توعد المبعوث الامريكي الخاص الى يوغسلافيا ريتشارد هولبروك الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش بضربة عسكرية تنفذها قوات حلف الاطلسي مالم يحترم اتفاقه للسلام في كوسوفو, وقال هولبروك في حديثه الى صحيفة لوس انجلوس تايمز ان الصرب ارتكبوا مجازر وأعمالا وحشية لا مبرر لها ضد البان كوسوفو طيلة شهور الصيف الماضي, ولن يسمح لهم بتكرار هذه المجازر مرة اخرى. وأشاد هولبروك بالتعاون الألماني الأمريكي لاتخاذ قرار التحرك العسكري دون انتظار الحصول على موافقة مجلس الأمن, معتبرا ان العلاقة الالمانية الامريكية مفتاح رئيسي لحل أزمة البوسنة وكوسوفو. وثمن هولبروك موقف المستشار الالماني الجديد جيرهارد شرويدر ووزير خارجيته فيشر ورأى ان فيشر سيكون وزيرا للخارجية من الطراز الأول. وشدد المبعوث الامريكي على ضرورة اعتبار تعاون الناتو مع منظمة الأمن والتعاون الاوروبي نموذجا لآلية حل النزاعات الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. هنا نص الحوار - تركت خطتكم للسلام في كوسوفو الباب (مواربا) أمام الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش, للامساك بخيوط الموقف في يده, فما هو تقييمكم لنتائج جهودكم, وما تحقق على صعيد اقرار السلام في كوسوفو؟ ــ ليس خافيا أن أهم ما تحقق هو تدويل أزمة كوسوفو بضغوط من حلف الاطلسي, فضلا عن انتظام طلعات الطائرات العسكرية لحلف الناتو في أجواء المناطق الصربية, مدعومة بضمان عدم اعتراض القوات الصربية لها. فضلا عن ذلك, سيبدأ نشر قرابة ألفي عسكري من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي داخل كوسوفو, متمتعين بحصانة دخول أي موقع, ليس فقط لمراقبة انسحاب القوات الصربية, بل للاشراف على اجراء الانتخابات في كوسوفو لضمان نزاهتها, ولتدريب قوات الشرطة المحلية, ومن المهم التأكيد على زيف بعض التقارير الصحفية الاوروبية التي ذكرت ان عدد تلك القوات 800 وليس ألفين. ومن الواضح ان هذين تنازلين تم انتزاعهما من ميلوسيفيتش عنوة, كانا بعيدين عن التناول في ضوء عناد الرئيس الصربي وعدم رغبته في تقديمهما. فمن ناحيته, مازال ميلوسيفيتش حتى هذه اللحظة التي أتحدث أليكم فيها (الثلاثاء 20 أكتوبر) غير ملتزم باتفاق كوسوفو, واذا لم يلتزم يجب ان يدرك أن الأمر الصادر عن حلف الناتو بالتدخل العسكري مازال ساريا, وبامكاننا البدء بعمل عسكري ابتداء من الاسبوع المقبل, ولكننا مع ذلك مازلنا بعيدين عن فرض حالة الطوارىء, الا أن الالتزام بالاتفاق لا حياد عنه, وليس بمقدور ميلوسيفيتش سحب جزء من قواته واحلال جزء آخر بدلا منها, فهذا ليس التزاما بالاتفاق. - بعد ستة أشهر من الهجوم الصربي هل مازال جيش تحرير كوسوفو ضعيفا بالقدر الذي لا يؤهله لاثارة أزمة جديدة ولصد أي هجوم محتمل من جانب الصرب بعد رحيل قواتهم؟ ــ لا, فإثارة أزمة جديدة في كوسوفو تحتاج لأكثر من عشرات الجنود ومدفعين. ضمانة ورهائن - ستدخل فرق المراقبة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي (OSCE) كوسوفو غير مسلحة, ألا ينتابك الخوف لاحتمال وقوعهم كرهائن لدى الصرب, مثلما حدث مع عناصر حفظ السلام الدوليين في البوسنة, حالما يلوح خطر توجيه ضربات جوية؟ ــ لقد كانت قوات حفظ السلام الدولية في البوسنة مسلحة, ومع ذلك لم يكن التسليح ضمانة قوية لتأمينهم, بل كان الضمان الأقوى لأمنهم متمثلا في صدور أمر واضح لا لبس فيه للطرفين معا: الصرب وكروات ومسلمي البوسنة بألا يتعرضا بأدنى أذى للقوات الدولية لحفظ السلام. ولقد أعطى ميلوسيفيتش كلمته بعد اتفاق دايتون متعهدا عدم المساس بقوات حفظ السلام في البوسنة, وحافظ على عهده, وفعلا لم يجرح أي جندي, ولم تطلق طلقة واحدة باتجاه القوات الدولية في البوسنة, والآن تعهد ميلوسيفيتش بعدم المساس بعناصر منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. وقدم جيش تحرير كوسوفو تعهدا مماثلا, الا أنه غير كاف من وجهة نظري. - إذن فأنت تستشعر احتمال قيام ثوار جيش تحرير كوسوفو بمحاولة لاسقاط الاتفاق لعدم رضائهم عنه؟ ــ نعم, يخامرني شعور بأنه خطر حقيقي, ويجب ان نكون صرحاء تجاه ذلك, فلقد كان الألبان ضحية التنكر الصربي لحقوقهم طلية عقد كامل, ولا مبرر لهذا الانكار الصربي, فلقد خلق موقفهم واشعل موجة من الغضب المشروع في صفوف المعارضة الالبانية, والتي تضم في صفوفها مسلحين. وجدير بالقول ان اتفاق وقف اطلاق النار هذا يهم الجميع وفي صالحهم, إلا أنه يتطلب موافقة الجانبين لتنفيذه, ولو لم يتفهم جيش تحرير كوسوفو هذا الوضع, فسيرتكبون خطأ فادحا. - إذن, فأنت ترى أن جيش تحرير كوسوفو يشكل خطرا على اتفاق وقف اطلاق النار مع الصرب. ــ لا, اطلاقا, لم أقل ذلك, لقد أظهرت قوات الشرطة الصربية قدرا من الوحشية لا حدود له إبان فترة الصيف, وتورط الصرب في سلوكيات وحشية فظيعة, ولم يكن هناك أي مبرر في ظل أي اجواء لما فعلوه, وهؤلاء الذين ارتكبوا أعمالا وحشية الشهر الماضي, بمقدورهم تكرارها بسهولة في الفترة الراهنة. لقد ارتكب الصرب فظائعهم بدم بارد, وفي نفس الوقت, ردت عناصر جيش تحرير كوسوفو باختطاف الجنود الصرب, كفعل انتقامي, والشيء الجوهري الآن هو ضرورة توقف الطرفين عن هذه الأعمال. مبادرات سلمية لقد تزامن تصاعد العدوان الوحشي الصربي خلال الصيف مع إنكسار مد المبادرات السلمية, فلماذا لم تفعل ما حققته الاسبوع الماضي من اتفاق قبل ستة أشهر. لن أشتبك أو اتشاجر مع الانتقادات فهناك أسباب معقدة ومتشابكة وراء تأخر قيامنا بمثل هذا العمل في كوسوفو, فهناك رأي شائع وسط حلفاء الولايات المتحدة مفاده ان تحرك الناتو يجب الا يتم الا بعد موافقة مجلس الامن وأتاح هذا الاعتقاد للروس تعطيل وارجاء القيام بأي تحرك واستغرق الأمر عدة أسابيع للتغلب على تلك القضية, وأفقدنا بشكل مأساوي أياما لقي خلالها المئات حتفهم وشرد كثيرون. لكن كما هو معروف فان الديمقراطية تتحرك ببطء, وفقا لطبيعتها, الا أنها عندما تتحرك تظهر فاعلية فائقة. يعتبر وزير الخارجية الالماني الجديد جوشيكا فيشر زعيم حزب الخضر أحد الذين طالبوا بضرورة عدم تحرك قوات الناتو في كوسوفو الا بعد الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي, حتى لا يصبح هذا التحرك سابقة على التدخل العسكري في أي أزمة لاحقة, ألا يضايقك توقع أن تكون الحكومة الالمانية الجديدة مشكلة أمامكم؟ هذه ليست وجهة نظر فيشر بالضبط, لكنها رؤية وزير الخارجية الالماني الحالي كلاوس كينكل, وردا على ما قلته دعني أكون صريحا وواضحا معك: لقد جاءت الحكومة الالمانية الجديدة منذ نحو عشرة أيام ولقد رأى الرئيس بيل كلينتون في انتخاب جيرهارد شرويدر مستشارا لالمانيا ومجيء فيشر وزيرا للخارجية, بمثابة لحظة تاريخية لبدء المفاوضات حول كوسوفو, وحصل كلينتون على دعم الألمان لقرار تحرك الناتو دون الذهاب الى مجلس الأمن, وكان قرارا عصيبا, ومالم يوافق الألمان, لكنا الآن بلا قرار تحرك يسمح لقوات الناتو بتحرك عسكري وما كان ممكنا انتزاع تنازلات من ميلوسيفيتش. هكذا, دعنا ننسب الفضل لاهله, وهما شرويدر وفيشر, والتعاون الخلاق بين ركني الحكومة السابقة كول وكنيكل, وهو أمر غير مسبوق لم يحدث من قبل في تاريخ ألمانيا. الموقف الألماني - في حالة استنفاد فترة قرار التدخل العسكري للناتو, واذا دعت الحاجة لضرورة تجديده , للابقاء على التزام ميلوسيفيتش ألا يقلقك موقف الحكومة الألمانية الجديدة؟ ــ لا أرى اطلاق ضرورة لقيامهم باعادة طرح قصة حسمت وحلت فعلا, خصوصا في ضوء القرار الذي صيغ لصالح هؤلاء الذين بدأوا المأساة, عموما أنا أعرف فيشر جيدا, وهو رجل مدهش يتحلى بمواصفات ووزير خارجية من الطراز الأول, والالمان قبل كل شيء من أوثق حلفاء الولايات المتحدة الامريكية, والعلاقات الالمانية الامريكية مفتاح التعامل مع قضية كوسوفو والبوسنة, وأنا اتطلع للعمل مع فيشر. - حشدت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي قواتها بشكل غير مسبوق لدعم التدخل العسكري للناتو, هل ترى في ذلك مؤشرا جنينيا على قرب ميلاد آلية أمنية أوروبية جديدة؟ ــ نعم أرى ذلك, ففي خلال مفاوضات البوسنة ناقش نائبي جون كورنيلوم الرابطة المفقودة في البناء الأمني الاوروبي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة, ودعا الى ضرورة تقوية ودعم منظمة الأمن والتعاون الاوروبي بأي وسيلة دون اضعاف بنية حلف الاطلنطي. فهناك أمور خاصة ليس بمقدور الأمم المتحدة القيام بها, لكونها قضايا كبرى معقدة, وهناك أمور لا يرغب الناتو في أدائها, وهنا يكمن السبب في تغيير اسم مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا الى منظمة الأمن والتعاون الاوروبي, فكيف يتأتى لمؤتمر تسيير بناء عملية كبيرة على غرار عملية البوسنة. وتواصل منظمة الأمن والتعاون الاوروبي عملها, وتتحمل عبء مهام تنتمي للحرب الباردة, وتدافع عن حقوق الانسان وفقا لعملية هلسنكي, متجهة نحو آفاق مستقبلية لتطويرها. لقد اتخذت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي شكلا يلائم تحدياتها, فهو يشبه (البالون) الذي يتشكل وفقا لما بداخله, ففي كوسوفو نحن على وشك نشر ألفي جندي هم عماد جيش مدني, بما فيهم مراقبون, ومدربو شرطة ومراقبو انتخابات. وعقب إبرام اتفاق وصفقة كوسوفو باسبوع, حصلنا على التزام من البلدان الاوروبية بامدادنا بنحو 1800 فرد ضمن قوات منظمة الأمن والتعاون الاوروبي. صحيح أن تمويل هذه القوات يعد مشكلة عويصة, إلا أن حلها متاح, فسوف تقدم النرويج دعما كبيرا من حصة تمويل قوات حفظ السلام. إلا أن حلف الناتو مازال منفصلا عن منظمة الأمن والتعاون الاوروبي, ويطالب ميثاق المنظمة بضرورة اقامة روابط وعلاقات تعاون مع المنظمات الاخرى, قاصدا بوجه خاص حلف الاطلنطي, ميلوسيفيتش يفهم ذلك جيدا. ولقد شهدنا في البوسنة وكوسوفو وعبر التعاون بين الناتو ومنظمة التعاون الاوروبي ميلاد آلية جديدة لحل النزاعات في حقبة ما بعد الحرب الباردة, وانهاء الروس لمشاركتهم في كلا المنظمتين, وفي اطار مفاهيم روسية خاصة. نموذج مقارن - هل هناك نموذج مقارن للحكم الذاتي وليس الاستقلال الذي تطرحه لالبان كوسوفو؟ ــ هناك نماذج عديدة للحكم الذاتي للجماعات العرقية عبر أوروبا, وهنا مركز دراسات يعنى بهذه القضية في فينسيا وفي مناقشاتنا طرح الروس نموذج تتارستان كمثال, وطرح الدلاي لاما كمثال آخر ضرورة قيام حكم ذاتي في التبت وبقائها جزءا من الصين. حوار : ناتان جاردليس- خدمة لوس انجلوس تايمز