الدكتور حسن مكي استاذ العلوم السياسية, عميد معهد البحوث والدراسات الافريقية بجامعة افريقيا العالمية (بالخرطوم) هو احد منظري الحركة الاسلامية الشباب وذاع صيته في اروقة السياسة السودانية بشقه عصا الطاعة وتميزه بآرائه الناقدة حتى لقيادة الحركة التي يتسنم زعامتها الزعيم الاسلامي المثير للجدل الدكتور حسن الترابي. ولا تكاد تبرز قضية أو مسألة خلافية الا وكان لهذا المفكر الشاب اسهام بآراء جريئة دائما ما تكون لها صدى (لها أو عليها) لا تخطئه عين أو تنكره اذن. من هذه النقطة تأتي اهمية رصد ملاحظاته (العميقة) حول مسار ومستقبل المعارضة السودانية وبالتالي برؤيته للخروج من الازمة السودانية. وفي ثنايا الحوار المطول الذي اجرته معه (البيان) اطلق الدكتور مكي النار في كل الاتجاهات فقد هاجم المعارضة وانتقد الانقاذ لكنه دعا المعارضة لاغتنام الفرصة المتاحة حاليا لتقتحم العمل السياسي في الساحة الداخلية مشيرا إلى امكانية التفاف القوى الشابة, التي قال انها كارهة للانقاذ, حول المعارضة. ويرى مكي ان المعارضة الان (ضعيفة جدا) مشددا في الوقت نفسه على ان هذا الضعف (ليس ناتجا عن ان الانقاذ قوية) , ويرى مكي ضرورة ان تخرج المعارضة من اسر (القطبية الترابية) التي قال انها غير محبوبة وغير دائمة مشيرا إلى ان الاسلاميين يتوقون إلى وجوه جديدة تقود مسيرتهم. وفيما يلي نص الحوار الذي كان مدخله سؤال عن موقفه من الدعوة التي وجهت اليه للمشاركة في مداولات المجلس الوطني (البرلمان) حول قانون (التوالي) السياسي وكان السؤال تحديدا: - هل هناك جدوى من المشاركة في المداولات وهل ستشارك فعلا؟ ــ لم احدد حتى الان هل سأذهب ام لا مع ان الدعوة اتتني شفاهة من عبدالعزيز شدو (نائب رئيس البرلمان) وجاءت مكتوبة كذلك, لكن السؤال ما هي جدوى ذلك؟ نرى مثلا ان المقابلة الصحفية, سهلة اذا اتاني صحفي وجلس امامي للحديث حول (التوالي) , لكن ان اذهب للبرلمان فان ذلك يعني ان استقل سيارتي للبرلمان واحدد يوما وأفكر في العائد وهل المسألة (تسوى؟) (ضاحكا), فاذا تأكدت ان العائد (يسوى) لقطع المسافة من جامعة افريقيا إلى البرلمان وانتظر دوري في الكلام, فسأذهب, واذا شعرت ان العائد والمردود غير ذلك أو ان دوري سيقوم به اي شخص اخر فسأوجه وقتي وطاقتي لمجال اخر يتناسب مع الجهد والوقت المبذولين. القوى السوداء هل (التوالي) بصيغته التي طرح بها أي عبر الدعوات الموجهة للقيادات الحزبية بالداخل والخارج للمشاركة في مداولاته هل يخدم قضية الوفاق الوطني والتقارب بين الحكومة والمعارضة؟ هذا سؤال صعب لان مشاكل السودان عميقة, الان هناك تأزم سياسي, صراع سلطة في الشمال وحرب بالجنوب ولدينا اوضاع اقتصادية ضاغطة ونعيش عزلة في السياسة الخارجية, هذه التركيبة المركبة من المشاكل للاستقطاب داخل المجتمع السوداني بين الحركة العروبية والزنجية (للقوى السوداء) . واعتقد ان هذا اكبر مهدد للسودان, لان (القوى السوداء) التي تقف الى جانب الحكومة لها ميليشياتها واجندتها وكذلك التي تقف ضدها ايضا لها ميليشياتها واجندتها, وكلها جاهزة ويظهر ذلك فيما اوردته الحكومة من انها دمرت في معركة واحدة 15 دبابة, للقوى السوداء واستولت على خمس, كما ان قدرة (القوى السوداء) على التضحية تبرز في ان الحكومة اذا فقدت في معركة واحدة مائة شخص فان الخرطوم كلها تصبح متوترة ومتوجسة وتعمها المآتم والتعازي التي تنعكس عبر الصحف وغيرها في معنى انها (القوى السوداء) تفقد في كل معركة الالاف ولا توجد تعازي او مآتم وهي بذلك عندها قدرة على الاحتراق وعلى تقديم التضحيات بدون ثمن, او بثمن بسيط, فهل المجتمع السوداني والدولة السودانية على استعداد لمجاراة (القوى السوداء) في دفع هذه التضحيات, ويجيب اذا كانت لا توجد مجاراة فمعنى ذلك ان (القوى السوداء) في النهاية ستكسب السودان ومن ثم ستكون هي القوى المرشحة لحكم السودان. ولذلك وحتى لا تكسب هذه (القوى السوداء) السودان فالاصوب ان ينصب الجهد لتغيير تركيبتها وشخصيتها دون محاربتها ام ان الاحسن ان تحل علينا قوة سوداء ليصير السودان مثل نيجيريا وتشاد؟ فهذا افضل من ان تأتينا قوة سوداء كنسية ويكون مآل السودان مثل انجولا وموزمبيق واوغندا. هذا التحدي ليس ببعيد وانما هو ماثل وشاخص وتتحدث عنه الاحزمة السوداء التي تطوق العاصمة الخرطوم الآن, وتتحدث عنه التحولات السكانية وتتحدث عنه التركيبة الموجودة في السلطة السياسية اذ ان نجم المعارضة الذي يراهن عليه الجميع هو (جون قرنق) ونجم الحكومة هو (رياك مشار) واذا قارنت بين اي وزير حكومي وامكانيات رياك مشار او لام اكول او اي سياسي جنوبي تجد ان امكانية السياسي الاخر هي الاحسن وهي الاقوى وهو ذو الجسور المفتوحة على العالم الخارجي بينما تجد ركودا في العملية السياسية الشمالية. الواقع المر لذلك أعتقد ــ يمضي د. حسن مكي قائلا ــ أن قانون التوالي هذا لا يجيب عن الاسئلة المصيرية التي تشكل مسارات السودان في المستقبل ولكن رغم أنه لا يجيب على هذه الاسئلة فانا اعتقد أنه يجب ان نؤكد عليه. ولتقريب الصورة لا يختلف اثنان في ان السودان في اطار (جمهورية عمر البشير) أحسن من اطار السودان في مجلس الثورة, تلك الثورية التي قتل فيها انسان في حفنة دولارات هي ملك خالص له كان يحتفظ بها داخل منزله.. أو عساكر قاموا بمحاولة انقلابية تمت محاكمتهم في محاكم عسكرية سريعة جدا. واذا كان السودان في اطار (الجمهورية) احسن منه في اطار (الثورية) فمن المؤكد ان السودان في اطار (الدستورية) احسن منه في اطار الجمهورية. عندما نتكلم هنا لا نقصد ما نتمناه وما نريده وانما نتكلم عن الخيارات المتاحة في الواقع المر أمامنا أي هذه التشكيلة السياسية سواء كان عمر البشير او الترابي فهؤلاء اصبحوا حكامنا ولهم أجهزتهم الأمنية والاقتصادية فنحن نتكلم عن اطار الممكن, وفي اطار الممكن اعتقد انه من المهم جدا, ان نؤكد على مرحلة ما يسمى بالتوالي السياسي. وأنا لا أحب هذا الاسم لان الاسم المشروع والمعروف هو التعددية السياسية. ويستطرد الدكتور حسن مكي قائلا: دعنا لا نختلف على المسميات ودعنا نلج الى لب الموضوع: هنالك قوى داخل هذا النظام هي القوى التي أكدت النقلة من (الثورية) الى (الجمهورية) وهي القوى التي حمت الناس الذين اتوا من المعارضة كالشريف الهندي وابو القاسم حاج حمد وهي ذات القوى التي تسعى لتوسيع المسار. وهي نتاج لتحولات عميقة جدا لحركة الانقاذ. وهناك قوى اجتهدت واحدثت النقلة من الثورية الى الجمهورية وهي ذات القوى التي حمت بعض رموز المعارضة عندما دخلوا السودان وذات القوى التي حمت قانون الصحافة والمطبوعات ورعت الحريات الصحفية ومكنت امثال محجوب عروة (صحافي اسلامي ينادي بالوفاق) من الخروج من السجن واصدار صحيفة, هذه القوى موجودة ويجب أن تتناغم مع السودانيين وتحاول ان تعمل معهم لتوسيع المساحة الموجودة وهذه القوى لديها تشعباتها فهي ليست تتكلم في الهواء فقط وانما هي قوى مؤثرة ومجذرة وقوية وهي صاحبة مصلحة في نظام الحريات هذا. وخاضت به معارك داخلية وعالمية واصبحت حقيقة واضحة. أقصر الطرق كذلك العالم الخارجي مطلوب منه ان يأتي ويؤكد على أزمة الانتقال الجديدة ويؤكد على التحولات المصيرية لأنه وكما قلت لكثير من الناس ان الطريق للمعارضة ممكن حتى ولو كان بالخارج وان قانون التوالي شائك او الحكم او غيره. الطريق لاحداث التغيير بالسودان أقصر من طريق قانون التوالي وأقصر حتى ولو جاءوا ودخلوا سجن كوبر من طريق اسمرا.. وهذا طريق مؤكد ومأمون اي طريق العمل الداخلي وطريق المعاناة الجماهيرية خلال طريق مأمون ومؤكد وطريق اسمرا, محفوف بالمخاطر ويؤدي الى الاستقطاب ويؤدي الى (الحالة الصومالية) . وفسر ذلك بقوله: نحن الآن نتحدث عن بلد في ظل حرب أهلية في ظل استقطاب سياسي وفي ظروف تحدي دولي, الدول المستخدمة فيه لها اجندتها المختلفة وجداول اعمالها المختلفة وفي ظروف تحولات سكانية رهيبة, لذلك اعتقد انه مهما كان رأي الناس في (التوالي السياسي) فهو خطوة يجب أن نؤكد عليها ونحاول ان نطورها واذا نظرنا للاوضاع وقارنا المرحلة مع واقع السنوات العشر نجد ان هنالك خطوات في اتجاه الانفراج سواء كان على المستوى الاقتصادي حيث نجد اقتصاد السوق او على المستوى السياسي فيما يتعلق باتاحة الحريات وهو تطور في الوضع السياسي. تشير التوقعات الى عدم مشاركة المعارضة استنادا الى خلفيتها الرافضة للدستور وكل ما ينبثق عنه.. فما المخرج؟ المعارضة تتكلم عن فكفكة النظام وتزاود على هذه المسألة.. والنظام لن يفكك نفسه.. النظام يريد من قانون (التوالي) الآن أن يثبت من خلال الدستورية انه باق والتوالي السياسي ليس (بيروسترويكا جورباتشوف) اي الانفتاح.. البيروسترويكا كانت تعني ان هناك شعوبا مختلفة ومقموعة والمطلوب اعطائها فرصة حريات وخيارات والحريات لم تفكك سلطة الدولة فالـ (كي جي بي) (جهاز المخابرات السوفييتي) مازالت موجودة تحت اسم جديد والحزب الشيوعي مازال موجوداً وهكذا.. لكنها اعطت الشعوب فرصة ان تنعتق.. فاذن البيروسترويكا التي يتكلمون عنها يمكن ان تشبه اتفاقية السلام مع رياك مشار لانها تبيح تقرير المصير للجنوبيين ويمكن لشعب الجنوب, ان يخرج من السودان ويؤسس دولة تعرض عليها هذه الفرضية او يتحد وتبقى الامور كما هي. كوكب غلاب تخلص الى ان قانون التوالي السياسي ليس بيروسترويكا اي ليست انفتاحا هذا القانون يعني ان هناك تغييرا نوعيا في حركة النظام وانه يريد ان يتجه لمرحلة تستمر الى ان يشكل الناس شكلا من اشكال التعددية السياسية.. وتدور في التعددية السياسية هذه وسط حركة الحزب الغالب وهو حزب المؤتمر الوطني, وهذا موجود في تونس, فكأنما سيكون هنالك (كوكب غلاب) تدور حوله مجموعه من الكواكب الاخرى الصغيرة. وهذه نفس الفكرة التي كان يدعو لها الصادق المهدي فكرة (الحزب الغالب) . واعتقد ان الحزب الوطني يريد في الفترة القادمة ان يرشح شخصاً وفي الانتخابات وهذا الشخص لن يكون عسكريا ويأتي عن طريق البطاقة الانتخابية وان يكون هناك نظام مدني وبذلك يعطي النظام نفسه خمس سنوات اضافية ليؤسس نفسه ويواصل مصاره. خيارات المعارضة - وماذا عن المعارضة ومستقبلها وخياراتها؟ ــ المعارضة يمكن الاستمرار في طريقها الذي تسير عليه ويمكن ان تكسب ويمكن ان تفشل الحكومة الجديدة في الخمس سنوات المحددة لحكمها, لكن ما اريد قوله هو ان المعارضة بسلوكها هذا ستنسي السودان وتعتقد انه النظام وستستمر في حرب اهلية تؤدي الى مثل ماحدث بالعراق وستؤخر البلد مائة سنة للوراء من تفجيرها للكباري والطرق ومن شأن ذلك اضافة الى الحرب الاهلية ان تزيد الاقتصاد سوءاً وتستنزف البلد.. بجانب ان هذا لايؤدي الى تغيير النظام. كما يحدث بالعراق, وتصبح المعارضة (ظاهرة خارجية) وحتى اذا جاءت واصبحت (ظاهرة داخلية) ستأتي القوى الخارجية التي تمنحها السلاح. ولذلك فان الخيارات المتاحة امام المعارضة هو ان تختار خيار تثبيت اقدامها بالرجوع الى مواطنيها, خسرت ام كسبت افضل لها وافضل للسودان واعتقد ان الامر كذلك بالنسبة للانقاذين سواء خسروا او كسبوا يقارنون (التوالي) السياسي فهذا ايضا افضل للسودان. في كل الاحوال ينبغي ان يدور الحديث عن الاطار الموضوعي الذي تتم فيه هذه العملية التي تهم السودان كله وعندما نتحدث عن السودان لا نقصد الرقعة الجغرافية فقط, ففي السودان الان حوالي سبعة ملايين شاب تتراوح اعمارهم مابين 18 ــ 39 سنة وفيه حوالي 13 مليون شخص اقل من 18 سنة ولذلك فان قانون الانتخابات الجديد ينص على منح الفرصة للناس من سن (17) سنة وهم اغلب الشباب الذين يذهبون للقتال في مناطق العمليات بالجنوب والسؤال اذا طلبت من هؤلاء (الشهادة) فلماذا تسلبهم حق التصويت؟ كل هذه القوى الجديدة من الخطأ ان تتصورها المعارضة بأنها قوى مستلبة أو خاضعة. انا اعتقد ان هذه القوى كارهة للانقاذ لان الانقاذ فرضت عليها اشياء كثيرة جدا في التعليم, فمع ثورة التعليم سلبتها كل الامتيازات في الداخليات والمكتبات والخدمات المجانية وغيرها وفرضت عليها الخدمة الالزامية وهذه القوى وللمشاكل الاقتصادية امامها لاتستطيع ان تطل على المستقبل بمعنى اذا اراد الفرد منها الزواج فهو مشكلة واذا اراد الخروج من البلد فتلك مشكلة اخرى وغيرها من المشاكل التي تواجهها. اعتقد ان هذه القوى الشابة ستلتف حول طرح المعارضة اذا كان مقنعاً ولذلك حقيقة اذا كان للمعارضة برنامج وكانت جادة فهي يمكن ان تأتي وتؤكد على تداول السلطة سلميا وتؤكد على التعددية السياسية فالسودان بلد متعدد المزاجات والاعراق وتؤكد رفض الاحتكام الى البندقية لان الاحتكام الى البندقية هو الذي يجلب القوى الخارجية والقوى (السوداء) وفي نفس الوقت يؤدي الى محاسبة سياسية. - ما تقييمكم لاوضاع المعارضة الان؟ القطبية الترابية ــ المعارضة في السودان الآن حقيقة جدا ضعفها ليس ناتجا من ان الانقاذ قوية وانما الحاصل هو ان هناك (قطبية اسلامية) تعكس انفراد الحركة الاسلامية بالساحة السياسية لان الحزب الشيوعي الذي كان من الممكن ان يكون ترياقا للحركة الاسلامية ولديه الحيوية كالحركة الاسلامية ولديه القدرة على العمل باجهزة الدولة الحديثة, في النقابات والمظاهرات والكتابة على الحوائط وتوزيع المنشورات.. هذا الحزب فجأة اختفى وخلف فراغا سياسيا.. ففي عهد عبود كان هذا الحزب تحت الارض اما الآن فلا وجود له لا في باطن الارض ولا على ظهرها.. وهذان الحزبان هما اللذان كانا يتناطحان وفي تناطحهما هذا كان الناس بخشونهما الاثنين معا.. ولذلك ظهرت احزاب الوسط وهي الاحزاب التقليدية وحزب الوسط هو الحزب الاتحادي اما الحزب الشيوعي فهو غير موجود.. وبرزت بالتالي القطبية الاسلامية. القطبية الاسلامية الآن فيها فهم معين هو السائد وهو القطبية الترابية ولديها فهم اسلامي معين وهي ليست محبوبة ولانها كذلك فان الناس تريد وجوها جديدة لاننا منذ سنة 1965م ونحن على هذا الفهم اي 33 سنة. واذا كان جورج بوش فاز عليه كلينتون واذا كان المستشار كول فاز عليه شويدر واذا كان العالم كله يبحث عن الجديد ويبحث عن ما بعد الجديد. واعتقد اذا كانت المشكلة هي الترابي, فالترابي قد لا يفوز او اذا جاءه قدر الله فهل مشكلة المعارضة انتهت؟ اذن لابد للمعارضة ان تفكر في السودان وفي الشباب والمرأة وان لاتكون اسيرة.. فقد احزنني كثيرا عندما حدثتني شخصية بريطانية كبيرة بأن محمد عثمان الميرغني عند لقاء له مع وكيل وزارة الخارجية البريطانية بحضور تلك الشخصية كان يقول الميرغني انه لن يعود للسودان الا بعد ان يموت الترابي او ان يعتقل او ان ينتهي دوره, ولم يتكلم الميرغني عن السودان وعن الشعب السوداني ودعم مظاهراته واصبح عنده (عقدة الترابي) واصبح الهوس السياسي باسم (الترابية) موجود عنده عند كثير من الساسة السودانيين ولذلك هم يحجبون انفسهم عن السودان بتغييراته وشبابه ومواجهاته السياسية.. وانا اعتقد ان قانون التوالي السياسي فيه اعتراف ضمني بالمعارضة فاذا كان هناك اعتراف فلابد للمعارضة كذلك ان تعترف بالنظام.. واعتقد ان اي حكومة مهما كانت على درجة من السوء فهي افضل من الفوضى فقد شكى الناس من نظام سياد بري في الصومال لكن وضح الان ان نظام سياد بري كان افضل بكثير من الفوضى القائمة الآن هناك والمنى غطت حتى على خدمات المياه والكهرباء وانعدم معها التعليم والامن والسفر واصبح العلم والعملة والبروتوكول غير موجود. ولذلك اي نظام موجود احسن من الفوضى وبذلك ومن منطلق هذه الاشياء تصبح على المعارضة ضربه وقضاء محتوم وواجب وطني وواجب ديني اذا كانت متدينة وواجب وطني اذا كانت وطنية ان تأتي للسودان وتنتهز هذه الفرصة. - ولكن الا تعتقد بوجود مخاطرة اذا فكرت قيادات المعارضة في العودة؟ ــ اعتقد ان رموز المعارضة اذا اتوا اليوم ودخلوا السجن او حوكموا, سيصبحوا (قديسين) واذا اصبحوا قديسين فيلتف الشعب حولهم. واعتقد انه لا مخرج امام السودان ازاء التحديات التي تواجهه الا ان نؤكد على المعروض لان غير المتاح هو شيء منشود وهذا يجب ان نصنعه لان المنشود لن تصنعه هذه الحكومة فلتأت المعارضة وتحاول ان تصنعه اما المعروض والمتاح طالما يوفر الحد الادنى المطروح فهذا ينبغي ان يقدم الناس عليه. احادية مدنية - على ضوء ما قدمته من طرح وما سقته من مبررات ورسائل للحكومة والمعارضة ماهو تصورك للواقع والاوضاع السياسية في حالة عدم تلبية المعارضة لدعوة الحكومة للمشاركة في التوالي السياسي؟ ــ اتصور زيادة المأزق السياسي وزيادة النفق المظلم الذي ستكون عليه لان في النهاية ستستمر القطبية الاسلامية او الاحادية الاسلامية وستؤكد نفسها من خلال عملية مدنية كبيرة وستستمر المواجهة في الجنوب وهذا لن يتغير الا اذا تغيرت البيئة الاقليمية حولنا .. مثلاً إذا حل نظام جديد في مصر فسيسهل ذلك على السودان الخروج من العزلة لكن لو استمرت الاوضاع الاقليمية كما هي, وأصبح النظام مهددا أمنيا فان ذلك يعني تدهور الاوضاع وترديها, ومن أطرف ما سمعت أن أكثر أصدقاء هذا النظام يعتبرونه مهددا أمنيا كالأردن مثلاً التي تعتبر ان النظام السوداني مهدد أمني لها لأنها ترى فيه مددا فكريا ونفسيا ومعنويا للمعارضة الاسلامية في الأردن .. وقيام نظام اسلامي في الأردن يعني ان تأتي اسرائيل وتبتلع الاردن لأنها أي اسرائيل لن تسمح بقيام نظام اسلامي حولها. لذلك نحن لابد ان نلطف من خطابنا السياسي ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تؤدي هذه الخطوة الى نوع من المشاركة السياسية والى طمأنة المعارضة حتى اذا لم تأت المعارضة واعتقد ان الانفراج السياسي ولطف الخطاب السياسي قد يؤدي الى تغييرات داخل الحركة الاسلامية والتغييرات داخل الحركة الاسلامية تؤدي الى تغيير في تشكيلة السلطة وتأتي بأشخاص مقبولين للمعارضة وعلاقاتها بالسلطة السياسية. الخرطوم ـ البيان