في عام 1962 ووسط المد المتنامي للاستقلال والتحرر الوطني وتصاعد النضال في القارة السمراء, اصدر الكاتب والباحث الفرنسي المعروف رينيه ديمون المهتم بالعالم الثالث وقضايا التنمية الزراعية والاقتصادية عموما , كتابه بالفرنسية وتمت ترجمته عام 1966 تحت عنوان The False Start in Africa اي البداية الخاطئة في افريقيا او الانطلاقة الزائفة في افريقيا. وقد اثار الكتاب في حينه غضب الكثيرين من الوطنيين الأفارقة ومن المعادين للاستعمار عامة, خاصة وديمون يعتبر من نفس المعسكر ومن المتعاطفين مع حركات التحرر الوطني والنضال ضد الاستعمار. ولم تقبل التبريرات التي ساقها ليفسر اسباب تحفظاته وتخوفه على افريقيا ولكن وبعد اكثر من ثلاثة عقود يطل علينا المفكر الافريقي على مزروعي بنظرية: (عودة الاستعمار) او (الاستعمار الذاتي) والتي توحى وكأن بعض الدول الافريقية غير مؤهل للاستقلال الذي نالته وقد تعرض لحملة شرسة لم تتوقف حتى اليوم, وخصصت لمناقشة افكاره ندوات واعداد خاصة من المجلات واهتمت المحافل الاكاديمية والفكرية الافريقية بمجادلة هذه النظرية. رغم الضجيج والانفعالات والمعارك حول الوضع الافريقي, لابد من التساؤل: هل في مقولات ديمون ومزروعي قدر من حقيقة تقول بالفشل الافريقي بعد الاستقلال؟ او على الاقل ان اغلب الاقطار الافريقية توقفت عند استقلال شكلى تمثل في رفع علم ومقعد في الامم المتحدة وخطوط طيران وفرق رياضية ومحطات تلفزيون وطنية, يعنى ذلك, التشكك في قدرة افريقيا الفعلية في استثمار وتوظيف امكانياتها البشرية والمادية بطريقة عقلانية تحقق رفاهية وتقدم شعوبها, ثم ان تقوم ضمن ذلك بدور عالمي في القضايا التي تهم البشرية كلها والاحتمال الآخر, ان تكون افريقيا قد ظلت رغم كل الموارد الهائلة عبئا ثقيلا يهدد تقدم العالم بسبب المشكلات المختلفة من حروب اهلية ومجاعات وكوارث وأوبئة. وهنا ينظر الرجعيون والعنصريون في الغرب بالذات, في شماتة للمشهد الافريقي البائس وكأنهم يقولون: انظروا ألم نقل لكم ان هذه الشعوب والاعراق بحكم تكوينها وطبيعتها الفطرية لا يمكن ان تتقدم. يرى البعض ان افريقيا لم تكتشف بعد, ومن الملاحظ ان الولايات المتحدة الامريكية شرعت في الاهتمام مجددا بأفريقيا وقد كانت رحلة مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية في يناير الماضي دليلا على ان افريقيا تقدمت في اجندة الاولويات الامريكية واصبحت تحتل اهمية في المستقبل. وكان واضحا ان اولبرايت رأت وجها اخر لافريقيا حين قالت ان التحول الديمقراطي يسير بصورة جيدة لان اكثر من نصف دول افريقيا ـ حسب قولها ـ دخلت في عمليات ديمقراطية لتداول السلطة. وهكذا رأت النصف الممتلئ من الكوب. ثم ركزت على الديمقراطية والتنمية ومن هنا كانت تحذيراتها للسودان باعتباره يهدد تطور جيرانه سلميا كما انه عجز عن التوسع في تحقيق المشاركة الديمقراطية وضمان حقوق الانسان ويبدو واضحا ان قضية الديمقراطية هي مفتاح حل مشكلات افريقيا, فقد عانت افريقيا من الديكتاتوريات والفساد وهما متكاملان, بمعنى ان الديكتاتوريات هيأت المناخ للفساد بلا قيود او محاسبة, ومن ناحية اخرى, فالفساد بأشكاله الاقتصادية والسياسية والادارية مكّن الديكتاتوريات من السيطرة والهيمنة بلا رادع, وللمفارقة فقد مكّنت الولايات المتحدة الامريكية الكثير من الطغاة والديكتاتوريين في الماضي باعتبارهم مصدات ضد رياح الشيوعية في المنطقة. وهي تعمل الآن على تغييرهم وعلى سبيل المثال, موبوتو حاكم زائير المطلق لاكثر من ثلاثة عقود. فالمرحلة المقبلة تحتاج لقدر من الليبرالية السياسية بقصد انجاح الخصخصة والاقتصاد الحر والتكيف الهيكلي وشروط البنك الدولي. نلاحظ ان الصراع في افريقيا بين فرنسا والولايات المتحدة الامريكية قد مال الى انتصار الأخيرة حتى الآن. فقد سقطت عدد من النظم الموالية لفرنسا بالذات في وسط افريقيا ومنطقة البحيرات وهناك حديث عن حزام موالٍ لأمريكا يمتد من زائير حتى القرن الافريقي وتسنده مجموعة الجنوب الافريقي. وبرزت اسماء قادة افارقة مقبولة لدى امريكا كنموذج لقادة جدد ــ مثل كابيلا وموسيفيني وافورقي وزيناوي, ترى انهم يتسمون بنظافة اليد وغير فاسدين. وهنا يظهر رأي يقول بان الديمقراطية ليست شرطا طالما كان الحاكم نزيها ويمكن ان يعمل على تطوير وطنه ورفاهية شعبه. وفي هذه الحالة تحرج امريكا حين تصمت او تتجاهل انتهاكات حقوق الانسان وغياب التعددية في بلدان تحوز على دعم امريكا معنويا ام ماديا. ويظهر ان عملية التغيير مستمرة كما توحى انتخابات كينيا, لان أرب موي من رجال امريكا المخلصين ولكن نظامه تفوح منه رائحة فساد نافذة. من الواضح ان مستقبل افريقيا او تصحيح البداية الخاطئة سيكون بانتهاج الديمقراطية الحقيقية اي ذات الابعاد السياسية والاجتماعية ـ الاقتصادية والتي تعنى انجاز تنمية عادلة ومنتجة, وهي بالضرورة لابد ان تقف ضد الفساد وضد التفاوت في تقسيم الثروة والسلطة خاصة وان افريقيا شهدت صراعات اثنية وحروب اهلية سببها في الاصل اهمال بعض المجموعات الاثنية مما جعلها تلجأ الى استدعاء اسباب ذات طابع عرقي او ثقافي او ديني في صراعها ضد السلطة المركزية. بينما السبب الحقيقي الظلم والتفاوت في وصول مردود التنمية او النمو الاقتصادي الى الاغلبية وحصره في نخبة قليلة وقد تميز احيانا مجموعتها القبلية لكسب مساندتها السياسية. نتوقف قليلا عند نقاش اسباب قبول ما تسمى قيادات وزعامات افريقيا الجديدة بان تكون الولايات المتحدة الامريكية هي عرّاب السياسة الافريقية المستقبلية وان يقوم كلينتون برعاية عدد من الرؤساء الافارقة ذوى الخلفية الماركسية او الاشتراكية على الاقل. هل هذا سحر النظام العالمي الجديد؟ ماذا يريد القادة الافارقة الجدد من امريكا؟ وماذا تريد او تستطيع امريكا ان تقدم لهم؟ وما هي المصالح المشتركة؟ وهل تتطابق او تتشابه مصالح امريكا مع مصالح شعوب القارة الافريقية؟ التفسير عند البعض سهل, وهو ان العالم يشهد الآن نهاية الايديولوجيات ولم تعد تجدى في النظام العالمي الجديد باعتبار ان الاختيارات الايديولوجية قد حسمت بانتصار الرأسمالية على الصعيد الاقتصادي والليبرالية على الصعيد السياسي وبالضرورة الاقتصادي ايضا. هل يعنى غلبة ايديولوجية المصالح؟ قبل ان نتطرق الى هذه المصالح, لماذا يميز هؤلاء القادة الجدد عن بقية الزعماء في القارة الافريقية؟ تبحث الولايات المتحدة الامريكية عن بلدان وزعماء يمكن ان يحققوا شروطا معينة يرون انها ضرورية لاستقرار بلدانهم وليس هذا المطلوب بل ان تكون هذه البلدان اماكن جذب مضمونة للاستثمارات. واول هذه الشروط الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والمحاسبة وعدم الفساد. ولكن في الواقع المطلوب هو الاستقرار, لان الولايات المتحدة ساندت في اوقات سالفة الديكتاتوريات القوية لانها كانت تحمى المصالح الامريكية ضد التخريب او التأميم والمصادرة. وما زال نموذج موبوتو ـ مع نماذج اخرى كثيرة ـ يؤكد بان الولايات المتحدة لو خيّرت بين صداقة دولة قوية وغير ديمقراطية وأخرى ديمقراطية وضعيفة في سيطرتها لاختارت الاولى. وهذا الحديث ينطبق الان على عدد من الدول الافريقية التي تساندها امريكا وتقدمها لقيادة افريقيا: كابيلا في الكونغو مازال يقف ضد التعددية وينتهك حقوق الانسان, وموسيفيني لم يجر انتخابات حرة ومتعددة الاحزاب. اذن, اين تكمن كارزمية هذه القيادات الجديدة في حقيقة الامر؟ ان اغلبهم صغار السن نسبيا, كذلك خلفياتهم الاشتراكية تجعلهم قادرين على تعبئة الجماهير ومخاطبة القضايا التي تهم هذه الجماهير ولو على( مستوى الوعود اللفظية فقط او الشعارات. كما انهم وحتى الآن يتميزون بعدم اغراقهم في الفساد والترف الذي عرفته البلاد الافريقية في السنوات السابقة ويمثلون انتلجنسيا حديثة او فئة متعلمة تهتم بالتكنولوجيا والصناعة وتدويل رؤوس الاموال. والاهم من ذلك يعملون على تكوين سوق افريقية مشتركة كبيرة تلبي احتياجات العولمة الاقتصادية. ففي المرحلة المقبلة ليس المطلوب من افريقيا ان تكون مجرد مصدر للمواد الأولية او الخام ولكن ان تكون افريقيا قوة شرائية هائلة للسلع الغربية. قد نلاحظ تلاقيا غريبا للمصالح, فموسيفيني مثلا يقول بانه معجب ببسمارك الذي وحدّ المانيا ويقصد انه يريد توحيد افريقيا ايضا. هذا طموح جيد المقاصد ولا ندري كيف ستكون الوسائل؟ اما من ناحية امريكا والغرب واليابان ايضا فأفريقيا الموحدة هي غاية المنى حين توجد سوق واسعة تضم الملايين من المستهلكين. فالتكتل الاقتصادي مطلوب في المرحلة المقبلة, ولكن كيف سيكون شكل التعاون مع الدول الصناعية؟ هل تستطيع العولمة الاقتصادية ان تتجاوز الاستغلال وازدياد التبعية؟ ماذا سيصب من نتائج هذا التعاون الاقتصادي على الدول الافريقية الفقيرة؟ هل توجد ضمانات بأن هذا التعاون او المصالح المشتركة ستخدم الفئات الدنيا والاكثر فقرا وضعفا وتهميشا ام ستكون النتيجة نشوء بورجوازية افريقية جديدة ذات قدرات عالية تنتقل من دور الوسيط الى دور الشريك في الاقتصاد العالمي الجديد؟ ليس من الممكن ولا المطلوب ان نعود الى صراعات الماضي مع الاستعمار والامبريالية بنفس الطرق القديمة. ولكن كما يحتاج الغرب الى عدو, تحتاج الدول الافريقية الى عدو او بالأصح تسمية التحدى الخارجي بلغة ملطّفة وتتماشى مع اتيكيت وكياسة النظام العالمي الجديد. بدون الشعور بوجود التحدى الخارجي وليكن سرعة التطور في العالم الذي قد يجعل هذه الدول تابعة سيكون هناك استسلام وستعتبر هذه الدول ان امريكا ونظامها العالمي الذي يتشكل الآن, هي ضمانة حل مشكلات هذه الدول. ليس المطلوب التظاهر والاحتجاج على امريكا والغرب, ولكن البدء في تحويل هذه الدول والمجتمعات التي رزحت تحت الاستعمار التقليدي واستنزفتها الامبريالية والسوق العالمية, قوة اقتصادية معتمدة على الذات لأقصى حد. وهنا يبرز التساؤل حول المصالح المشتركة الحقيقية وماذا يمكن ان تعطى وان تأخذ دون استغلال وتبعية. من ناحية اخرى, هل سيكون اعداء امريكا والغرب هم المعادون للديمقراطية والبنى والمؤسسات التقليدية وبالتالي نعطيها شرف حماية قيم الديمقراطية والتحديث؟ هذا ما يتوجب النظرة الناقدة لدور امريكا في النظام العالمي الجديد والخروج من الابوة الجديدة. مركز الدراسات السودانية ـ القاهرة