يعاني التجمع الوطني الديمقراطي السوداني(المعارض)من مشاكل مزمنة وسمت مسيرته الممتدة عبر عشر سنوات هي عمر النظام الحاكم في السودان, بخلافات تظهر على السطح احيانا وتموج بها الكواليس أحيانا أخرى . بيد ان التجمع الفضفاض لفصائل المعارضة السودانية رسم طريقا مختلفا لمعالجة مشاكله, وهذه الطريقة هي النقد الذاتي ومواجهة المشاكل بدلا من دفن الرؤوس في الرمال. وفي هذا السياق, فتح الأمين العام للتجمع المعارض مبارك الفاضل المهدي جراحات التجمع بل ورش بعض الملح عليها, معتبرا ان السبيل الأمثل لمعالجة المشاكل هو مواجهتها وليس المجاملة والحياء السوداني كما سماه. ترى ما هي مشاكل التجمع, وكيف ينظر إليها أحد قادته , وكيف ينظر إلى وسائل حلها ومتى؟ في حوار شامل مع(البيان)مبارك المهدي(يفتح بطن)مشكلات المعارضة السودانية أقر الأمين العام لتجمع المعارضة السودانية مبارك الفاضل المهدي بوجود خلافات في وجهات النظر بين قوى التجمع, لكنه قال: إن الاختلافات يجب ألا تكون حاجزا دون المناقشة والحوار الواضح والصريح, محذرا من ان وحدة المواقف لا تبنى على مبدأ الخوف من الاختلاف. وفي مقابلة مع (البيان) في أسمرا, فتح المهدي أحد زعماء حزب الأمة, بطن مشاكل التجمع المعارض, معتبرا ان المطالبة بالتغيير أصبحت مطلبا شعبيا, مشخصا أبرز مشاكل التجمع الحالية بأنها تتمحور حول توسيع قاعدة المشاركة في التجمع, وتصورات المرحلة المقبلة, فضلا عن القصور الحالي في أداء بعض أجهزة التجمع دون أن يقدم أسبابا محددة لذلك. وأضاف: (لا نقبل استبدال شمولية نظام الجبهة بشمولية التجمع) . وفي هذا السياق, قدم المهدي وهو أحد زعماء حزب الأمة المثيرين للجدل, قدم عرضا عبر (البيان) للتنحي عن منصبه (لافساح المجال أمام زميل آخر) قال: انه سيكون (سعيدا جدا) بالتعاون معه في اطار القيادة الجماعية المشتركة. وتحدث المهدي عن اجتماعات أسمرا الأخيرة, واصفا إياها بأنها تطور مهم في مسيرة المعارضة, وقال انها أرست مبدأ المصارحة وتحديد المواقف, مقرا في هذا الخصوص بأنها كانت صاخبة وسادتها حدة في النقاش وارتفعت خلالها الأصوات, لكنه قال: إن الاجتماع لم ينته إلى (فركشة) التجمع, بل إلى اتفاق اجماعي حول القضايا الحقيقية. وقال المهدي في سياق آخر: إن المعارضة للنظام الحاكم في السودان ترتفع بشكل مضطرد محددا في هذا الخصوص نسبة المعارضين بأنها تتجاوز الـ 90 بالمائة من السودانيين. وهنا نص الحوار: اختلاف الرؤية - دعنا نبدأ بالموضوع الأسخن, فقد تسربت تقارير عن خلافات داخل تجمع المعارضة, فما هي حقيقتها, وكيف السبيل إلى حلها؟ ــ صحيح ان هنالك اختلافا في الرؤية نحو هذه القضايا.. لكن الأصح ان الاختلاف في الرؤية بين فصائل التجمع لا يجب أن يكون حاجزا دون المناقشة والحوار الواضح والصريح... ومن جانبي فإنني أرى ان مناقشاتنا الأخيرة قد اتسمت بهذا الوضوح وهذه الصراحة. - وما هي القضايا محل الخلافات هل لك أن توضحها لنا بالتفصيل؟ ــ دعني أكون واضحا في هذه المسألة فقضية تقويم أداء التجمع واعادة تشكيل المهام وترتيب الأوضاع التنظيمية قضية لا تحتمل التأجيل وأهميتها نابعة من أهمية المرحلة التي نحن مقبلون عليها.. وما زلت أرى ان المرحلة المقبلة لابد من استقبالها في التجمع بصورة أكثر ديمقراطية تركز على المؤسسة وليس على الأشخاص. - تتحدثون عن اعادة تشكيل المهام بنبرة انتقادية.. فماذا وراء الأكمة؟ ــ دعني أقول بوضوح ان المسؤولية في التجمع مسؤولية جماعية والأمين العام يتحمل نصيبه من المسؤولية بكل رحابة صدر.. وصحيح ان التحجج بالامكانات لا يعفي أحدنا من تحمل نصيبه من المسؤولية.. وفي هذا الصدد فإنني أعترف بأن قصورا كبيرا قد شاب أداءنا في المرحلة الماضية.. صحيح ان التجمع قد حقق انجازات كبيرة في مساره منذ تأسيسه وان هذه الانجازات لم تتحقق الا انه عبر حقيقة عن نبض الشعب السوداني.. وتجربتنا برغم ما تحقق فيها من انجازات شابها هذا القصور الذي تحدثنا عنه.. وعملنا ــ مثل كل عمل إنساني ــ عرضة للقصور وعدم الكمال, لكن المهم هو أن يدرك الناس أين نجحوا وكيف ولماذا وأين فشلوا وكيف ولماذا؟ والأهم أن يكونوا مستعدين لمعالجة أوجه القصور والفشل والا يتمسكوا بالدفاع عما هو خطأ من أجل ما هو ذاتي ففي العمل العام تبقى المؤسسة هي الأهم... ويبقى الدفاع عن المبادئ والأسس المتفق عليها فوق الاعتبارات الذاتية. - وماذا عن التفاصيل؟ تفاصيل الخلافات - دعنا نكون أكثر تفصيلا, على ماذا تتحفظ بالضبط؟ ــ أنا أعترف بأن تجربتنا الماضية في تشكيل مكاتب التجمع (أمانات التجمع المتخصصة) قد شابها القصور في نواحي كثيرة وأعتقد ان لذلك أسبابا موضوعية يجب ادراكها وتجاوزها.. مثلا أنا أعتقد ان تكوين الامانات على النحو الذي جرى لم يكن متوافقا مع الواقع الموضوعي, وان علينا أن ندرك ذلك ونعمل على تغييره.. وأضرب لك مثلا بأمانة الاعلام فالواقع يقول اننا لم نلحظ جيدا أن الاعلاميين السودانيين الموجودين في الخارج والعاملين والمؤثرين فعلا قد تجاوزوا باعدادهم ودورهم دور أمانة الاعلام التي شكلها التجمع واننا إذا كنا نتحدث عن تفعيل الأداء في التجمع وتوسيع أطر المشاركة الشعبية السودانية في عمل التجمع النضالي فعلينا أن نعيد النظر ــ وما زلت أتحدث عن أمانة الاعلام كمثال ــ لتستوعب كل القدرات الاعلامية السودانية الفاعلة والناشطة والملتزمة موقف شعبها والتجمع. كذلك فإن النظرة أيضا تمتد إلى أمانة العلاقات الخارجية لقد شكلنا أمانة للشؤون الخارجية على النحو الذي جرى عليه الأمر.. وحقيقة ان القدرات الدبلوماسية السودانية المشتتة خارج الوطن اليوم والمهتمين السودانيين بالسياسية الدولية الذين يمكن أن يقدموا عطاءهم للوطن وللتجمع يتجاوز التشكيل الذي جرى لأمانة الشؤون الخارجية. وما نعنيه عند الحديث عن ضرورة ان ينظر المؤتمر المقبل في تقديم أداء التجمع واعادة تشكيل المهام وترتيب الأوضاع التنظيمية هو بالضبط لمواجهة قضايا مثل هذه أثبتت فيها التجربة الماضية قصورا تنظيميا واضحا لابد من تجاوزه.. وأعتقد انه سيكون مناسبا أن نبحث عن الشكل الأكثر استوعابا للقدرات والطاقات السودانية. - وماذا لو كان الأمر يتعلق بقدرتك أنت كأمين عام للتجمع على إدارة دفة الأمور؟ ــ دعني أزيدك وضوحا فأنا كأمين عام أرحب تماما ومستعد أن أتنحى عن موقعي لزميل آخر لكي يعمل في هذا الموقع وأكون سعيدا جدا أن أتعاون معه في اطار القيادة الجماعية الفاعلة لأداء مهام وواجبات التجمع الوطني الديمقراطي. - وماذا عن اجتماعات أسمرا ألم تتطرق إلى مشاكل التجمع سعيا لحلحلتها؟ ــ نعم لقد كانت اجتماعاتنا الأخيرة في أسمرا مهمة وتميزت بحكم القضايا التي ناقشتها وروح المناقشات بالجدية والوضوح التام.. خاصة في ظل التطورات الحادثة في الوضع وتأزم الوضع بشكل خطير مما قد يؤدي إلى تفكيك وحدة السودان وما هو واضح من ان انهيار النظام قد أصبح وشيكا لذلك كانت مسألة الوضع الداخلي وأهمية توحيد العمل في الداخل والربط التنظيمي المحكم ومعالجة أوجه القصور التي ظهرت في مسيرة العمل ما بين الداخل والخارج وان كل ذلك يعتمد قطعا على جدية المتابعة من كل القوى السياسية. التجمع ليس ناديا - ثمة لغط كثير حول توسيع قاعدة التجمع, وهو أمر يطالب به حزب الأمة وتعارضه فصائل أخرى؟ ــ (مقاطعا) إذا كان هنالك من يتصور ان التجمع هو ناد مغلق على عضويته المؤسسة فهذا خطأ.. وأنا لست من هذا الرأي.. انني أنظر إلى قضية الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة في عمل التجمع وهو بطبيعته عمل نضالي شعبي بمنظار آخر.. ان الأساس الذي يقوم عليه عملنا هو اننا نريد أن نستعيد حقنا في الديمقراطية وتلك هي قضية الأغلبية الشعبية الساحقة, أغلبية كل السودانيين ضد نظام الجبهة والنضال من أجل الديمقراطية في السودان الداخل والخارج ويتسع ويشمل قوى اجتماعية لم تكن حاضرة في مؤتمرنا التأسيسي مؤتمر القضايا المصيرية وتأسيس البرنامج السياسي للتجمع. لذلك فإن الدعوة لتوسيع قاعدة المشاركة في التجمع وعنوانها المؤتمر العام المقبل دعوة تنبع من ظروف موضوعية ومن قراءة للواقع المتجدد في الداخل والخارج.. المعارضة الديمقراطية ضد النظام تتسع اليوم أكثر وأكثر والدعوة للتغيير تصبح اليوم واقعا لا يمكن أن تخطئ رؤيته العين الفاحصة.. وإذا كنا ندعو أن تتسع الدعوة للمؤتمر المقبل بحيث تشمل إلى جانب المؤسسة قوى ناشطة سياسيا وملتزمة موقف الشعب ومقررات التجمع فلاننا نريد أن نرى التجمع حركة شعبية تستقطب كل السودانيين المعارضين للنظام. كذلك فإن ما نعنيه عندما نتحدث عن توسيع قاعدة المشاركة وعن ضرورة استقبال المرحلة المقبلة بصورة أكثر ديمقراطية وان نركز على المؤسسة وليس على الأشخاص أن نستقطب طاقات أكثر وأن نفسح المجال لقدرات جديدة. - لكن الحديث عن توسيع التجمع يثير المخاوف من امكانية حدوث انقسامات داخله, الا يجعل هذا وحدة التجمع على المحك؟ ــ نحن جميعا متفقون على ان وحدة التجمع قضية أساسية ــ نعمل من أجلها لانها قناعة الشعب السوداني.. والأمر الشعبي بوحدة التجمع أمر مشروع لان الأمر مرتبط بحياة السودانيين أنفسهم.. لكن الوحدة لا تبنى وتؤسس على مبدأ الخوف من الاختلاف.. الوحدة تبنى على الاتفاق والالتزام بالمواقف السياسية المتفق عليها عبر الحوار والقناعة المشتركة.. وعدم مناقشة القضايا الخلافية بهذه الروح هو الذي يراكم الخلافات النظرية.. السودانيون الآن جميعا مشاركون في العمل المعارض للنظام وهذا الانفعال الشعبي الواسع بالمصير السياسي يجب أن يقابل من جانب التجمع بما يكافئه.. ونحن قوى ديمقراطية نتفق على ما نتفق عليه ونختلف حول ما نختلف لكن اتفاقنا واختلافنا في الأساس يجب أن يكون مرجعيته الديمقراطية وآلية إزالة الخلاف أيضا يجب أن تكون الديمقراطية. ويواصل المهدي حديثه قائلا الذي تبناه المؤتمر, كنت وما زلت أرى ان علينا نحن في قيادة التجمع أن نرى نواحي القصور في عملنا وأن نسعى جادين لمعالجتها. لقد أدت الظروف الماضية إلى ان تتحمل مسؤولية الصدارة القيادة الحالية التي أنا جزء منها... وأنا أعتقد انه ما بين مؤتمر تأسيس البرنامج السياسي عام ,1995 والآن فإن متغيرات كثيرة حدثت وان قوى جديدة تبرز وان علينا أن نكون منسجمين مع ما ندعو إليه من ضرورة التغيير والتجديد, أن نفسح المجال أمام قيادات أخرى أن تتقدم لمواقع المسؤولية أعني كل مواقع المسؤولية القيادية وهذا موقف وليس مناورة, وهو موقف علينا جميعا أن ندفع به إلى الامام.. وليس في هذا أي خطر على وحدة التجمع ولا يمكن أن يقصد به ذلك.. فإذا كنا مؤمنين حقا بالتغيير والتجديد يجب أن نكون أول من يطبقه ويحققه في ظروفنا في المعارضة. ممارسة الديمقراطية - وهل يفهم من حديثك انك تدعو إلى انتخابات على مقاعد قيادات المعارضة أم ماذا؟ ــ عندما أتحدث عن تطبيق الديمقراطية في ممارستنا فأنا لا أريد أن يفهم من حديثي عن الانتخاب والمشاركة ان هذه دعوة تصدر عن أحزاب تعتقد ان لديها أغلبية شعبية تريد أن تعزل الآخرين.. ليس هذا هو الهدف ولا القصد.. لقد اتفقنا على البرنامج السياسي واتفقنا على أن السلطة الانتقالية ستكون لكل قوى التجمع خلال الفترة الانتقالية.. أهمية هذا الموقف هو أن نثبت وندعم مبدأ الإدارة الديمقراطية للوطن خلال مرحلة الانتقال بوسائل تتيح للسودانيين المشاركة الواسعة في تقرير من يديرون شؤونهم. وأمامنا في هذا الشأن تجارب ناجحة فإن ظروف الحرب مثلا لم تمنع الحركة الشعبية (بزعامة قرنق) عندما تعرضت للانقسام من أن تعقد مؤتمرها وتنتخب قيادتها على أساس البرنامج الذي انقسم عنه المنشقون.. وأمامنا تجربة اثيوبيا واريتريا فحقيقة ان الجبهة الشعبية قد حققت مرحلة التحرير وجعلت استقلال اريتريا واقعا لم تحل بينها وبين اجراء الاستفتاء على الاستقلال وأعتقد ان تلك كانت تجربة رائعة. المهم في رأيي أن نؤسس عملنا على الفكر الديمقراطي ما دمنا نحن جميعا اتفقنا على رفض الشمولية. - لكن لماذا لا تعالجون مشاكلكم بالكتمان ــ أليس ذلك أفضل؟ ــ لا بالعكس.. أنا أعتقد ان كل القضايا السياسية والفكرية التي هي محل حوار ونقاش داخل التجمع اثارتها أمام الرأي العام وطرحها لمزيد من مشاركة الناس في نقاشها يفيد ان التجمع ولا يضرانه.. وليس هناك ما يمنع أن تختلف رؤيتنا حول قضايا أو مواقف بعينها فطبيعة تكوين التحالف ــ التجمع ــ تفترض أن اختلاف وجهات النظر وارد وطبيعي.. ما لا يفيد هو أن نتكلم على اختلاف وجهات النظر وأن نتفادى مناقشتها وندعها تتراكم, ما لا يفيد هو ان نمارس أسلوب المجاملة والحياء السوداني في تعاملنا السياسي مع بعضنا البعض لان ذلك سيترك القضايا عالقة وعائمة ولن يحلها.. وما دمنا نحن كديمقراطيين نمارس الديمقراطية حقا فإن الرأي العام ــ الشعب ــ هو مرجعية الديمقراطية وصاحبها وسيدها.. المهم ان نقبل على العمل بروح تستهدف الوحدة والتوحيد وليس الشقاق والخلاف وأن يكون سبيلنا للوحدة هو مزيد من الوضوح والصراحة. المؤتمر العام - وماذا عن المؤتمر العام الثاني للتجمع, هل صحيح انه عاد إلى الرف؟ ــ لا. ليس صحيحا ان العمل من أجل عقد المؤتمر العام الثاني قد تراجع.. ولا نحن تراجعنا عن موقفنا في ضرورة عقد المؤتمر وبشكل يؤمن له النجاح.. وفي رأيي الشخصي ان المؤتمر الثاني يشكل مرحلة مفصلية هامة في مسار حركة المعارضة الديمقراطية (التجمع) وإذا كان المؤتمر الأول هو مؤتمر تأسيس القضايا المصيرية والبرنامج السياسي للتجمع فإن المؤتمر العام الثاني يجب أن يكون هو مؤتمر مرحلة التحرير وتفعيل الأداء لمهام وواجبات مرحلة التحرير. والحاصل ان اجتماع أسمرا الأخيرة ناقش وأجاز تقرير اللجنة المكلفة الاعداد للمؤتمر العام الثاني واتخذ خطوة ايجابية وشكل لجنة برئاسة عضو هيئة القيادة التجاني الطيب لتسيير المؤتمر الذي اتفق بالاجماع على عقده عاجلا.. وستنهي اللجنة تقريرها في أو قبل 23 أكتوبر الحالي وستدعى هيئة القيادة لاجتماع فور تسلمها التقرير.. وستقوم بالدعوة للمؤتمر في موعد قريب لا يتجاوز شهر نوفمبر المقبل. الحديث عن المستقبل - يلاحظ انكم تهتمون بدقائق الأمور لحكومة ما بعد سقوط الحكومة الحالية.. أليس هذا الأمر سابقا لأوانه؟ ــ ان الذي يقرأ قراءة جيدة للواقع الذي نحن مقبلون على مواجهته.. ويقرأ جيدا أيضا حركة القوى الشعبية السودانية في داخل الوطن وخارجه ويقرأ حركة الاقليم والمنطقة التي نعيش فيها ويقرأ حركة العالم من حولنا, يدرك ان علينا الآن أن نجلس ونحدد بشكل لا يقبل اللبس كيف نتصور ومن ثم نتفق على مستقبل وطننا المقبل.. فالحديث والاتفاق على تفاصيل المستقبل الآن لم يعد ممكنا تجاهله أو تغافله.. نحن نتحدث عن التغيير والمطالبة بالتغيير أصبحت مطلبا شعبيا.. والقوى الشعبية التي تنهض الآن وتعمل من أجل التغيير تعمل من أجل مستقبل تريد أن تكون صورته الكاملة ــ وليس ملامحه ــ واضحة ومتفق عليها. والأصدقاء والحلفاء وكل من يؤيد قضية شعبنا ويهمه مستقبل الوطن السوداني يريد أن يرى اننا مثلما اتفقنا على البرنامج السياسي يمكن أن نتفق على تفاصيله العملية. ويواصل المهدي بقوله: ان تجربتنا الذاتية السودانية أثبتت لنا عبر العقود الماضية ان الاتفاق التفصيلي بين قوى المعارضة أمر مهم.. في التجربتين الماضيتين (أكتوبر وابريل) كانت الأمور قد أخذت على عجل وهذا أدى إلى الاخفاقات المعروفة لنا جميعا.. ومن السهل أن نتفق على الخط العام لاسقاط نظام ديكتاتوري تقوم باسقاطه كل القوى الديمقراطية.. ولكن الأهم أن يكون لهذه القوى الديمقراطية الاتفاق التفصيلي الأشمل الذي لا يسمح باعادة انتاج الأزمة مرة أخرى بعد اسقاط النظام الدكتاتوري.. تلك التجربة السودانية.. التجارب من حولنا أيضا أثبتت ان من المهم أن يتفق المعارضون تفصيلا على ما بعد اسقاط النظام الذي يناهضونه جميعا.. التجربة في أفغانستان.. التجربة في الصومال.. التجربة الآن في الكونغو وغير الكونغو من البلدان الافريقية.. لابد أن نستفيد من تجاربنا ومن تجارب الآخرين. ويضيف: لا يكفي أن نقول في التجمع اننا نحن البديل الشرعي لنظام الجبهة الإسلامية لاننا نحن الأغلبية.. فلا بد أن نقدم هذا البديل بصورة تفصيلية أكثر للشعب السوداني الذي هو أساس وقاعدة عملنا وللمجتمع الاقليمي والدولي الذي شئنا أم أبينا تداخلت قضايانا مع نظامه الاقليمي والعالمي بصورة لا تحتاج إلى نقاش كثير. وصحيح اننا اتفقنا ــ مستفيدين من تجارب الماضي ــ على ان المرحلة الانتقالية مداها أربعة سنوات.. ولكن كيف تسير الأمور دستوريا خلال هذه الفترة الانتقالية؟ هل سيجري كل شيء عن طريق التعيين؟ كيف نؤمن مشاركة كل قوى المجتمع المدني في عملية التغيير ونحقق أوسع مشاركة لها؟ لابد من اجابات ويوضح المهدي رؤيته واجابته لعدد من الأسئلة التي يقول انه لابد من اجابة لها يقدمها التجمع في مؤتمر العام المقبل.. فيقول: نحن مطالبون في العام الأول من الفترة الانتقالية بعقد المؤتمر الدستوري ولابد أن ننجز مهامه خلال السنة الأولى الانتقالية.. والمؤتمر الدستوري لكي ينجح ويحقق مهامه التاريخية لابد من مشاركة أوسع قوى المجتمع فيه من مدنية وعسكرية.. ونحن نتحدث عن سودان جديد قادم ومحك مصداقيتنا نحو ايماننا بالبرنامج السياسي لبناء السودان الجديد هو ان يأتي التطبيق العملي للأقوال لا بالأفعال.. فهل من المعقول أن نستمر في القول اننا أوزان وأوضاع ونفرض أنفسنا على الواقع المتغير بهذه الصورة ونحن دعاة التغيير والبناء الجديد للسودان؟ أنا شخصيا لا أعتقد ان الشعب السوداني سيقبل منا أن نعتبر أنفسنا السلطة البديلة بدون الشروط الجديدة.. وأساسها العمل بالديمقراطية. صحيح ان ظروف البلد لن تسمح بانطلاق الآلية الديمقراطية يوم سقوط النظام وبدء المرحلة الانتقالية وان علينا ان نراعي ذلك.. لكننا لا يمكن أن نستبدل سلطة نظام الجبهة الاسلامية الشمولية بشمولية سلطة التجمع الشمولية. لذلك لابد لنا وخلال الفترة الانتقالية من ايجاد شكل من أشكال المشاركة الشعبية عن طريق الانتخاب للأجهزة التشريعية للمرحلة الانتقالية, وسيلة ولا مبسطة تراعي ظروف البلد ولكنها في النهاية تأتي بمصيرين عن القوى الشعبية وتستوعب عملية التغيير المنشود الذي نسعى إليه. كل الظروف مع التغيير - تتحدث وكأن النظام ذاهب غدا؟ ــ ان كل الظروف مهيأة الآن للتغيير.. فالذي يدرك الظروف داخل الوطن يعرف ان الأمور قد تجاوزت هذا النظام القائم ولم يعد السؤال حول الجدول الزمني لاسقاط النظام هو السؤال الأهم الآن.. الأمور في السودان تسير الآن بشكل يتعدى ويتجاوز المناورات اليومية للنظام وسعيه المستمر لاكتساب مزيد من الزمن ومزيد من العمر.. وهذا الادراك يتعاظم الآن محليا واقليميا ودوليا.. والمهم بالنسبة لنا في التجمع الآن ان نرتب أوضاعنا وظروفنا لمقابلة التغيير بشكل ايجابي يحقق الآمال والتطلعات الشعبية.. وحدة الوطن الآن معرضة لانهيار بفعل سياسات النظام وواجبنا أن نعمل جادين الآن وغدا لاستعادة وحدة الوطن.. تخريب الجبهة الاسلامية للنظام الاجتماعي والاقتصادي في السودان بلغ مداه واعادة البناء لما خرب عملية تحتاج إلى جهد وجهود جبارة.. هذه وغيرها هي القضايا التي يتعين على الفكر السياسي الديمقراطي الانشغال بها اليوم وغدا. وأعتقد أيضا ان علينا أن تتجه أنظارنا بالفعل إلى المستقبل وألا يكون السبق في ذلك لأحد سوانا. أسمرا ــ عبدالله عبيد