لا شك ان القارة الافريقية ــ حتى بعد ان غادرها الاستعمار ــ لا تزال احدى المحطات المهمة والرئيسية لصراع النفوذ بين الدول الكبرى سيما الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا باعتبار ان تلك الدول وان كانت استيطانياً لم تعد مستعمرة لدول القارة لكنها لا تزال تمارس عليها اقسى أنواع الاستعمار الاستنزافي باستغلال خيراتها الاقتصادية. والكونغو واحدة من الدول الأفريقية الدالة على التوجهات الامريكية في المنطقة باعتبارها نموذجا لالتباس عوامل النزاع في منطقة البحيرات العظمى ــ احد أهم المناطق الافريقية بالنسبة للدول الكبرى ــ والتي تتشابك فيها العديد من الدوافع لدول الجوار لدعم الشقين المتصارعين إما كابيلا أو المتمردين. (الملف السياسي) حاور د. (ابتسام سهيل بن هويدن) مدرسة العلوم السياسية بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة الامارات في محاولة لمعرفة ابعاد النزاع وامتداداته الاثنية والدور الامريكي فيه. - ماهي دوافع دول الجوار للكونغو لدعم اي من الطرفين المتصارعين سواء المتمردين أو مجموعة كابيلا؟ ــ كشفت الأزمة الكونغولية عن الكثير من مؤشرات الصراعات التحتية بين بعض القيادات الافريقية مما ادى الى اضافة ابعاد جديدة للازمة المتفاقمة وضاعف من حساسية اية محاولة لاحتواء الموقف اذ كشف رئيس زيمبابوي (روبرت موجابي) عن وجه أزمته الدقيقة مع رئيس جنوب افريقيا (نيلسون مانديلا) ومقاومته لهيمنة بلاده الاقتصادية والسياسية, وفي الوقت الذي تبدو فيه المسألة صراعا على المبادىء او طريقة ادارة الازمات, هي في الحقيقة تمثل بصورة أخرى صراعاً حول المصالح الشخصية او التنافس على استقطاب الاستثمارات الاجنبية بين كابيلا وموجابي. - هل استغلت الولايات المتحدة الامريكية هذا الصراع التحتي لترتيب البيت الأفريقي وفق مصالحها وبما يحقق اهدافها؟ ــ بدأت الولايات المتحدة منذ نحو اكثر من عام في صياغة سياسة جديدة ازاء التعامل مع القارة الافريقية تمركزت اساساً حول تنشيط الدور الاقتصادي والاستثماري لهذه القارة وذلك من خلال ثلاثة تصورات: 1 ــ ازاحة أو مزاحمة النفوذ الفرنسي في بعض المناطق الأفريقية. 2 ــ تلميع وتهيئة عدداً من القادة الأفارقة لاحتلال مراكز متميزة في بلدانهم سواء في الحكم او في المعارضة. 3 ــ زحزحة النظم المناوئة للاهداف الامريكية من خلال استمالة عناصر المعارضة فيها, وتقديم شتى انواع الدعم المادي والمعنوي لها وتأليب دول الجوار الرافضة لهذا النظام أو ذاك. - وماهي المؤشرات التي تدل على تلك التوجهات؟ ــ ظهرت العديد من المؤشرات والتحركات التي دللت على التوجهات الامريكية كان أبرزها جولة الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) في عدد من الدول الافريقية في مارس 1998 والتي استهدفت بناء مظلة سياسية اقتصادية في منطقة جنوب الصحراء تدخل تحتها مجموعة من الدول الافريقية لتمثل نقاط او مراكز جذب لشراكة امريكية افريقية على أسس ومستويات وتوازنات مختلفة بين الارتباطات التجارية والاستثمارية والسياسية والعسكرية وذلك بالاعتماد على عدد من القيادات الصاعدة والمخضرمة أمثال (أسياسي أفورقي) في اريتريا و (ملس زيناوي) في اثيوبيا و(بول كاجام) في رواندا و(يوري موسيفيني) في اوغندا و(جون قرنق) في جنوب السودان وقد رأت واشنطن في (لوران كابيللا) بالتحديد أحد فرسان القارة الجدد الذين يجب النظر اليهم باعتبارهم حاملي رايات النهضة الاقتصادية. - اذن الصراع في جانب منه صراع نفوذ بين أمريكا وفرنسا؟ ــ بالطبع ولكن لسوء حظ واشنطن ان الاسابيع الماضية حفلت بمجموعة من التطورات والمستجدات في بلدان هذه القيادات مما ادى الى خلط الكثير من أوراق وترتيبات واشنطن حيث ظهرت تعقيدات بالغة الخطورة على الامن والاستقرار الاقليميين ويكمن العنصر المشترك في معظم هذه الازمات في البعدين العرقي والاثني وتداخلهما مع الطموحات والمرامي والمصالح القومية من جهة, والترتيبات والاهداف الاستراتيجية التي تعمل بعض القوى الكبرى على تكريس اطرها من جهة أخرى. - آحداث الكونغو... هل تغذيها نزاعات اقليمية ودولية كما هو مفهوم من حديثك؟ ــ نعم, فخريطة التفاعلات الراهنة في افريقيا تشير الى ان العنف المتبادل بين الحكومات وشركاء التمرد يتصاعد ويتشابك والمطالب المقدمة من كل طرف تتزايد والخلافات حول الاجراءات وأولوياتها تتصاعد بحدة, كما ان المواقف الخارجية اضحت تلتقي على حدود متعارضة: 1 ــ ففي رواندا تحاول حكومة كيجالي بسط سيطرتها الادارية والامنية باستعمال جميع الطرق المشروعة وغير المشروعة ومع ذلك فلا يزال التمرد قائماً. 2 ــ وفي بوروندى تبدو الاوضاع اكثر هدوءاً بعد توقيع اتفاقية لوقف اطلاق النار بوساطة تنزانية. ومع ذلك فالتهديد المتبادل لم يتوقف على مستوى التصريحات كما ان القتل والتدمير مازالا متواصلان, وبعد فشل عمليات تغيير القيادات والتنظيمات العسكرية المضادة للتمرد في رواندا واوغندا اضطرت الدولتان الى توجيه الاتهامات الى جارتهما الكونغو الديمقراطية معتبرة ان الجبال الفاصلة بين الدول الثلاث هي المأوى القوي والمقر الرئيسي للمتمردين وان الاسلحة المستعملة من قبل قوى التمرد آتية عبر الاراضي الكونغولية. أجرت الحوار: لنا مهدي