النزاع الدائر في جمهورية الكونغو الديمقراطية بين المتمردين ونظام كابيلا يأتي في اطار الصراعات العرقية والقبلية المحتدمة في هذه المنطقة من افريقيا وربما يعد استكمالا لاحداث رواندا وبوروندي التي جرت خلال السنوات الماضية بين التوتسي والهوتو, وهو الامر الذي يمثل اجترارا للعصبيات والعلاقات المتخلفة في بعض هذه المجتمعات التي لم تنتقل بعد الى المجتمع المدني الحديث, فالصراع الجاري في الكونغو ليس بين المعارضة والسلطة على قضايا خلافية تتعلق بادارة الدولة وقضايا مجتمعية ولكنه صراع عرقي قبلي بحت. المحللون السياسيون يعزون ابعاد احداث الكونغو ودول الجوار الى نزاع النفوذ الفرنسي الامريكي في القارة الافريقية سيما في ظل المسعى الامريكي المحموم لبسط النفوذ وزحزحة الفرانكفونية من هذه المناطق المحسوبة على فرنسا. لقد لزمت فرنسا التي لم تنس بعد سقوط حليفها السابق موبوتو موقفا اتسم بالترقب الحذر ازاء ما يجري حاليا في الكونغو مع تخوفها من الانعكاسات المحتملة على الرغم من انها تجد صعوبة في اخفاء ارتياحها للفشل الدبلوماسي الامريكي في المنطقة رغم المخاوف التي تبديها الاوساط الدبلوماسية في باريس من ان يؤدي رحيل كابيلا وغياب اي حل بديل الى زعزعة استقرار هذه المنطقة. ان تطورات أوضاع الكونغو ليست بمعزل عن مجريات الاحداث في منطقة دول البحيرات العظمى بل تكاد هذه الدول تتناوب في حروبها الداخلية, فما ان تهدأ الاوضاع في بلد حتى تشتعل في اخرى في سلسلة لا تنتهي من الصراعات الدموية التي تسقط آلاف الضحايا وتتسبب في تهجير السكان وخلق ظروف معيشية مأساوية يتحمل وزرها عامة الشعب بينما تبقى الرموز الحاكمة متحصنة في قصورها متمتعة بثرواتها غير عابئة بمعاناة الناس. لقد اكدت التطورات التاريخية ان مستقبل افريقيا واستقرارها سيتحقق بانتهاج الديمقراطية الحقيقية بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتجاوز النظم العسكرية المسؤولة عن التأزم الذي أصاب هذه المجتمعات والمآسي التي تعيشها ومعاناتها الاقتصادية والمعيشية, وقد أثبتت المعطيات ان تهميش مؤسسات المجتمع المدني وتقليص نفوذها أعطى المؤسسات التقليدية فرصتها في ارساء قيمها البالية التي تقوض استقرار وتقدم المجتمع. واذا كانت معظم الدول اقليميا ودوليا قد راهنت على كابيلا منذ وصوله الى السلطة ورحيل موبوتو.. بالقيام باصلاحات سياسية وديمقراطية والعمل على ترسيخ دعائم الاستقرار السياسي والاقتصادي فان الآمال مازالت بانتظار ان يحقق كابيلا وعوده للشعب الكونغولي باجراء الانتخابات الحرة في ابريل من العام المقبل 1999 التي سيتم بموجبها انتخاب الرئيس والبرلمان والممثلين المحليين, وذلك لن يتسنى بطبيعة الحال الا في ظل اجواء طبيعية ومستقرة وليس في اجواء الحروب الاهلية, فهل يتجاوز كابيلا الصراعات العرقية ليكوّن نواة جديدة للحكم يعتمد على ترسيخ مفاهيم الحكم المدني وصون حقوق الانسان ومراعاة المواطنة المتساوية وتحقيق العدالة الاجتماعية ونبذ التعصب القبلي والعرقي. الملف