عندما جاء (رولان كابيلا) الى الحكم في جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) بعد تمرد عسكري وصراع دموي استمر لعدة شهور بين قواته التي ساندتها بعض الأطراف الإقليمية والخارجية , والقوات الحكومية للرئيس السابق (موبوتو) , ظن البعض أنه بتسلم كابيلا مقاليد الامور سوف تستقر الاوضاع في الكونغو وخاصة انه كان قد وعد بأنه سينفذ بعض الإصلاحات السياسية والديمقراطية والاقتصادية. ولكن الذي حدث بعد ذلك انه نقض كل وعوده السابقة, ولم يلتزم باجراء مثل هذه الإصلاحات, بحيث لم يشعر المواطن الكونغولي بأي تغيير يذكر, وظلت معاناته كما هي. كما لم يلتزم حتى بما سبق ووعد به بعض الأطراف التي ساندته اثناء تمرده. ولذلك جاءت الانتفاضة الثانية سريعا وعلى كابيلا نفسه وبعد شهور قليلة من توليه السلطة.. وعرفت معها الكونغو فاصلا دمويا جديدا لم ينته حتى الآن.. وينذر باستمرار حالة عدم الاستقرار والتدهور المعيشي والاقتصادي في الكونغو. وعادت من جديد التساؤلات حول معالم مستقبل الصراع الدائر هناك, وحول دور القوى الاقليمية المحيطة في استمراره, وطبيعة التنافس الدولي على بسط النفوذ على هذه الدولة. الميراث الاستعماري الدكتور محمود أبو العينين أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الافريقية بجامعة القاهرة يرى ان طبيعة الصراع الدائر حاليا في الكونغو الديمقراطية لا يمكن عزله بأي حال من الأحوال عن طبيعة الصراع الموجود في منطقة البحيرات العظمى ككل. وهذا الصراع له خلفياته التاريخية وأبعاده العرقية سواء داخل كل دولة من دول المنطقة أو بين الدول المشكلة للمنطقة وله أيضا اسبابه الاقتصادية. فبالنسبة للخلفية التاريخية للصراع يلاحظ انه يظهر فيها الميراث الاستعماري ودوره في تخطيط حدود المنطقة.. حيث تم تخطيطها حسب ميزان القوى الاستعمارية ولم تراع فيها الابعاد الطبيعية وحدود الثقافات والأعراق. ولذلك نجد ان الدولة الواحدة تضم عددا من القوميات او العرقيات المتنافسة, بل وتمتد الجماعة العرقية الواحدة الى اكثر من دولة مما يؤدي الى عدم الاستقرار سواء داخل الدولة الواحدة, او فيما بين دول المنطقة جميعها. كما ساهم الاستعمار بطريق غير مباشر في ترسيخ عدم الاستقرار بأن قام بتولية بعض الجماعات مقاليد الامور في البلاد واعطائها افضلية على غيرها من الجماعات الاخرى خلال الفترة الاستعمارية وهذا ولد نوعا من المرارة التاريخية في العلاقة بين هذه الجماعات بعد الاستقلال وساهمت ايضا ممارسات النظم الحاكمة فيما بعد الاستقلال هي الاخرى في تعميق الكراهية بين الجماعات داخل الدولة الواحدة, وخصوصا في رواندا وبروندي.. حيث كانت الاقليات التوتسية تتولى الحكم بشكل مستمر في كل من الدولتين رغم أنهم كانوا لا يمثلون في رواندا سوى 14% فقط من عدد السكان. ونفس النسبة تقريبا في بورندي. ومن ثم تحكم التوتسي وسيطروا على مقاليد الامور في الجيش والادارة المدنية واخذوا النصيب الأوفر من الثروة. ولذا حينما بدأت فترة التسعينات وبدأت معها مرحلة التحول الديمقراطي في افريقيا بشكل عام, واجهت جماعات التوتسي تحديا جديدا وهو وصول جماعة الهوتو التي تمثل الاغلبية الى الحكم في رواندا وبروندي, ولكن تم احباط هذه التجارب بالقوة عن طريق سلسلة متوالية من الصراعات الداخلية في هاتين الدولتين. ثم سرعان ما انتقلت هذه الصراعات الى جمهورية الكونغو الديمقراطية والتي تعتبر ثالث دولة افريقية من حيث عدد السكان (55 مليون نسمة) وتتركز فيها مصالح واحتكارات لشركات اجنبية لها مصالحها التي تدافع عنها. وتنقسم الكونغو من الناحية العرقية الى اكثر من 200 جماعة عرقية من بينها جماعة التوتسي ذات الاصل الرواندي. الجولة الثانية واوضح الدكتور ابو العينين ان الجولة الاولى من الصراع في الكونغو الديمقراطية التي حدثت عام 96 وتحالف فيها عدد من الاحزاب والجماعات بقيادة (رولان كابيلا) واشترك فيها التوتسي من اصل رواندي والمقيمون في شرق الكونغو وساندتهم رواندا بشكل مباشر, واستطاعوا خلال ستة أشهر فقط ـ وبدعم من اطراف اخرى خارجية مثل الولايات المتحدة الامريكية واوغندا ـ السيطرة على الحكم وإزاحة نظام موبوتو. ثم بدأت الجولة الثانية من الصراع وبعد مرور عام واحد فقط من استيلاء كابيلا على الحكم, حيث تشهد الكونغو حاليا تمردا كبيرا ضد كابيلا وذلك يرجع لعدة اسباب منها انفراد كابيلا بالحكم وتسلطه وتحيزه لبعض الجماعات ضد الاخرى وتباطؤه في تطبيق الديمقراطية.. بالاضافة الى سبب اخر يتفق عليه الجميع وهو تحيزه ضد جماعة التوتسي الذين ساندوه خلال تمرده على النظام السابق. وكانت إقالته لرئيس اركان الجيش وهو من اصل توتسي هي الشرارة التي فجرت الصراع الدائر حاليا, حيث بدأ التمرد الذي قادته جماعة التوتسي. ومعروف انه كانت هناك ثمة وعود من كابيلا لجماعة التوتسي بتلبية كل مطالبهم في حال وصوله الى الحكم, ولكن الذي حدث انه عندما استتب له الأمر رفض هذه المطالب وبدأ في تضييق الخناق على هذه الجماعة وقام بعزل رئيس الاركان وطرد الكثير من القيادات الاخرى مما ادى الى قيام التوتسي بالانقلاب عليه والتمرد على حكمه واشتركت معهم بعض الجماعات, وهذا يعتبر مقدمة للحرب الاهلية الدائرة في الكونغو حاليا والتي استطاع فيها المتمردون من الزحف من شرق الكونغو مرة اخرى الى المناطق الاستراتيجية والمدن الكبرى والمشروعات الاستراتيجية الكبرى مثل سد إنجا الكبير بل وحاصروا العاصمة كينشاسا نفسها. وعندها بدأ كابيلا يتحرك ويطلب دعما من اطراف اقليمية وظهر شكل من اشكال المحاور الاقليمية المتنافسة, بحيث اصبحت بعض الاطراف الاقليمية تساند الحكومة المركزية في كينشاسا مثل انجولا وزيمبابوي وناميبيا بينما تساند اطرافا اخرى التمرد وبشكل سافر وهي رواندا وأوغندا. ومن ثم انقسمت المنطقة الى طرفين متواجهين عسكريا, وتدور حاليا المعارك داخل الكونغو والتي لم تتضح بعد نتائجها النهائية. السيناريوهات المستقبلية وبالنسبة للتصورات المستقبلية للصراع وخاصة بعد ان اتسع على هذا النحو, يعتقد الدكتور محمود ابو العينين ان الصراع لابد ان يأخذ احد المسارات الآتية: * التصور الأول وهو سحق التمرد من قبل الحكومة المركزية في كينشاسا او تقليص نفوذهم الى ادنى حد ممكن وبمساعدة حلفاء كابيلا الإقليميين. ويمكن ان يحدث هذا في ظل تسوية اقليمية ودولية وبحيث يحصل التوتسي في شرق الكونغو على ضمانات سياسية لمستقبلهم. * التصور الثاني هو ان يتمكن المتمردون من السيطرة على كينشاسا وفرض حكومة جديدة وفي هذه الحالة سيكون للتوتسي الكلمة الأولى في الكونغو مستقبلا. * اما التصور الثالث فهو استمرار الحرب الاهلية بحيث تكون ممتدة بفعل توازن القوى الداخلية والاقليمية والدولية, وفي هذه الحالة سوف يفرض امر واقع جديد بالنسبة لمستقبل الكونغو ربما يصل الى حد التقسيم. وايضا سوف تتأثر منطقة البحيرات العظمى من جراء استمرار هذه الحرب ومضاعفاتها وتكون الفرصة مواتية لتغلغل اجنبي, سيأخذ شكلا تنافسيا والذي كانت بوادره قد ظهرت في الجولة الاولى من الصراع ونقصد في هذا الصدد المنافسة بين فرنسا والولايات المتحدة الامريكية. وحول مواقف الاطراف الاقليمية من الحرب الاهلية الدائرة في الكونغو الان اشار الدكتور ابو العينين الى ان المحور الرئيسي في التنافس الاقليمي ومواقف الاطراف الاقليمية ينحصر بين الدور الاوغندي بقيادة (موسيفيني) والدور الرواندي بقيادة (بول كاجامي) وزير الدفاع ونائب الرئيس والذي يدعم مشروع احياء الامبراطورية التوتسية التاريخية في المنطقة. وهذا المحور الاقليمي ساندته الولايات المتحدة الامريكية في الجولة الاولى من الصراع.. اولا للإطاحة بالنظام الديكتاتوري بقيادة موبوتو.. وثانيا لإزاحة النفوذ الفرنسي من منطقة البحيرات. ولذلك لم يكن غريبا ان نرى جمهورية الكونغو الديمقراطية تخرج من منظمة الفرانكفون وتتبنى اللغة الانجليزية لغة رسمية بجانب اللغة الفرنسية, كما فعلت رواندا التي تبنت اللغة الانجليزية ايضا.. وبحيث اصبح خروج فرنسا من الكونغو يمثل اكبر ضربة قاصمة للنفوذ الفرنسي في افريقيا, باعتبار ان الكونغو هي اكبر دولة تتحدث اللغة الفرنسية بعد فرنسا في العالم. ومن المتوقع ان يواصل الطرف المعادي لكابيلا دوره لتعزيز المكاسب التي حصل عليها اثناء الجولة الاولى من الصراع عامي 96, 97, وان كانت الولايات المتحدة تتعرض لتحديات في المنطقة التي احرزت فيها النصر في الفترة السابقة. اما بالنسبة للطرف الاخر المؤيد لكابيلا والحكومة المركزية في كينشاسا فمن الواضح انه مازال يؤمن بأهمية تماسك دولة الكونغو, كما تتخوف من المشروع الاوغندي الرواندي في المنطقة وهي أطراف لديها القدرة على الصمود في هذه المواجهة مثل انجولا وزيمبابوي وناميبيا. دور اسرائيلي كما لا يقتصر الامر على الاطراف المباشرة في الصراع, فهناك اطراف غير مباشرة وخصوصا الطرف الاسرائيلي الذي يلعب ادوارا خفية في اثارة الصراع وتأجيجه في هذه المنطقة الحيوية التي تمثل المنابع العليا للنيل والمتصلة ايضا بشرق افريقيا. ويتمثل الدور الاسرائيلي في تقديم الخبراء العسكريين والاستشارات العسكرية وتوريد الأسلحة عبر الحدود غير المحمية. ولا يقتصر هذا الدور على لعب دور الوكيل للولايات المتحدة الامريكية في افريقيا ولكن لاسرائيل اهدافها المستقلة في زعزعة الاستقرار في منطقة البحيرات العظمى ومناطق المصالح المصرية الحيوية وايجاد مراكز نفوذ خارج المنطقة العربية وحولها وخصوصا في ظل جمود العملية السلمية. ارض خصبة للصراعات اما الدكتور صبحي قنصوة استاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الافريقية ففي رأيه ان الكونغو ومنذ استقلالها عام 60 تعتبر ارضا خصبة للصراعات والأزمات, وذلك لان الاستعمار كان حريصا طوال فترة وجوده في الكونغو على ألاّ تشهد حركة تنمية حقيقية او ان يكون بها كوادر مؤهلة لان تحكم عقب خروجه. لذلك شهدت الكونغو اولى ازماتها السياسية عقب خروج الاستعمار البلجيكي مباشرة. كما حدثت نزعات انفصالية في بعض الاقاليم انتهت بتدخل دولي من جانب الامم المتحدة. وقد ظلت الاوضاع غير مستقرة منذ الاستقلال وحتى استيلاء موبوتو على السلطة عام 65 والذي لم يخل عهده هو الاخر من محاولات الانفصال والازمات السياسية الشديدة, كان ابرزها محاولة انفصال كاتنجا في الفترة من عام 77 الى 78. وهذه الازمة شهدت تدخلا دوليا من جانب فرنسا والمغرب لدعم موبوتو. كما استعان موبوتو بقوات مرتزقة وتمكن بالفعل من مواجهة الأزمة ودانت له السيطرة على الكونغو حتى اطاح به رولان كابيلا بعد تمرد وقتال دام حوالي ستة اشهر. والملاحظ ان الأزمة الاخيرة والدائرة حاليا في الكونغو تفاعلت فيها عوامل داخلية وخارجية.. الداخلية, تتمثل في ان الكونغو شأنها شأن معظم الدول الافريقية دولة مقسمة عرقيا ولغويا ودينيا وهذه الانقسامات العرقية تفتح المجال لحدوث الصراعات. كما ان ضعف جهاز الدولة ومنذ استقلال الكونغو حتى الان وعدم قدرته على بسط سيطرته على الاقليم بسبب السياسة الاستعمارية التي لم تخلق كوادر مؤهلة للقيادة ــ ادى الى حدوث الصراعات. ويكفي ان نعرف انه اثناء التمرد الذي قاده كابيلا كان الجيش الزائيري مثالا لعدم الانضباط والتسيب وعدم وجود القيادات.. اضافة الى الجانب الاقتصادي وتدهور الاوضاع المعيشية في الكونغو, والتضخم, وزيادة نسب البطالة, وارتفاع الديون الخارجية وذلك بسبب الفساد السياسي هذا كله ادى الى استمرار وجود الصراعات والنزاعات داخل الكونغو. البعد الاقليمي اما بالنسبة لدور البعد الاقليمي في حدوث الصراع فمعروف ان المنطقة المحيطة بالكونغو وهي منطقة البحيرات العظمى تعتبر منطقة غير مستقرة سياسيا ومعظم دولها تشهد نزاعات عنيفة. فعلى سبيل المثال رواندا وبروندي واوغندا تقع شرق الكونغو وكلها تشهد صراعات ونزاعات عرقية عنيفة منذ استقلالها. ولو نظرنا نجد أن أنجولا تشهد هي الأخرى صراعات سياسية وعرقية خاصة بين الحكومة التي تقودها حركة M.B.L.A, وحركة M.N.T.A, ومن ثم تنعكس هذه الصراعات على الأوضاع في الكونغو, ولو نظرنا للأزمة الحالية لوجدنا أن كابيلا يتلقى بالفعل الدعم من جانب أنجولا وزيمبابوي, وتقف ضده رواندا واوغندا. وبذلك تصبح الأوضاع غير المستقرة في منطقة البحيرات العظمى أحد أهم أبعاد الأزمة الحالية في الكونغو. اما بالنسبة للبعد الثالث والخاص بالأطراف الدولية فهناك آراء عديدة ترى بوجود تنافس بين الولايات المتحدة وفرنسا على مناطق النفوذ في المنطقة, لان الكونغو في عهد موبوتو كانت منطقة نفوذ فرنسي.. وعندما تمت عملية الإطاحة به نظر اليها على انها توسيع وتأكيد للنفوذ الامريكي في المنطقة على حساب النفوذ الفرنسي. ايضا هناك دور الشركات متعددة الجنسيات في دعم حركة التمرد او الصراع للحصول على امتيازات بعد انتصار الحركة في مجال الحصول على امتيازات استغلال المعادن والثروات الكثيرة الموجودة بالكونغو. وهذا يعنى ان الازمات التي تشهدها الكونغو حاليا وحركة التمرد والمعارك الاهلية الدائرة هناك وليدة تفاعلات وازمات داخلية, واوضاع اقليمية وتأثيرات دولية من خارج القارة الافريقية. احتمالات الاستقرار ضعيفة ويعتقد الدكتور صبحي قنصوة انه فيما يتعلق بمستقبل الصراع فطالما ان اسبابه وعوامله مازالت موجودة او قائمة, فان احتمالات الاستقرار ستكون ضعيفة. والامر بالنسبة للكونغو يتطلب اولا التوصل الى صيغة ديمقراطية من خلال مؤتمر وطني يسمح بحل الخلافات والمنازعات بين عناصر النخبة السياسية في الكونغو, لان أحد أهم المآخذ التي اخذت على كابيلا هو انه ابتعد عن الاصلاحات السياسية والاتجاه الى الديمقراطية. كما كان يعد قبل توليه السلطة وفضل ان يصبح ديكتاتورا جديدا. ثانيا تقوية جهاز الدولة والسلطة المركزية لانه ما دامت هذه السلطة ضعيفة فسوف يشجع ذلك حدوث حركات التمرد في اي وقت. ثالثا الاصلاح الاقتصادي في الكونغو الديمقراطية وهو ما يعنى اتباع سياسة اقتصادية من شأنها ولو تحقيق الحد الأدنى للمتطلبات الضرورية على الأقل للمواطن الكونغولي, لانه ما دامت هناك أزمة اقتصادية وتدهور في مستوى المعيشة وتأخر في صرف المرتبات وانهيار مستوى الخدمات, فهنا لا يستطيع التحدث عن شرعية شعبية او دعم شعبي لاي نظام مهما يكن. ورابعا تسوية مشكلات اقليم البحيرات العظمى ككل, لان مستقبل الاستقرار السياسي في الكونغو مرتبط بالتوصل لتسوية شاملة للمشكلات والصراعات وعدم الاستقرار في اقليم البحيرات العظمى كله. وخامسا فيما يتعلق بالبعد الدولي والخاص بالتنافس الخارجي على النفوذ في المنطقة, فهذا يعتمد بالأساس على العوامل السابقة, لانه ينشط حيث توجد ظروف داخلية واقليمية تشجع على التدخل الخارجي والتنافس على مناطق النفوذ. ويتعاظم ذلك كلما كانت ايضا الظروف الداخلية مشجعة عليه. ويرى الدكتور قنصوة انه يجب التركيز على ايجاد الحلول للبعدين الداخلي والاقليمي لانه اذا امكن انجاز قدر من التقدم في هذا السياق فاحتمالات الاستقرار ستكون كبيرة. واشار الى انه من الواضح حاليا ان حكومة كابيلا استطاعت تحجيم نطاق حركة التمرد الحالية وذلك بدعم اقليمي من أنجولا وزيمبابوي وناميبيا. وبالتالي اذا تمكنت من القضاء نهائيا على حركة التمرد فمن المحتمل أن يتجه كابيلا الى ادخال بعض الاصلاحات الديمقراطية.. وهذا ليس بالجديد على القيادات الكونغولية, حيث اضطر موبوتو قبل ذلك الى ادخال بعض الاصلاحات الديمقراطية في اعقاب حركة التمرد ضده, ولكن ان نتحدث عن استقرار على المدى الطويل فهذا غير محتمل الا اذا تم حل كل المشكلات السابقة. البعد الاقتصادي ومن جانبه اكد الدكتور فرج عبدالفتاح استاذ الاقتصاد السياسي بمعهد الدراسات الافريقية انه لا يمكن عزل ما يحدث حاليا في الكونغو عن الاوضاع الاقتصادية المتدهورة هناك. ويكفي ان نشير الى ان وحدة النقد الكونغولية القديمة وهي (الزائير) كانت قد تدهورت من 455 زائيراً للدولار عام 89 الى 105 مليون زائير للدولار عام 93, مما استدعى ان تقوم السلطات الكونغولية بإلغاء العملة القديمة الزائير, حيث فقد قيمته وتقديم العملة الجديدة (نيو زائير) والتي بدأ التعامل بها نهاية عام 93 على أساس (3 نيو زائير للدولار) . ولكن بعد فترة وجيزة لم تتعد عدة شهور كانت قيمة النيو زائير 35 لكل دولار. وهذه الارقام تعكس التدهور الحاد الذي اصاب الاقتصاد الكونغولي خلال فترة حكم موبوتو, الامر الذي أدى الى معاناة مختلف الجماعات العرقية التي تعيش داخل الكونغو, وجعل بعض هذه الجماعات بقيادة كابيلا تقوم بالإطاحة بموبوتو من السلطة, رغم انه اذا عدنا بالتاريخ الى الوراء قليلا لوجدنا ان الكونغو (او ما كان يطلق عليها زائير) ومنذ الاستقلال عام 60 استطاعت ان تحقق معدلات نمو اقتصادي جيدة. وخلال الفترة من عام 65 الى 73 كان معدل النمو الاقتصادي حوالي 5% تقريبا, ولكن بعد ارتفاع اسعار البترول عام 74 وما طرأ على الاقتصاد العالمي من تغييرات جذرية في اسعار السلع المصنعة من جانب واسعار الموارد الخام من جانب اخر, بدأت الكونغو تعانى من بعض الازمات الاقتصادية التي يتلخص اهمها في تراخي الطلب العالمي على النحاس ومختلف الموارد الطبيعية الاخرى التي تشتهر بها الكونغو وذلك بفضل الثورة التكنولوجية التي تحققت في دول الغرب. وبدأت عندها الكونغو الدخول في فخ المديونية الخارجية. وزاد على ذلك الفساد السياسي الذي ساد فترة موبوتو مما جعل برامج الاصلاح الاقتصادي الذي بدأ تطبيقها لا تؤتى ثمارها. وظلت الاوضاع الاقتصادية تتدهور عقب ذلك بشكل درامي, وبحيث اصبحت عاملا مساعدا قويا لوجود الصراعات والنزاعات والحرب الأهلية هناك. ايضا اذا نظرنا الى الكونغو لرأينا انها دولة مترامية الاطراف فمساحتها حوالي 2,35 مليون كيلومتر مربع, يعيش عليها نحو 55 مليون نسمة, اي ان الكثافة السكانية العامة منخفضة وتصل 17 نسمة لكل كيلومتر مربع. وفي ذات الوقت ينتمي هؤلاء السكان الى قبائل تعيش داخل الكونغو وخارجها كالتوتسي الذين يعيشون في الأصل في رواندا ولكنهم متوغلون ايضا داخل الكونغو مما جعل عملية الانتقال من خارج الدولة الى داخلها سهلة وميسرة وفي ذات الوقت توفر للأطراف المتصارعة حماية خارجية وداخلية. وفيما يتعلق بالبعد العالمي والخارجي بالنسبة لتطورات الصراع في الكونغو الديمقراطية, يرى الدكتور فرج عبدالفتاح انه مما لاشك فيه ان وجود الكونغو في قلب القارة الافريقية يجعل منها موقعا هاما للاطراف الدولية الخارجية, ولكن لا أستطيع القطع بأن هناك أيد خارجية تحرك تلك الصراعات القبلية. ومع ذلك فمعروف انه خلال الفترة التي شهدت الصراع التقليدي بين المعسكرين الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي والغربي برئاسة الولايات المتحدة الامريكية على مناطق النفوذ في القارة الافريقية, تكبدت الولايات المتحدة كلفة ضخمة لاحتواء التفوق السوفييتي داخل القارة السوداء. ويكفي ان ندلل بالأرقام على ان مقدار المعونات التي قدمتها الولايات المتحدة الامريكية لموبوتو ـ حسب ما جاء في تقارير وزارة التجارة الامريكية ـ حوالي مليار دولار. ومن هذا يتضح ان للكونغو اهمية سياسية عند الاطراف الخارجية. ورغم ان النفوذ السوفييتي في القارة قد انتهى بتفكك الاتحاد السوفييتي, فان الولايات المتحدة الامريكية دائما تبحث عن تدعيم نفوذها في مواجهة اية اطراف اخرى حتى لو كانت دولة غربية تنتمى لحلف الاطلسي كما هو الحال بالنسبة لفرنسا, فهناك حرص امريكي على التواجد في هذه المنطقة الافريقية. القاهرة ـ مكتب (البيان) تحقيق ـ صالح الفتياني