من السهل جدا إلقاء تبعية المجازر والمعارك الدامية الجارية حاليا في منطقة البحيرات العظمى الافريقية ـ وبالذات في الكونغو ـ زائير سابقا . على عاتق الدول الكبرى, وبالذات فرنسا وامريكا اللتان تتنافسان بضراوة للسيطرة على القارة السوداء.. والتهام الجزء الاكبر من الغنيمة.. والغنيمة هنا ليست هزيلة.. فالكونغو ـ رغم هبوط مستوى المعيشة لشعبها الى ما دون خط الفقر, حيث لا يزيد نصيب الفرد الواحد على 180 دولارا في السنة مقابل 2800 دولار في جنوب افريقيا ــ مثلا ــ الا انها تعتبر من اغنى بلدان العالم قاطبة من حيث الثروة المعدنية, والفلزات النادرة مثل الكوبالت (60 بالمائة من المخزون العالمي) والكارميوم والذهب والفضة والنحاس والزنك واليورانيوم والراديوم والمنجنيز والحديد وغيرها, فضلا عن مساحات هائلة من الغابات الاستوائية العملاقة واشجار المطاط وثروة حيوانية بغير حدود تجعلها اغنى حديقة حيوان مفتوحة على كوكب الارض.. ابتداء من الفيلة التي اهلتها لتكون اكبر مصدر للعاج, الى سائر انواع الحيوانات البرية التي وفرت لها صناعة نامية للجلود والمتاجرة مع حدائق الحيوان في سائر ارجاء العالم بالاضافة الى قيمتها السياحية وخاصة لدى هواة رحلات السفارى وصيد الوحوش.. وبكل هذه الثروات اصبحت الكونغو ملكية خاصة للتاج البلجيكي منذ سنة 1874. غير ان بلجيكا كانت اصغر من ان تستطيع وحدها التهام هذه الفريسة الضخمة, ففتحت الباب للدول الاوروبية كي تقاسمها الغنيمة. وشكل الملك ليوبولد الثاني ـ باعتباره مالك الكونغو بحق الفتح ـ شركة دولية تحت رئاسته مباشرة لاستغلال ثروات ذلك البلد الافريقي الذي تقترب مساحته من مليون ميل مربع (905,646 على وجه الدقة).. وشكلت رؤوس الاموال الفرنسية الجزء الاكبر من الاستثمارات. وكان الاستعمار البلجيكي للكونغو من اجشع اشكال الاستغلال التي شهدتها القارة السوداء, فالملك لم يكن يعتبر نفسه فقط مالكا للارض والثروة, وانما ايضا مالكا للافريقيين الذين كانوا تحت حكمه اشبه بالعبيد. وعلى مدى ما يقرب من سبعين عاما واصلت شركة مناجم كاتنجا استنزافها لموارد البلاد الصناعية والزراعية بلا رحمة. ودون ان يعود على اهل البلاد الاصليين اي عائد يذكر بينما حرص الحكم الاستعماري على ابقائهم على ادنى درك من التخلف. وحتى عندما اضطرت السلطة المستعمرة الى تجنيد بعض الكونغوليين في جيشها الذي لم يكن اكثر من قوة شرطة للحفاظ على سلطانها ــ فان اعلى رتبة كان يمكن ان يصل اليها الكونغولي المجند هي رتبة (شاويش) .. ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية, وسقوط بلجيكا ـ وكذا فرنسا ـ السريع تحت سنابك الهجوم النازي الخاطف, اضعف كثيرا من هيبة المستعمرين وشركتهم القابضة.. ومع انتهاء الحرب سنة 1645, اخذت رياح حركة التحرر الوطني الافريقية تصل الى الكونغو رغم انف القيود الصارمة التي فرضتها السلطة الاستعمارية الممثلة في شركة مناجم كاتنجا.. وشكلت قوى التحرير حزبا تحت اسم الحركة الوطنية الكونغولية الذي آلت رئاسته الى مدرس شاب اسمه باتريس لومومبا.. ورفعت شعار الكفاح السلمي من اجل الاستقلال التام. غير ان النصف الاخير من خمسينات هذا القرن حمل معه تغيرا جذريا ما لبث ان امتدت آثاره الى الكونغو. فقد تفككت اوصال النظام الاستعماري العالمي كنتيجة مباشرة للهزيمة الساحقة التي نزلت بالامبراطوريتين البريطانية والفرنسية اثر عدوانهما ــ الاشتراك مع اسرائيل على مصر في 1956.. ولم يكن في وسع الاستعمار البلجيكي ان ينجو من هذا المصير. ومع نمو حركة التحرر الوطني, وتزايد الضغط الدولي والامريكي بنوع خاص, توصل ممثلو الشعب الكونغولي الى اتفاق مع السلطات البلجيكية تم توقيعه في 27 يناير سنة 1960 على اعلان الكونغو دولة مستقلة ذات سيادة اعتبارا من يوم 30 في نفس الشهر.. وكان مفهوما ان الضغط الامريكي على المستعمرين البلجيكيين من اجل انهاء وضعهم الاستعماري في الكونغو انما كان جزءا من الخطة الامريكية الطموحة لوراثة الامبراطوريات الاستعمارية القديمة بعد فشلها المدوى في قناة السويس عام 1956.. ولكن عملية (انتقال التركة) في الكونغو لم تكن سهلة. فقد اسفرت الانتخابات التي جرت في الكونغو في 31 مايو عام 1960 وفقا لشروط الاتفاق الموقع في 27 يناير عن فوز كبير للحركة الوطنية الكونغولية بقيادة باتريس لومومبا, الذي شكل حكومة ائتلافية برئاسته في يونيو من نفس العام, وليعلن منذ اللحظة الاولى انه غير مستعد ليقوم بدور (ناقل الحركة) من الاستعمار الاوروبي الى الهيمنة الامريكية, وان سياسته ستكون على اساس ان ثروات الكونغو يجب ان تكون ملكا لشعب الكونغو, وان الاستقلال يجب ان يكون حقيقيا وليس اسما على غير مسمى. وكان هذا كافيا لكي ينسى كل المتنافسين بالأمس خلافاتهم ليتحدوا في جبهة واحدة ضد حكومة لومومبا الوطنية. فبدأوا بحركة تمرد مسلحة في مقاطعة كاتنجا, قادتها ومولتها شركة المناجم واستعانت فيها بآلاف من المرتزقة الاوروبيين والامريكيين وبقايا القوات البلجيكية التي لم تكن قد اكملت انسحابها.. وفي اغسطس 1960 اصدر مجلس الامن الدولي قرارا بسحب القوات البلجيكية وارسال قوة من الامم المتحدة من أجل وقف القتال.. وجاء الى الكونغو داج همرشولد امين عام الامم المتحدة بنفسه ليشرف على اعادة السلام, ولكنه لقى حتفه في حادث سقوط طائرة في ظروف مريبة فوق غابات الكونغو. وفي الوقت نفسه اصدر الرئيس كازافوبو قرارا بإقالة لومومبا.. الذي لم يلبث بدوره ان لقى مصرعه اغتيالا على يد قائد التمرد تشومبي.. وفي سبتمبر 1964 أزاح تشومبى الرئيس كازافوبو من منصبه ليتولى الرئاسة بدلا منه ولكنه لم يمكث في الرئاسة اكثر من عام و احد, اذ سقط بانقلاب عسكري قاده جنرال الجيش, الشاويش السابق موبوتو الذي تولى السلطة في سنة 1965.. بتأييد كامل من فرنسا, وتأييد ضمني من الولايات المتحدة.. وما بقى بعد ذلك معروف. فقد حكم موبوتو الكونغو بالحديد والنار لمدة 32 سنة, مستندا الى الفرنسيين والبلجيكيين تارة, والى الامريكيين تارة اخرى, وفي الحالين لصالح شركة مناجم كاتنجا. وتحول الحكم في عهده الى مرتع خصب لكل اشكال الفساد من القمة الى القاع, حتى بلغ نصيبه وحده اكثر من 30 مليار دولار معظمها على شكل قصور وضياع وودائع بالنقد الاجنبي في بنوك اوروبا.. والذي لا نزاع فيه ان موبوتو استفاد شخصيا من الصراع الضاري بين النفوذ الفرنسي المقيم, والنفوذ الامريكي الزاحف.. فالفرنسيون مطمئنون الى حقيقة انه رجلهم في قلب افريقيا, ولذلك فانهم غير عابئين بفساده. والامريكيون يراهنون على المدى الطويل, فإما ان يقوده فساده الى الارتماء في احضانهم, واما ان يؤدي الى الإطاحة به على يد القوى المعارضة التي تزداد عنفا وضراوة يوما بعد يوم. وهذا ما حدث. فقد ادت مذابح رواندا الى تدفق مئات الالوف من أفراد قبائل التوتسي المسلمين الى شرق الكونغو.. فانضم هؤلاء الى ابناء عمومتهم المتمردين ضد حكم موبوتو.. وفي خريف 1996 اشتدت وطأة التمرد ضد موبوتو.. وتولى قيادة قوات المتمردين الجنرال السابق لوران كابيلا.. وعندما بدأ زحفه نحو العاصمة كينشاسا لم يجد موبوتو احدا ليقف الى جانبه, بعد ان استعدى فساده كل الكونغوليين.. فآثر الفرار تاركا الحكم لكابيلا ورفاقه.. وقد لا يعرف الكثيرون ان لوران ديزيريه كابيلا كان من اقرب الناس الى الزعيم الراحل باتريس لومومبا, حتى انه رافق اولاده عندما لجؤوا الى القاهرة عقب مصرعه على يد تشومبي.. ومع ان احدا لا يستطيع الان ان يقطع ما اذا كان لا يزال متمسكا بمبادئ زعيمه الراحل, الا انه قد يستلفت النظر انه حاليا يحظى بتأييد الرؤساء الافريقيين المجاورين الذين ساروا على نهج لومومبا, مثل سانتوس في انجولا, وروبرت موجابي في زيمبابوي, ونجومو في ناميبيا, الذين هبوا الى مساعدته عسكريا عندما اوشكت حركة التمرد ضده ان تستولى على كينشاسا. وقد يستلفت النظر ايضا ان رواندا واوغندا, اللتان ساعدتاه على التخلص من موبوتو تقفان الان ضده وتساعدان المتمردين الجدد المعارضين له.. وفيما بين موقف التأييد لكابيلا, والموقف المعادي له, نجد جنوب افريقيا تتخذ اسلوب الحياد الحكيم, وان كانت اقرب الى كابيلا, بينما تنزانيا محايدة ايضا.. ولكنها اقرب الى المتمردين.. وبالطبع, وراء كل هذا تقف المصالح الامريكية والفرنسية التي تتنافس فيما بينها من اجل الاستحواذ على النصيب الاكبر من الكعكة الافريقية الدسمة.. ولكنهما تتفقان معا في مواجهة اي تحرك افريقي يسعى لاستخلاص مصائر القارة السوداء من الهيمنة الاجنبية, والاحتفاظ بثرواتها, وارادتها بأيدي ابنائها دون سواهم, وليس بأيدي المستعمرين القدامى, او من يحاول وراثتهم.. ومن المؤكد ايضا ان الحروب الاهلية والمجازر المتبادلة في القارة السوداء, وفي الكونغو وجيرانها بنوع خاص, لا تندلع فقط نتيجة التدخل من الخارج, وانما سنجد اساسها دائما في الصراعات والنزاعات القبلية الموروثة. والتي عمل السلطات الاستعمارية على مدى عشرات السنين من أجل تعميقها وتوسيعها طوال فترة هيمنتها على القارة حتى تستخدمها كأدوات متطوعة لخدمة استراتيجياتها بعد الاستقلال. خلاصة القول, ان الكونغو الان مهدد بأن يصبح ساحة لقتال اوسع, لا يقتصر طرفاه على الحكومة ـ حكومة كابيلا والمتمردين ضدها فقط, وانما قد يتسع نطاق الحرب ليشمل انجولا وزيمبابوي وناميبيا في جانب كابيلا, ورواندا واوغندا في جانب معارضيه.. وغنى عن البيان ان هذا سوف يستدعى للتدخل قوى عالمية اكبر وفي مقدمتها امريكا وفرنسا, حيث تسعى كل منهما لاستغلال الاوضاع المتردية وتسخيرها لمصلحتها.. وفيما بين هذا وذاك, فان الفرصة متاحة لكي تنتعش تجارة السلاح على حساب دماء الافريقيين من الجانبين.. ومع ذلك, فان الأمل كبير في ان تنجح محاولات التسوية التي يقودها الزعيم الجنوب أفريقي المناضل نيلسون مانديلا.. والذي لا يزال ـ لحسن الحظ ـ يحظى بتقدير واحترام كل الافريقيين.. على اختلاف قبائلهم واصولهم العرقية. غير أن جهود حكماء افريقيا لا ينبغي ان تقتصر على مجرد وقف القتال. حيث لن يعنى ذلك سوى هدنة مؤقتة لن تلبث ان تنفجر, طالما الثارات القبلية والعرقية قائمة, وطالما التنافس بين الدول كبرى محتدما, وكل منها تحاول استغلال الصراعات المحلية لحسابها. ولا سبيل لعلاج هذا الوباء سوى ان تكون اية تسوية يمكن التوصل اليها متضمنة لاقصى قدر من الديمقراطية التي يمكن في ظلها إزالة كل اسباب الفساد ومظاهره.. وحتى يتاح لشعب الكونغو ان يحكم نفسه بنفسه, وليس بواسطة الوسطاء, او السماسرة او العملاء.