الامر الذي لاشك فيه هو ان الصراعات العرقية داخل الكونغو الديمقراطية هي السبب الرئيسي للحرب المندلعة هناك منذ اكثر من شهرين . ولابد ان نشير الى ان القوى العالمية ليست هي السبب الرئيسي في هذه الحرب, وهذا ما يقلل من مخاطر اتساع او استمرار هذه الحرب لفترة طويلة لانها لا تبدو انها حرب بالوكالة عن الولايات المتحدة او فرنسا بل من المفترض ان الدولتين ضد نشوبها في الاصل لانها تتعارض مع مصالحهما وبالتالي فان سعيهما لحصرها في اضيق نطاق هو المرجح. ويعتقد الباحث انه اذا كان السبب الاول للحرب الدائرة في الكونغو الديمقراطية هو الصراعات العرقية فإن السبب الثاني هو الصراعات الاقليمية بين الدول الافريقية المجاورة للكونغو الديمقراطية وانقسامها بين مؤيد ومعارض للنظام الحاكم في كينشاسا. الخلافات العرقية من المعروف ان الخلافات القبلية والعرقية هي اهم اسباب عدم الاستقرار السياسي والصراعات الداخلية بل والاقليمية في افريقيا في ظل عدم التزام بعض القادة الافارقة بالحياد ازاء هذه الخلافات. فدولة ما بعد الحرب الاهلية في افريقيا تنتج دائما ثوارا يمارسون السلطة وتنقصهم طبيعة رجل الدولة. وفي الكونغو كينشاسا بعد 15 شهرا من انتصار التحالف الديمقراطي لتحرير الكونغو بزعامة لوران كابيلا على نظام موبوتو سيسى سيكو في مايو 1997 قاد كابيلا البلاد باعتبار ان حركته تستند على الشرعية الثورية, وأرادها حكومة لشعب الكونغو الديمقراطية عبر هذه الشرعية الى تاريخ موعد الانتخابات المقررة في ابريل 1999. لكن بيزيما كاداها وزير خارجيته من اصول رواندية توتسوية أراد ان يكون رجل رواندا القوى, وبالتالي كان هو واعضاء حكومة كابيلا من الاصول التوتسوية يجعلون من حكومته حصان طروادة, حتى اذا دنت ساعة الصفر خرجوا في وقت حاسم لقتله, كما اغتيل استاذه الروحي باتريس لوممبا. الا ان نجاح تجربة حكم اقلية التوتسي المسلحة في رواندا التي عملت على اقصاء غالبية الهوتو وضرب حلفها الاقليمي والدولي وعماده موبوتو وفرنسا صعب تصديره الى الكونغو الديمقراطية بدون حرب طويلة الأجل. على ان الهجوم المسلح لمتمردى التوتسي في شرق الكونغو الديمقراطية اختلفت اهدافه هذه المرة عن سابقتها. انه الان يخطط لأسر الدولة خلف قناع الذات الأثنية الاقلوية وهذا هو الهاجس النفسي الذي يؤرق التوتسي في عصر التحرير الثاني وهم الذين سبق لهم ان ابيدوا نتيجة السياسات الطائفية للغالبية (الهوتو). وها هم الان عبر الدعم الاوغندي الهوتو من قبل عام 1994. هكذا تتضخم عقدة الاقلية مختلطة بالهاجس الأمني مما يجبر التوتسي على الخروج عن مقرهم الرواندي فاتحين للكونغو الديمقراطية. الانقسامات الاقليمية وبعد ان كان سقوط كابيلا محتوما والعد التنازلي لنهايته يحسب بالايام والاسابيع على ابعد تقدير تغيرت الصورة فجأة واخذت نذر حرب افريقية ـ افريقية تشحن اجواء القارة وتأخذ بنواصي منطقة البحيرات بأسرها. لقد قررت زيمبابوي وتبعتها انجولا دعم كابيلا عسكريا بعد ان فشل في الاعتماد على جيش الكونغو, وفشل في استجلاب جيش من كوبا بعد زيارة قام بها الى هافانا حيث افهمه كاسترو استحالة الاستجابة لمثل هذا الطلب في ظل المتغيرات العالمية, فأرسلت زيمبابوي فرقا من جيشها وساهمت انجولا بسلاح طيرانها مما عزز موقف كابيلا وأجّل سقوط نظامه, وحسن من موقفه الدفاعي. والسؤال لماذا هذا الدعم من الدولتين والذي عزز اخيرا بدولة ثالثة هي ناميبيا؟ من المعلوم ان موجابي رئيس زيمبابوي يشعر منذ فترة ليست بالقصيرة ان جنوب افريقيا قد همشت زعامته, علما بأن الرئيس مانديلا هو رئيس منظمة الجنوب الافريقي المعروفة باسم (سادك) . كما ان الولايات المتحدة الامريكية من جهة اخرى تراهن على زعامة الرئيس الاوغندي موسيفيني في منطقة شرق افريقيا. وعندما زار الرئيس الامريكي افريقيا في ابريل الماضي لم تكن زيمبابوي ضمن الدول التي زارها, بل ان اللقاء الذي تم في العاصمة الاوغندية كان قد وعى اليه عدد كبير من الرؤساء الافارقة من بينهم الرئيس موجابي الذي اعتذر عن الحضور ولم يخف استعاضه لأنه وقتها كان رئيسا لمنظمة الوحدة الافريقية, وكان يعتقد بأنه احق من موسيفيني بأن تكون بلاده المكان الأنسب لاستضافة اجتماع الرؤساء الافارقة بالرئيس الامريكي. المهم ان موجابي سارع بدعوة وزراء دفاع دولي (سادك) في طلب منهم تأييد دعم حكم كابيلا عسكريا بزعم ان منظمة الوحدة الافريقية كانت قد اتخذت سابقة في هذا الصدد قبل عامين عندما قرر الرؤساء الافارقة عدم الاعتراف بانقلاب سيراليون ودعوا الى إسقاطه, ووقتها تبنت نيجيريا عملية إزاحة الانقلابيين. واستند موجابي الى قرار من وزراء الدفاع كانت قد عارضته جنوب افريقيا وبعض الدول الاعضاء, وسارع على الفور بإرسال قواته الى كينشاسا وتبعته انجولا بسلاح طيرانها لكن جنوب افريقيا التي فوجئت بهذه التطورات اعترضت بشدة على تصرف موجابي, ودعت الى عقد قمة لدول المنظمة الاقليمية لمعالجة الأزمة بعيدا عن اتساع رقعة الحرب, بيد ان موجابي تخلف عن حضور القمة, وكذلك فعل كابيلا الذي اتهم جنوب افريقيا بأنها تساعد المتمردين ضد حكمه. الاهم ان قرارا كالذي استند اليه موجابي كان ينبغي ان يصدر من اجتماع قمة للدول المعنية او حتى عبر منظمة الوحدة الافريقية المنظمة الاكثر شمولا. بل ان قرارا بحشد الجيوش ما كان ينبغي ان يتم لمناصرة طرف ضد طرف اخر, وكان الاحرى ان يكون هدفه ارسال قوات لحفظ السلام بين الاطراف المتحاربة. كما ان الادعاء بان القمة الافريقية كانت قد استنت مبدأ يبيح مثل هذا التدخل في حالة سيراليون فان المقارنة معدومة. ففي سيراليون انقلبت طغمة من العسكر على حكم مدني ديمقراطي. اما في الكونغو فان كابيلا نفسه قد تولى السلطة عبر تمرد عسكري شعبي ولم يلتزم بالمبادئ التي اتفق عليها ومنها شرعية الحكم بل انقلب على تلك المبادئ وعلى المتمردين الذين حملوه الى القصر الرئاسي في كينشاسا. ولذلك فان الذين جاءوا به الى السلطة هم الذين يعملون الان على اسقاطه لانه سار على نهج الديكتاتور موبوتو. فما الجديد والامر الذي يجعل البعض يدافع عن نظامه بحسبانه يتسم بالشرعية؟. الحقيقة هي ان موجابي وكابيلا ومن معهما يعتبرون انفسهم بحكم آرائهم التاريخي يقفون بجانب اليسار وان الاخرين يقفون في جانب اليمين. ولاشك ان هؤلاء القادة الذين يراهنون على مواصلة الخط اليساري يدركون تمام الإدراك انه لا مستقبل لهذا الخط لكن البديل هو الالتزام بالخط الديمقراطي. وهكذا فان الصراعات العرقية في الكونغو الديمقراطية وامتداداتها في رواندا واوغندا كان العامل الرئيسي في اندلاع الحرب التي ازداد أوارها بالتدخلات الاقليمية المساندة لنظام كابيلا. ورغم تعدد محاولات التسوية السلمية للصراع, الا انه لا تبدو في الافق امكانيات لنجاحها, وتظل القاعدة دائما هي البقاء للأقوى. بقلم ـ د. احمد فارس عبدالمنعم