القارة الافريقية سوداء لاهلها وخضراء لغيرها فهي تسقي وتطعم البعيد وتدع القريب يلهث عطشا ويتضور جوعا. عهد جديد من الاستعمار المتحضر بدأ يعلن دخوله الى منطقة البحيرات العظمى , هذا العهد هدفه الواضح هو تنحية البقايا الفرنسية واستبدالها بعملة سياسية جديدة تعيد وتغيّر الفرنسة التي شاخت وبليت اثوابها هناك الى امركة مشرقة في ظاهرها وفي باطنها العذاب السموم. وعلى الطرف الاخر هناك تلويح وتحرير لسلاح الديمقراطية في وسط هذه الغابة المليئة بالدماء, لعلاج الجروح الغائرة في اجساد المكتوين بنار الحروب. كيف يمكن للديمقراطية ان تؤتى ثمارها في مثل هذه الظروف المأساوية فجنرالات الحرب لا يمكن ان يؤمنوا يوما واحداً بهذا المسار الجديد والسبب يكمن في عدم الرضا بالتنازل عن هيبة الجيش وسيطرته على رقاب ومقدرات شعوب هذه المنطقة المنكوبة في كل قطاعاتها الحيوية وغيرها. وهل ترك لهذه المنطقة فرصة كافية تلتقط فيها انفاسها بعد المجازر التي حصدت ارواح من يفترض انقاذهم بوسيلة ارحم مما حدث ولازال السيل المنحدر جارفا لمتطلبات البناء المؤسسي للمجتمع المدني. فمعظم الدول التي سادتها انماط من الانظمة العسكرية لم تستطع الديمقراطية ان تصمد في وجه العسكر وفي معظم الأحيان تلتزم الديمقراطية الصمت امام جبروت وسطوة الجنود المدججين بكافة الاسلحة المرفوعة دائما في صدور افراد وشعوب تلك البلدان. واحداث الكونغو ليست نشازا ولا تغنّي وتعزف وحدها في هذا الاطار فتجربة تركيا والجزائر والصومال والسودان والعراق واندونيسيا والفلبين وغيرها تدل المتابع بان الازمة الداخلية الحادة هي التي فتحت المجال واسعا للتدخلات الاجنبية الصارخة سواء كانت في يوم ما فرنسا في الواجهة او الآن متمثلة في امريكا التي تريد ان تحافظ على المركز الاول في كل مكان في العالم. والسبب الجوهري لهذا الاصرار الحميم على البقاء في هذا المستوى العالي جدا هو عدم وجود قطب اخر منافس يعيد الى مجريات السياسة توازنها والى الشعوب المنهكة من جراء هذا الوضع قواها ودورها في اتخاذ ما يساعد على اعادة الحياة اليها لاقرار مصيرها وفق رؤاها دون املاء من الخارج. الدولة الوحيدة التي خرجت من هذا القمقم في افريقيا هي جنوب افريقيا لوجود الاسد فيها, فهي التي قلبت الموازين البيضاء الى سوداء لكنها عادلة بعد ان كانت البيضاء غارقة في الظلم قرابة اربعة قرون. فما يحدث في افريقيا له صور عديدة في قارات اخرى على مستوى العالم فلم تعد الصور المزرية للانظمة الدكتاتورية خافية على احد بل صارت الممارسات ونحن مقبلون للدخول الى القرن الجديد حافلة بما يندى لها جبين البشرية قاطبة, فالديمقراطية المطلوبة لعلاج احداث الكونغو يراد لها ان تكون من الألف الى الياء عسكرية بحتة وهذا هو السر الغائب الحاضر.