رغم ان الحصار المفروض على ليبيا بموجب قرار مجلس الامن الصادر بتاريخ 21/3/1992 يبدو محدودا في ظاهره إذا ما قورن بالعقوبات التي فرضت على العراق مثلا, الا ان هذه ليست كل الحقيقة, اذ ان الاجراءات القسرية التي استطاعت كل من امريكا وبريطانيا استصدارها عبر مجلس الامن في حق الجماهيرية كان لها انعكاساتها السلبية على الكثير ــ إن لم نقل كل جوانب الحياة في ليبيا, هنا ترصد (البيان) جانبا من فصول المأساة المنسية. الرحلة إلى الموت لعل شركة الخطوط الجوية العربية الليبية هي أول المتضررين مباشرة من جراء اجراءات الحصار حيث ان التوقف التام لرحلاتها الخارجية منذ العام 1992 قد ادى إلى حالة اشبه بالتوقف في جميع مكاتبها كما ان حجم العمالة في الشركة قد تقلص إلى ابعد الحدود حيث تم اعادة استخدام العديد من العمال والموظفين الليبيين في جهات اخرى وتم الاستغناء عن العمالة الاجنبية الزائدة في الشركة, اضافة إلى ان الاجراءات التي تمخضت عن القرار 478 والتي حظرت ايضا استيراد قطع غيار الطائرات قد ساهم من تقليص عدد الرحلات الداخلية كما انه كان سببا مباشرا في سقوط طائرة الخطوط الجوية العربية الليبية في سماء طرابلس عام 1995 والتي راح ضحيتها اكثر من 155 راكبا من جنسيات مختلفة ولم يقتصر الضرر فقط على الخطوط الليبية بل ان الامر ذاته قد اصاب مكاتب الخطوط العربية والاجنبية العاملة في الجماهيرية حيث ان عددا كبيرا منها اوقفت خدماتها أو خفضتها إلى اقصى حد ممكن وهذا الامر بالضرورة قد ادى إلى ارتفاع جنوني في اسعار التذاكر ودخولها إلى حيز السوق السوداء, وقد وصلت الزيادة في اسعار التذاكر احيانا إلى اكثر من 300% الامر الذي جعل الكثيرين من المقيمين في الجماهيرية يسعون إلى السفر عن طريق البحر وهذا بدوره زاد من التزاحم على مكاتب السفريات البحرية على محدوديتها ومن ثم انتهت تذاكر البواخر إلى المصير نفسه الذي آلت اليه تذاكر الطيران ولعل رحلة السفر تبلغ قمة المأساة حينما تصل إلى الموت جوعا وعطشا في صحراء قاحلة لا تعرف الا الفناء. المعروف ان اعدادا كبيرة من مواطني دول افريقية مثل السودان, النيجر, مالي تشاد, ودول غرب افريقيا, يتواجدون في الجماهيرية وذلك بسبب سهولة اجراءات الدخول والاقامة في ليبيا والمعروف ايضا ان ايا من هذه الدول ليس لها طرق مواصلات ممهدة تربطها بالجماهيرية كما هو الحال مع دول الساحل الشمالي: مصر, تونس, المغرب, الجزائر. ومن بين تلك الدراما المأساوية عبر الصحراء الكبرى يحكى احد الناجين باعجوبة من الموت جوعا وعطشا تفاصيل مأساة حقيقية قائلا ان الشاحنة التي كانت تقلهم وعلى متنها اكثر من 40 راكبا وبعد ان تجاوزت الحدود الليبية في اتجاه الدول الافريقية وبعد مسيرة يومين كاملين في زمهرير الصحراء الصامتة اخبرهم السائق انه قد اضاع الطريق وما كان عليه الا ان يجوب الصحراء هنا وهناك عله يهتدي الى سبيل واستغرق هذا البحث على الطريق اكثر من سبعة ايام بعدها بدأت كميات الطعام والماء والوقود في النفاد ولم تشرق شمس اليوم التالي الا ان كان جميع الركاب متناثرين على رمال الصحراء كأنهم اشياء مهملة وبينهم عدد من الاطفال والنساء ينظرون الى السماء يرجون رحمتها وايقن جميعهم انهم هالكون لا محالة واستمر هذا المشي ثلاثة ايام اخرى كان خلالها اكثر من نصف المجموعة قد اسلم الروح وبقي النصف الآخر ينتظر رحمة الموت بلا حراك الى ان اكتشفتهم احدى دوريات الحدود وتم في مشهد رهيب انقاذ ما يمكن انقاذه... وهذه فقط خطوط عريضة لمثل تلك الحوادث التي شهدتها الصحراء من جراء هذا الحصار. الموت عند نقاط العبور كثير من الجهات الصحية اشارت الى ان عددا كبيرا من المرضى من ذوي الحالات الخاصة والمستعجلة التي يتعذر علاجها داخل الجماهيرية مما يتطلب نقلها الى أوروبا في وقت معين او خلال فترات متقاربة تعذر وصولها في اغلب الاحيان حيث ان الرحلة الى مصر او تونس كانت في عدد من الحالات سببا في فقدانها الحياة. ومن جهة اخرى نجد ان عددا من التطعيمات واللقاحات الخاصة بالاطفال قد تأثرت بالحصار مباشرة حيث ان مثل هذه الامدادات الطبية مرتبطة بمواعيد معينة كما انها تشهد في احيان اخرى حالات نقص ليس بسبب اهمال الدولة انما بسبب عدم وصولها في مواعيدها لأنها تعتمد في نقلها على البواخر. قبل ايام قلائل توفيت طفلة ليبية لم تكمل عامها الثالث بسبب مرض في دمها يستدعي نقلها الى الخارج كل ستة اشهر وفي المرة الاخيرة وبسبب ظروف معينة في الطريق والازدحام على البوابة الحدودية تأخرت يوما كاملا عن موعد الوصول فقضت نحبها بعد بوابة العبور في الطريق الى تونس العاصمة. وهناك حالات اخرى ادركها الموت بسبب نقص معين في الدواء لم يتسن وصوله في الوقت المناسب. السوق السوداء أوجدت اجراءات الحظر الجوي والحظر الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الغربية نوعا من السوق السوداء طالت كل جوانب الحياة الاقتصادية داخل الجماهيرية الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سعر الدولار الى أقصى درجاته حيث وصل الى اكثر من ثلاثة دينارات بينما سعره الأساسي في المصارف التي تملكها الدولة لايزيد على 08.30 قرشا وهذا يعتبر الى حد كبير سعرا حقيقيا لأن كل الشركات والعاملين المقيمين في الجماهيرية خاصة الأجانب يتقاضون مستحقاتهم محوله على أساس هذا السعر وهذا الفرق الشاسع بين السعر الحقيقي للدولار والسعر الذي أوجدته ظروف الحصار قد ساهم مباشرة في خلق مجموعة من الاثرياء الجدد على حساب قطاعات كبيرة من الشعب الليبي والمقيمين داخل الجماهيرية من اجل وصولها الى المواطنين. الضحايا يتكلمون الي أي مدى تأثرت حياة المواطن العادي الليبي والمقيم داخل الجماهيرية في ظل سنوات الحصار؟ طرحنا هذا السؤالا على عدد من الاخوة الليبيين والمقيمين وكانت هذه الاجابات: فرج رمضان (مواطن ليبي) نعم الحصار اثر كثيرا على حياتنا فلم نعد قادرين على الحركة الى خارج بلدنا الا بطرق بعيدة ومكلفة للغاية كما أنه لولا الدعم المباشر من الدولة للسلع الاساسية لما استطعنا مواكبة الاسعار خاصة نحن من ذوي الدخول المحدودة لكن رغم ذلك نحن فخورون بمواقف قيادتنا وشعبنا في التصدي لهذا الحصار الجائر والظالم ولكل تبعاته. عبدالله أحمد (مواطن عربي مقيم) أنا تأثرت شخصيا ومباشرة بالحظر الجوي بصفة خاصة وبظروف الحصار بصفة عامة دعني أحكي لك هذه القصة.. منذ عام 1992م فكرت في زيارة بلدي وأهلي بعد أن أمضيت اكثر من ثمانية أعوام بالجماهيرية وحيث أنني أعول أسرة كبيرة تتكون من عشرة أفراد اصطدمت باستحالة السفر لهم جوا وبعد أن استطعت جمع كل ما أدخرته خلال تلك السنوات الثماني فوجئت بأن كل ما لدى لا يكفي الا ثمن التذاكر فقط للارتفاع الكبير في أسعارها خاصة وأن الرحلة الى بلدي تمر عبر عدة مدن أوروبية الأمر الذي اضطرني الى تقليص عدد المسافرين من اسرتي الى أربعة اشخاص فقط وتركت البقية مع أحد اصدقائي في الجماهيرية وبعدها استطعت ويشق الروح أن أوفر تذاكر وحجز وسافرت وبدلا من اقضى شهرا حسب اجازتي ثم أعود أمضيت اكثر من ستة أشهر نتيجة لظروف معينة كنت خلالها مشغولا باولادي الذين تركتهم ورائي في الجماهيرية وأخيرا فكرت في جلبهم الى حيث بلدي الا ان هذه المهمة البسيطة وفي ظل الحظر الجوي استغرقت اكثر من ستة أشهر اخرى الأمر الذي أفقد ثلاثة من ابنائي عاما دراسيا كاملا.