قضى الثائر الافريقي (سامورا ميشيل) عمره كله يناضل من اجل انهاء القبلية, وتحقيق الوحدة القومية لبلاده موزمبيق, وتشكيل الرابطة الافريقية الكبرى . ولتحقيق ذلك الهدف طرح سامورا نظريته الجريئة الطموحة القائلة: (من اجل ان تحيا الامة, لابد ان تموت القبيلة) , ولكن انصار القبلية اغتالوه في حادث الطائرة المعروف, لانه بدا عقبة عصبية تهدد نفوذهم, ونفوذ السياسيين الافارقة الجدد, الذين افلسوا في عالم النظريات والايديولوجيات, ورجعوا يتحركون على ضوء المفاهيم القبلية, ويثيرون ويغذون نعراتها التجزيئية المفرقة من جديد. خريطة افريقيا الحقيقية لا يوجد في افريقيا ـ ما وراء الصحراء ـ اليوم, اي قطر متجانس عرقيا وقبليا وثقافيا. فكل مجتمع من مجتمعاتها يضم قطاعات وقبائل وثقافات ولغات متباينة, ولكل قبيلة مصالحها وطموحاتها, وكأنها دولة داخل الدولة, بل قد يكون ولاؤها لدولة اخرى غير الدولة التي تعيش فيها.. وعلى غير ما يقتضى التطور التاريخي, فقد تأصلت النزعة القبلية, وانتعشت مع ازدهار التعليم, واصبح المتعلمون الافارقة من خريجي الجامعات الغربية, وحملة الشهادات والمناصب العليا, هم قادة القبائل, والقادة السياسيين في ذات الوقت. والخريطة الافريقية الحالية من انتاج الاستعمار لم تعالج جانب النزاعات القبلية والعرقية, بل استثمرته لصالح السياسات الغربية. وقد استهدى راسموها باستراتيجية (فرّق تسد) التي كانت شعار الحقبة الاستعمارية. حيث حصرت كل قبيلة في نطاقها المحلى, منعا لأي تلاق قومي, او بلورة لثقافة سياسية متجاوزة للقبلية, والبيئة المحلية, وبالطبع منعا لاي وحدة سياسية ضد الاستعمار.. وفي حالة وجود قبيلة كبرى تسود اقليما واسعا, فقد عولج.. الوضع ـ اهتداء بذات الاستراتيجية ـ بتوزيع جغرافية وافراد تلك القبيلة على دولتين او ثلاث! وحديثا قام احد علماء العلوم السياسية برسم خريطة جديدة لافريقيا تتسق مع حقائق التوزيع الاثنى والقومي فجاءت مخالفة تماما للتوزيع الجغرافي والسياسي الحالي. ولو اعتمدت خريطة مثل هذه من قديم لتفادت افريقيا ـ ما وراء الصحراء ـ كثيرا من النتائج الكارثية لصراعاتها الأثنية والقبلية. عدوى رواندا والحرب الناشبة حاليا في الكونغو هي ترجمة وانعكاس واضح لحقائق التوزيع السياسي والجغرافي الاستعماري لخريطة افريقيا. فقد احتشدت داخل الكونغو اكثر من مائتين وخمسين مجموعة اثنية اهمها المونغو, والكونغو والكاتنجا, والسونجي, واليانزى, والأزاندى, والياكا, والتيكي والكوبا, واللاما, والألور, والرانجا, والبيمبا.. وهذه هي اسماء بعض المجموعات الكبرى ذات الشأن, وهناك مجموعات صغيرة تتناثر على جغرافية الكونغو, من بينها مجموعة التوتسي التي تثير الاضطرابات الحالية, وهي مجموعة ضئيلة نزحت في ابان الحقبة الاستعمارية من رواندا, واستوطنت شرق الكونغو, وتريد الان ان تحكم البلاد بأسرها بمساندة من رواندا ويوغندا. هكذا ترتبط اثنيات الكونغو بأثنيات رواندا التي شهدت وتشهد أفظع موجات العنف والقتل والاستئصال العرقي. والغريب ان رواندا لا تعاني من كثرة التشكيلات الأثنية والقبلية فيها, كما هو الشأن في بعض الحالات المتطرفة كحالتي السودان ونيجيريا, حيث توجد في كل منهما مئات المجموعات الأثنية والقبلية. ويعتبر عدد الاثنيات في رواندا اقل من المتوسط بكثير, حيث توجد فيها اثنيتان فقط, هما (الهوتو) و(التوتسي) . ويشكل الهوتو 80% من السكان, والتوتسي 20% من السكان, وذلك قبل ان يتناقص عددهم بشكل كبير حيث قتل منهم نحو 800 الف شخص في خلال شهرين فقط في 1994.. والشيء المثير في السياسات الافريقية ان حكومة رواندا, التي كان يسيطر عليها الهوتو, في ذلك الحين, قامت بالاشتراك مع جيشها وشعبها بذبح التوتسي, ثم سقطت اثر ذلك مباشرة, ليتولى التوتسي, رغم الفتك الذريع الذي لحق بهم, ازمة الحكم في البلاد. واذا كان الهوتو قد حاولوا من غير جدوى ان يقتلوا كل التوتسي وهم اقلية, فان المهمة تصبح اصعب على التوتسي, ان يقتلوا كل الهوتو وهم اغلبية.. وهذه هي النقطة التي ستفسر جانبا من اسباب حرب الكونغو الحالية.. فتوتسي رواندا دعموا ثوار الكونغو, بقيادة كابيلا, بهدف ان يمكنوهم من استئصال الهوتو الذين هربوا ولجأوا الى أدغال الكونغو, وليس فقط لمجرد ازاحة موبوتو وتنصيب كابيلا, او مجرد ازاحة نظام رأسمالي وتنصيب نظام اشتراكي بالكونغو! يوجد في الكونغو ما بين ثلاثين الى اربعين الف من مليشيا الهوتو, ولكنهم يعيشون وسط مئات الالوف من المدنيين الهوتو, بحيث لا يشكلون اكثر من 5% من عددهم, وحوالي 80% من سكان معسكرات الهوتو بالكونغو هم نساء واطفال, ومع ذلك فلقد بدأت من اكتوبر 1996 قوات الجيش الرواندي بمساعدة جيش كابيلا, تهاجم تلك المعسكرات, ولم تتوقف حتى دمرت تلك المعسكرات تماما, وهرب معظم قاطنيها الى الجبال. ولما كان هدف رواندا من دعمها لثوار الكونغو, ليس فقط ايصال التوتسي الى السلطة, وانما ملاحقة الهوتو وابادتهم, فقد واصلت ملاحقة الفارين منهم في شعاب الجبال, وابادت عددا مهولا من النساء والرجال والاطفال. وقد حوصر هؤلاء من كل سبيل حتى سدت عليهم كل الطرق, وقد وصفت احدى اللاجئات من الهوتو ذلك الوضع في اسلوب مؤثر لمراسل نيويورك تايمز (هوارد فرينش) كالآتي: (نحن الان جوعى ومرضى, واكثر من ذلك فان معنوياتنا وقدراتنا على مواصلة الصمود اصبحت في الحضيض.. ها هم كبار السن يتساقطون موتى كالذباب.. وها هم اطفالنا وكأنهم من فرط الإعياء والجوع, قد اصبحوا عجائز, اكل الدهر عليهم وشرب.. هل نحن جميعا مذنبون؟! وهل هؤلاء الاطفال الصغار مجرمون كذلك؟! ان التوتسي اصبحوا يدفعوننا ويلاحقوننا وسط الاشجار وكأننا حشرات.. وخلال ثلاثة ايام سيدركنا رجال كابيلا, وسيخيّروننا بين ان نموت بقذائف مدافعهم, او ان نندفع الى نهر الكونغو, فنكون طعمة للتماسيح والأسماك!) . ويبدو ان صبر رواندا قد نفد, فارادت ان تسيطر على الكونغو بأكمله, حتى تتسنى لها ابادة الهوتو عن بكرة ابيهم, اذ لا قرار لتوتسي رواندا في الحكم, الا باستئصال الهوتو ولو في شعاب جبال الكونغو. وكما ذكر البروفيسور اليوغندي محمد محمداني, استاذ العلوم السياسية بجامعة ديربان, بجنوب افريقيا, فان مفتاح فهم السياسة الخارجية لرواندا هو مفتاح الأمن, فهو بداية سياستها الخارجية ونهايتها, حيث تبدأ تلك السياسة وتنتهي بنقطة استئصال الهوتو. اصبحت تلك النقطة المثالية غير العملية بمثابة مستنقع ضخم سقط فيه التوتسي, فمن ناحية اثبتت التجربة ان ابادة الهوتو عملية مستحيلة, ومن ناحية ثانية اصبح الهوتو يسلّحون انفسهم, ويعقدون التحالفات الاقليمية, التي يمكن ان تنقذهم مما يريده لهم التوتسي. وقد استفاد الهوتو كثيرا من وجود عدد كبير من الوزراء والمسؤولين الهوتو في تنزانيا, ممن يعملون على تحرير بورندي التي تحكمها ايضا اقلية ضئيلة من التوتسي, وهؤلاء مكنوا الهوتو من قدرات تسليحية هائلة, ثم جاءت الفرصة الذهبية لثوار الهوتو, مع اضطراب اوضاع الكونغو, واشتباك كابيلا مع حلفائه السابقين من التوتسي, فزادت قدراتهم التسليحية بشكل مطرد, كما عقدوا حلفا جديدا مع كابيلا ضد التوتسي ودافعوا عن نظامه, وأجلوا مسألة اقتحام معارضي كابيلا لكنشاسا.. ومن المؤكد انهم سيكونون رأس الرمح في حرب كابيلا ضد التوتسي في رواندا, في الشهور المقبلة. وستعاني يوغندا نفس الأمر اذ ان الكونغو اخذ يسلح, ويعطى تسهيلات كثيرة, لحركات المعارضة المسلحة ضد يوغندا, وهي ثلاث حركات اهمها ما يسمى بــ: (جيش الرب المنحدر من قومية الأشولي, وهم يركزون هجماتهم على شمال يوغندا, ويحظون ايضا بتأييد الحكومة السودانية كانتقام من دعم موسيفيني لتلميذه جون قرنق الذي يحارب في جنوب السودان. وهنالك ايضا مليشيا (جبهة تحرير النيل) وهي تضم خليطا من ثوار يوغندا والكونغو ورواندا, وتعمل على تحرير منطقة منابع النيل من سيطرة التوتسي, وتعتبر يوغندا الداعم الاساسي للتوتسي, وبالتالي اصل مشاكل منطقة البحيرات. وهنالك ايضا مليشيا (القوى الديمقراطية المتحدة) وهم ايضا خليط من القوميات السابقة, وتهاجم يوغندا لنفس السبب. وهكذا فاذا ما اندحر الثوار المتمردون على كابيلا, وهو الاحتمال الراجح, فان الدائرة ستدور على رواندا, وبورندى, ويوغندا, التي يبدو انها اخطأت خطأ جللا في حساباتها الاستراتيجية, عندما قررت ان تزجّ بنفسها في حرب الكونغو لإقصاء كابيلا, وتمكين قومية التوتسي التي يقل عدد افرادها عن مليون فرد من حكم هذا البلد الشاسع الذي يقطنه اكثر من اربعين مليون نسمة. التدخل الاقليمي وقد اثار التدخل السافر لرواندا ويوغندا وبورندي في اوضاع الكونغو, دولا اقليمية اخرى للتدخل في الاتجاه المضاد لنصرة نظام كابيلا. لم تكن انجولا تمانع من الإطاحة بنظام كابيلا قبل حدوث الشرخ الاخير في نظامها السياسي, على اثر انشقاق جبهة (يونيتا) عن الائتلاف الحاكم في انجولا, ولجوء قواتها المسلحة الى الكونغو, وتضامنها مع ثوار التوتسي, والجيشين اليوغندي والرواندي, الغازيين لأراضي الكونغو, هنا انتبهت انجولا للخطر القادم اليها من وراء حدود الكونغو, اذا ما تغير نظامها السياسي لصالح التوتسي, فقررت بالتالي ان ترسل بطائراتها لتقصف جموع الثوار الزاحفين الى كنشاسا. واما زيمبابوي فقد بعثت بجنودها الى الكونغو لان لها ديونا على نظام كابيلا, الذي يعد صديقا شخصيا للزعيم الزيمبابوي روبرت موجابي. وبين الطرفين علاقات تجارية واستثمارية واسعة, يمكن ان تدمرها الحرب الحالية, وتطيح حساباتها مع الاطاحة بكابيلا ولزيمبابوي دوافع اخرى, فسوء اوضاعها الداخلية, يدفع بحكومتها للانخراط في حرب خارجية من اجل صرف انظار الشعب عن المعاناة الاقتصادية, كما لموجابي اهدافه الزعامية الشخصية, فقبل خروج مانديلا من السجن, كان موجابي يعتبر زعيم الثوريين الاول في افريقيا وراء الصحراء, اما بعد خروج مانديلا, فقد انخسف نجم موجابي, ولكن ها هي احداث الكونغو تعيده الى واجهة الاحداث, والى صدر الزعامة, باعتباره المنقذ الاول للثورة الكونغولية من الأفول.. فعامل الغيرة من مانديلا, عامل شخصي, لا يمكن اغفال حسابه, عند تحليل دوافع موجابي لنصرة كابيلا. واندفعت ناميبيا لإرسال قواتها لصالح كابيلا, بعد ان اعلنت 14 دولة من دول افريقيا وراء الصحراء, عن دعمها لاي محاولة خارجية لصالح كابيلا, واعلان نلسون مانديلا ان تدخل انجولا وزيمبابوي لصالح كابيلا تدخل مشروع, لانه يدعم نظام الحكم المعترف به من دول القارة الافريقية, بما فيها يوغندا ورواندا وبورندي, التي تغزوه حاليا وتحاول الإطاحة به. اما القوة العظمى التي وقفت تتفرج على تطورات احداث الكونغو, فهي تفضل لو تسير الاحداث باتجاه اقتلاع نظام كابيلا, وهي تدعم بالتأكيد كلا من يوغندا ورواندا, وتقدم مساعدات عسكرية ضخمة ليوغندا, وترفض إدانة تدخل هذه الدول وغزوها للكونغو. تعلن السياسة الخارجية الامريكية انها واقفة على الحياد, فيما يتصل بالنزاع الملتهب حاليا في الكونغو, وفي ايام الصراع بين كابيلا وموبوتو, كانت تعلن ايضا انها على الحياد, وذلك مع ان الكل كان يعلم انها تدعم جانب كابيلا والان في الصراع بين كابيلا وثوار التوتسي تدعى الحياد ايضا, ولكن شعب الكونغو يعلم انها تساند تلك الاقلية النازحة ضد الاغلبية الوطنية. حتى لو وقفت امريكا فعلا على الحياد فهو موقف مشين, ومخالف للشرعية الدولية, التي تمنع غزو الاقطار ذات الاستقلال والسيادة, كما ذكر وزير العدل الكونغولي, مويترى كونجولا. واما صحافة الكونغو الرسمية, وهي صحافة يسارية التوجه, فقد اضحت تسمى المتمردين على نظام كابيلا, بطلائع الغزو التوتسي الامريكي الامبريالي! تأخذ امريكا على كابيلا انه لم يتخل عن ماضيه اليساري الثوري مثل موسيفيني, وكيجامي, وافورقي, وزناوي, وانه حافظ على ثوريته العارمة, وقام, مثل مانديلا, بزيارة ليبيا وكوبا, وزاد على ذلك فلم يزر واشنطن.. وهناك طبعا دعاوي انتهاكه لحقوق الانسان.. الخ تحاسبه عليها واشنطن دون غيره.. واهم من ذلك تأخذ واشنطن على كابيلا انه نقض عهوده بتسهيل اعطاء عقود للمستثمرين الامريكان في بلاده, وقيام حكومته بإلغاء الاتفاق الذي كان ابرمه قبل ان يصل الى السلطة, مع شركة حقول التعدين الامريكية, ببليون دولار. وهكذا يبدو ان لامريكا ثارات ومطامع, تحدو بها لتشجيع الحروب الاقليمية, القائمة على النعرات القبلية والأثنية, في منطقة البحيرات العظمى.