف بالنظام الذي اضطر زعيمه كابيلا الى الفرار خارج العاصمة كينشاسا, التي كانت تعيش وسط الظلام, تحت حصار المتمردين. وهناك دوافع وراء رغبة هذين القطرين في ازاحة كابيلا بعد ان لعبا دورا اساسيا في تصعيده الى السلطة. فبالنسبة لرواندا, فان موقفها يحكم فيه عنصران اساسيان: اولا: حماية ترابها من تهديدات القوى المناوئة للنظام والمتمثلة في الهوتو. فبالرغم من الضربات التي وجهت اليهم, فانهم ظلوا متمركزين في منطقة كوفو التي شكلت قاعدة اساسية بالنسبة لهم, ان توتر العلاقات بين نظام كابيلا ورواندا كان يساهم في تدعيم نشاطهم ضد هذه الدولة الافريقية الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 27 الف كيلومتر مربع. وثانيها, يكمن في البحث عن منافذ اقتصادية. ومن ثم, فان منطقة كوفو من شأنها ان تعطي فرصا كبيرة للاقتصاد الرواندي. لذلك فان توتر العلاقات بين الطرفين كان يحرم رواندا من هذا المصدر الاقتصادي المهم. وقد لا ترى رواندا مانعا في تجزئة هذه الدولة / القارة التي تتجاوز مساحتها اكثر من مليونين وثلاثمائة الف كيلومتر مربع, في حين, فان موقف اوغندا تفسره اكثر رغبة النظام الاوغندي بقيادة موسيفيني في تأديب كابيلا لكونه سمح للمعارضة الاوغندية المتواجدة في الشمال الكونغولي من القيام بعمليات ضد النظام القائم في اوغندا, بل اكثر من ذلك تعتبر ان هناك قوات كونغولية تعمل ضمن القوات المعارضة. ولا يتردد بعض المحللين في الاعتقاد ان النظام الاوغندي يتطلع الى بناء نظام اقليمي جديد يمكن ان يكون له داخله نفوذ واضح, وهو مشروع قد يصطدم بارادات اقليمية تتوفر على امكانيات اكبر. بفضل المساندة النشيطة لهاتين الدولتين المجاورتين, فقد كان نظام كابيلا آيلا للسقوط لولا تدخل القوات الزيمبابوية والانغولية والناميبية لمساندته, وهو الامر الذي حول مجريات الامور. بالنسبة لزيمبابوي, فانها تتميز بخاصية اساسية في هذا الوضع الاقليمي, وهي كونها الدولة الوحيدة التي لا تتوفر على حدود مع الكونغو, ويرى المحللون ان موقف موجابي الرامي الى مساندة كابيلا قد أملته بالاساس ارادته في موازنة النفوذ المتصاعد لرئيس جنوب افريقيا نلسون مانديلا. ففي مواجهة الموقف المحايد لهذا الاخير, فقد فضل موجابي بحثا عن دور يعيد له الاضواء, التدخل بشكل واضح لصالح كابيلا. وقد يضاف الى ذلك الرغبة في موازنة النفوذ الاوغندي. اما بالنسبة لناميبيا, فيفسر المحللون تدخلها بسبب الارتباط التاريخي بحركات التحرر في انجولا وزيمبابوي. لكن تدخل انجولا الى جانب كابيلا لم يكن متوقعا, بل اكثر من ذلك فقد كان حاسما في تقهقر وتراجع المتمردين بفعل تجربة القوات الانغولية, واستعمالها لسلاح الجو, وهو الامر الذي تفتقده القوات المتمردة وحلفائها. لقد ظلت انجولا تنتقد نظام كابيلا, لانه لم ينه الارتباطات التي نسجها النظام السابق مع المتمردين المنتمين لحركة (يونيتا) التي يتزعمها سافمبي, والتي مازالت تحارب نظام دوس سانتوس, رغم اتفاقيات الصلح المتعددة التي ابرمت بين الطرفين. فبهذه المساندة تطمح انجولا الى ان يتولى نظام كابيلا بشكل صارم ابعاد قوات يونيتا, واكثر من ذلك المساهمة في المجهود الحربي لانجولا ضد القوات المعارضة التابعة ليونيتا. هكذا يبدو بشكل واضح ان الاطراف المتورطة في الصراع الكونغولي ليست موحدة في دوافعها. بل لكل طرف مصالحه وتطلعاته, وهي كلها ترمي الى اعادة رسم التوازن في المنطقة. وفي الواقع, فان العوامل الاقليمية لا يمكن فصلها عن ادراك القوى الكبرى لمعطيات الصراع. فمن المعروف ان نهاية الحرب الباردة لم تفض الى نهاية الصراع, بل انها فجرت صراعات من نوع اخر, وسواء تعلق الامر بالولايات المتحدة او فرنسا, فانها لم تكن تنظر بعين الارتياح الى ممارسات كابيلا. ودون التدخل بشكل واضح, فانها ساعدت المناوئين لكابيلا على اسقاط هذا الاخير, وتعويضه برجل أكثر قبولا وادراكا لملابسات الاوضاع في المنطقة. ان الكيفية التي تمت بها تسوية الصراع لا تشكل الا نهاية لحلقة في مسلسل اللاإستقرار الذي تعرفه منطقة البحيرات الكبرى, وعلى الخصوص الكونغو, فمنذ استقلاله, وهذا القطر الافريقي معرض بسبب شساعته وامكانياته المعدنية لمحاولات التجزئة, ولا ريب, في ان غياب الديمقراطية, وحسن التدبير قد اسهما في تأجيج الصراع. فهل سيستفيد نظام كابيلا من هذا الانذار لاعادة النظر في اسلوب تدبيره للتحديات سواء منها الداخلية او الاقليمية؟ ذلك هو السؤال المطروح حاليا. أستاذ العلاقات الدولية ـ جامعة محمد الخامس ـ المغرب*