هشام علي محجوب ضابط أول عمليات في مصر للطيران في لندن.. مهمته تحديد مسارات وارتفاعات الطائرات ومتابعة نوبات عمل الطيارين والأطقم, سافر مع أبيه المريض بالسرطان لعلاجه في لندن , وهناك طلب من صديقه رأفت مدير فندق رويال لانكستر ان يساعده للحصول على عمل اضافي ودخل اضافي, وقام رأفت (الذي كان يرتبط بعلاقة بالموساد جهاز المخابرات الاسرائيلي) بتعريفه بادوارد كوشير بوصفه رجل أعمال مسيحي لبناني والذي بدوره استغل حاجة هشام للعمل, وأبلغه انه يريد جمع معلومات عن الاستثمار في مصر لأنه يريد انشاء شركة جرارات بلجيكية في مصر, ثم طلب منه أن يسافر إلي مصر لجمع المعلومات المطلوبة وأعطاه 600 دولار. في احدى حجرات مبنى المخابرات العامة, كان أفراد المجموعة التي تتابع الموضوع, قد انهمكوا في مناقشة تفاصيل هذه العملية, التي اكتملت بداياتها, وتنبئ بأن الموساد وجد منفذا إلى عميل جديد. وكانت كل الاحتمالات موضوعة على المائدة, أحدها أن تتم متابعة تحركات هشام في القاهرة, فإذا ما أخذت عملية جمعه للمعلومات بعدا معينا يتم القبض عليه متلبسا, ويواجه باتصاله بعناصر الموساد في لندن, أما الاحتمال الثاني فكان أن يترك لينفذ كل تكليفات الموساد, ومن هذه العملية يتعرف أفراد الجهاز المصري على نقاط اهتمام وتركيز العدو والمعلومات المطلوب وصولها إليه, أما الاحتمال الثالث فأن يتقدم هشام للابلاغ عما حدث ويعتبر بذلك مواطنا مصريا يتمتع بالوطنية فيتم تكليفه بالعمل كعميل مزدوج. أما الاحتمال الرابع, الأكثر تعقيدا, والذي يقوم على فكرة الاستخدام العكسي للجاسوس, أو معرفة طبيعة التكليفات الموكلة إليه, دون ان يدري ثم امداده بمعلومات مضللة, بما يربك قيادة العدو, ويشوش تفكيرها أي اعتبار الجاسوس كالقناة, كما تنقل خلالها تكليفات من جانب العدو, يتم تسريب معلومات كاذبة ـ خلالها ــ من جانبنا إلى العدو. وهشام حتى هذه المرحلة, لم يتورط في شيء, فقد كان ما حدث هو مجرد لقاءات ووعود وستمائة دولار دفعت بايصال, كما لم يتلق الجانب الاسرائيلي بعد أية معلومات, بل ولم يشرع في اعطاء هشام التكليفات الحقيقية الكبيرة إذن.. الفأر ما زال طليقا حرا لم يدخل بعد إلى المصيدة, وإنما كان قد تلقى الطعم وابتلعه. ولأن مثل هذه المساحات ليس فيها مجال للهزل, أو التراخي, فإن التحرك يحسب على احتمال الواحد في الألف, ومن ثم فقد بدأت المراقبة المستمرة للهدف, بدءا من اتصاله بضابط الموساد الاسرائيلي, الذي حمل ادوارد كوشير, وصفته رجال أعمال انجليزي مسيحي من أصل لبناني! كان الاسم الكودي الذي أطلق على هشام في جهاز المخابرات العامة المصري هو (السنجاب), تشبيها له بذلك الحيوان الذي يمضي وقته في جمع ثمار البندق والكستناء في حدائق لبنان, ليخزنها ويخبئها ويستعملها فيما بعد, بالضبط مثلما يفعل الجاسوس حين يجمع المعلومات. ومن ثم فقد وضع السنجاب تحت المراقبة الكاملة لمعرفة أي تطورات تطرأ على علاقته بالاسرائيليين. عودة السنجاب وفي الأسبوع الأول من يونيو عام 1972 عاد هشام محجوب إلى القاهرة, ومعه والده الذي كان ما زال يتلقى علاجا بالمواد الكيمائية وذلك لاستكمال علاجه بالقاهرة. كانت القاهرة تصطخب بمشاعر وأفكار عجيبة, إذ كانت ما زالت تحت تأثير مظاهرات الطلبة والعمال الهائلة, واعتصام ميدان التحرير الشهير, وصيحات الاحتجاج, والاتهامات بالتراخي بسبب عدم قدرة القيادة السياسية على ان تبر بوعدها في أن يكون عام 1971 هو عام الحسم!! بلد بأكمله يقف على أطراف أصابعه, وتشكل مانشيتات الصحف منظر حياته اليومية, وحالته العصبية والمزاجية الجماعية!! الجرائد هذه الأيام كانت تعج بالأخبار وأفكار ساخنة: (محمد حسنين هيكل يكتب في مقاله بصراحة متناولا كيف هزمنا في عام 1967 ولماذا هزمنا, وما الذي هزم فينا, وأين الطريق لتصحيح الهزيمة؟ ويقول ان هذه الأسئلة راودته ولم يتوصل لاجابات كاملة عنها!! والأهرام يعلن عن اجرأ عملية فدائية في أرض العدو.. وان ثلاثة يابانيين من صفوف المقاومة الفلسطينية حولوا مطار اللد إلى جحيم من النيران, 27 قتيلا بينهم أكبر علماء الجيش الاسرائيلي.. الجرحى أكثر من 80 نصفهم في حالة خطرة, عاصفة من التفجيرات تستقبل نيكسون, 12 تفجيرا أصاب أحدها مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إيران.. العراق تؤمم شركة النفط العراقية.. وسوريا هي الأخرى تؤمم شركة النفط السورية.. القذافي يعلن ان مفتاح حل مشكلة احتلال الأراضي العربية في يد السادات الذي تتوافر لديه الاستعدادات للمعركة أكثر من أي وقت مضى.. مسؤول مصري يعلن ان المناورات العسكرية المصرية مستمرة منذ 6 شهور.. زلزال في القاهرة شعر به كل السكان لقوته.. غرق معدية في النيل تحمل 50 شخصا قرب بنها.. اسرائيل تهاجم لبنان بقوات برية وجوية وتأسر خمسة ضباط سوريين, وآخر لبنانيا, وتتسبب في مصرع 18 شخصا.. مجهول يلقي قنبلة على السفارة المصرية في روما.. رئيس الأركان الاسرائيلي يشير إلى حشود مصرية على الحدود, ويطالب برفع درجة الاستعداد). كان هذا هو شكل مصر المحروسة وقت ان عاد هشام علي محجوب إليها محملا بأول تكليف لجمع المعلومات حتى وان كان بريئا, حتى وان كان محدودا.. اذ ان الموضوع كله كان بالون اختبار لقدرات هشام, ولمدى التفات المخابرات المصرية إليه وإلى بدء اتصالاته بالموساد. مطاردة محكمة وفي الغرفة التي اجتمع فيها أفراد المجموعة المكلفة بالعملية, كانت الخطط قد وضعت لمطاردة السنجاب في القاهرة, والوقوف على كل تفاصيل تحركاته. في بداية وصول هشام للقاهرة, نزل في فندق كليوباترا في ميدان التحرير لمدة ثلاثة أيام حتى ينتهي من (مهمته) , لم يكن يدري انه يقوم بمهمة ذات طابع سري, ولكن فقط كان يود ان ينجز بسرعة, وبكفاءة بعيدا عن ضجة البيت عند أمه وزيارات الأقارب والأصدقاء. وفي الفندق كان أحد رجال المخابرات المصرية, يجلس في صالة الاستقبال كواحد من موظفيه, لاستلام هشام عندما يدخل, وعندما يخرج يسلمه لزميل له على مقعد سيارة أجرة في منطقة انتظار السيارات ليبدأ في ملاحقته من ساعة خروجه من الفندق,وركوبه سيارته, أو أول سيارة أجرة, وكانت السيارة الأجرة الواقفة في أول طابور انتظار التاكسي ــ نفسها ــ بقيادة أحد رجال جهاز الأمن المصري. ولم يتركوه لحظة واحدة, وهو يتجول على مكاتب السماسرة, للسؤال عن أسعار الأراضي, أو مكاتب موظفي التليفونات للبحث عن خط تليفوني بطرق ملتوية إبان أزمة التليفونات المستعصية بل انهم لم يتوقفوا عن متابعته حتى اذا صعد أحد مكاتب السماسرة, حيث كان لابد ان يصعد وراءه أحد رجالنا ليعرف بالضبط أين صعد, ومع من تكلم أو تعاقد, وحتى مكتب السمسرة نفسه سوف يكون موضع تحقيق دقيق بعد انصراف الشخص المراقب! حتى احتمال ان يكون رجل الموساد قد درب هشام بعيدا عن أعين رجال المخابرات المصرية على فنون الهروب من مطاردة السيارات, لم يترك دون احتياط, فإذا لجأ هشام إلى اجراءات تأمينية ليعرف ما إذا كان أحد يلاحقه أم لا, كان يدخل ــ مثلا ــ في شارع سد بالسيارة, ليعرف ما إذا كانت السيارة خلفه ستدخل هي الأخرى أم لا, أو أن يقوم باللف حول ميدان ما مرتين أثناء قيادته للسيارة أو حتى بالتاكسي الذي يركبه, فإذا قامت السيارة خلفه باللف مرتين عرف أنها كانت تتابعه وتطارده, وبالتالي يتجه وجهة أخرى أو يعود أدراجه, ومن هنا يجب ان ينسحب رجل الأمن ويتصل بسيارة أخرى من أقرب نقطة لتتولى من جهتها المراقبة والمتابعة. وعلى الرغم من انه ثبت ان هشام لم يدرب على تقنيات الهروب من المتابعة إلا ان المراقبة استمرت لحظة بلحظة, وكانت حصيلتها بالتحديد أن معظم الأماكن التي سأل هشام عن أسعار ايجارات المكاتب فيها والتي أخبره ادوارد انها ستكون مناسبة لمقر الشركة, كانت تقع على طرق رئيسية درجت القوات المسلحة على استخدامها ليلا لنقل العتاد والجند, أثناء التحركات والمناورات. أما أماكن قطع الأراضي التي كلفوه بالسؤال عنها لبناء المصنع, فكانت كلها تقريبا في دائرة واحدة, تقع حول, أو في منطقة كوم أوشيم بمحافظة الجيزة, وهي تلك المنطقة التي توجد بها قاعدة, تدخل ضمن نطاقات الدفاع الجوي عن القاهرة الكبرى!! وبعد ان أمضى هشام محجوب ثلاثة أيام في الفندق, ذهب إلى شقة أسرته وأمضى هناك بقية أيام الشهرين اللذين أمضاهما في القاهرة. في أواخر أيام الاجازة كان هشام تواقا للعودة إلى لندن, وتوصيل المعلومات المطلوبة إلى ادوارد كيما يتحصل منه على دفعة مالية جديدة وبخاصة ان زوجته كانت قد اتصلت به من لندن وطلبت منه مبلغا اضافيا لمصاريف العلاج. لم يعد هشام ملتفتا في الكثير أو القليل, إلى عمله في مصر للطيران, وانصبت كل ذرة من تركيزه على العمل مع ادوارد, وذلك الجو الفخيم, المليء بموائد العشاء الفاخر, في أكبر الفنادق, وأهم أنواع النبيذ, ونوادي القمار, وآفاق الأهمية التي تنبئ بها. العودة إلى لندن وطوال المسافة التي قطعتها الطائرة به في نهاية اجازته إلى لندن, لم يكن في ذهنه شيء سوى مدى رضاء ادوارد عنه, عندما يعود إليه بالمعلومات ولم يكن في ذهنه ان عيون رجال المخابرات المصرية تتابعه خارج وداخل البلاد. هذه المرة حمله التاكسي من المطار إلى فندق شديد الفخامة اسمه السافوي كورت, وكان ادوارد قد اتفق معه على ان ينزل فيه لدى عودته من القاهرة, وان (الشركة) ستقوم بدفع الحساب!! والحقيقة ان ادوارد كان يحرص من وراء اختياره لهذا الفندق بالذات, إلى تحقيق عدة أهداف في وقت واحد: أولها: انه بعيد عن فندق رويال لانكستر, الذي اعتادت أفواج مصر للطيران النزول فيه في ذلك الوقت, والذي كان هشام دائم التردد عليه للالتقاء مع أعضاء الأطقم أو اصطحابهم إلى الخارج.. ثم انه فندق مبهر بالفعل والاقامة الملوكية فيه تدخل في اطار خطة ابهار هشام التي بدأت بكازينو البلاي بوي, وهو ــ كذلك ــ يقع أمام فندق ستراند مباشرة (وهو فندق كما سنرى له مداخل ومخارج مختلفة وعجيبة, يمكن ان تستخدم بنجاح في عمليات تأمين اللقاءات وأخيرا فإن وجود المدخل الخاص (حارة صغيرة) في فندق سافوي كورت يجعل أية عملية مراقبة ــ إذا أراد صاحبها ألا تنكشف ــ أن تبدأ من شارع ستراند, أي خارج الممر, وبالتالي فإن هشام أو ادوارد, يمكن ان يستقل تاكسي من داخل هذا الممر ويمرق به إلى الشارع العمومي من دون ان يلاحظه أي مراقب!! انهت موظفة الاستقبال اجراءات تسجيل وصول هشام, بينما هو يلقي بنفسه على أحد المقاعد المتناثرة في الصالة على أرضية مربعات من الرخام الأبيض والأسود, تناثرت عليها سجاجيد قديمة, ورفع ناظريه إلى السقف الذي ترصعه 12 نجفة أثرية من الزجاج المصنفر والنحاس الأوكسيدية, وأخذ يسلي نفسه بمراقبة الداخل والخارج من البابين الدوارين, اللذين يعلو كل منهما من الداخل نصف دائرة من زجاج أخضر فاتح, واللذين يفضيان إلى الممر الخارجي, حيث يوجد سافوي تياترو, أو مسرح سافوي ومجموعة من المتاجر الفخمة, وموقف لسيارات الأجرة السوداء التقليدية, يعلوه سقف شفاف من الزجاج المصنفر. كانت التعليمات إلى هشام واضحة.. ألا يتصل بادوارد وان ينتظر ان يتصل به ادوارد, بحجة ان رأفت دائم التردد على مكتب ادوارد, ولا يجب ان يعرف شيئا عن اتصال هشام بالمكتب حتى لا يقحم نفسه على البيزنيس الجديد. إذن فسوف يبقى هشام أسيرا داخل هذا الفندق الجميل, إلى ان يحدث الاتصال الموعود. ومر يوم بأكمله دون ان يحصل هشام على الاتصال, وبدا هشام يمضي معظم الوقت في غرفته بعد ان هاجمته هواجس مبررها انه إذا جلس في صالة الاستقبال, فقد لا يسمع النداء الصوتي إذا ما جاءته المكالمة. اتصال ادوارد وحين رن جرس التليفون في غرفته, في اليوم التالي, كان أجمل ما سمع هشام في حياته, قفز من على سريره, والتقط السماعة بفرح فوار, وعلى الجانب الآخر من الخط كان صوت ادوارد, يسأله عن صحته, وهل أنجز جمع المعلومات اللازمة.. ثم يضرب له موعدا في مطعم ريفر, ولما سأله هشام عن مكان هذا المطعم, ضحك بصوت عال, قائلا: انه تحتك يا هشام في نفس الفندق. وفي الثامنة مساء (الموعد المضروب) كان هشام قد ارتدى حلة رمادية غامقة وربطة عنق كثيرة الألوان, وهبط إلى مطعم ريفر, مدخله من ردهة الاستقبال, حيث هبطت به عشر درجات سلم, إلى باب خشبي بزجاج على شكل مربعات.. وبينما على جانبي السلم درابزين من الحديد الأسود المشغول , والمجموعة كلها أفضت به إلى بهو رحب جدا تتوسط سقفه نجفة أثرية ضخمة جدا, وتتناثر فيه المقاعد, والأرائك ذات الألوان الداكنة وفي الركن ساعة أثرية أيضا (تيمفوس فوجيتسل), ووراء هذا الباب بيانو أسود حوله جدران مغطاة بورق حائط مشغول منه فيه باللون السالمون الفاتح, وحول هذه القاعة 25 عمودا رخاميا من الجرانيت الوردي الفاتح المعروق بعروق غامقة. وبعد هذه الردهة كان المطعم الكلاسيكي الجميل (ريفر). حياة هشام الآن أصبحت الفرجة والاستمتاع بهذه المطاعم والفنادق, ومحاولة ارضاء ادوارد والحصول على ثقته. وعلى مدخل المطعم كان ادوارد في انتظاره, يرحب به على الطريقة العربية, مقبلا إياه على خديه الأيمن والأيسر, الأمر الذي لفت أنظار المحيطين, إذ كانت تلك التقاليد العربية غير معروفة بعد في بريطانيا. جلس الرجلان على مائدة في مكان بارز واستمع ادوارد إلى الحصيلة التي رجع بها هشام, ولفت نظره دقتها هذه المرة بسيل متتال من الأسئلة يغلفها بعبارات تقدير عن انجاز هشام. عمل عظيم ومجهود رائع.. سوف تقوم الشركة بدراسة جدوى المشروع, على ضوء المعلومات التي قدمتها.. ولكن الشركة تريد بعض المعلومات عنك, وعن شهاداتك وأسرتك) . وهنا أجابه هشام( والدي ضابط في القوات المسلحة لواء على المعاش الآن, ولي ثلاثة أخوة من الذكور, واحد ضابط في القوات المسلحة, والثاني مهندس والثالث موظف) وسبق له الخدمة كمجند بالقوات المسلحة. وواصل ادوارد الضغط على هشام بالأسئلة: في أي سلاح كان والدك يخدم.. وما هو وقت خروجه إلى المعاش, وهل ما زال يتلقى زملاءه القدامى وتلامذته.. وأين يخدم أخوك, وفي أي سلاح, وهل ينتظر ان يتم تجنيد أخوك المهندس كضابط احتياط. وكان هشام يجيب, والخاطر المسيطر عليه ان يرضي ادوارد, وان كل هذه الأسئلة للتعرف على مستواه الاجتماعي, إذ ربما يكون للوظيفة المنتظرة جانب يحتاج إلى مثل هذه المعلومات!! وطلب ادوارد من هشام ان يشرع في تأجير شقة خالية في القاهرة, وان يزودها بجهاز تلكس, وتليفون, وأعاد عليه التأكيد استعداد الشركة لدفع الرشاوى المطلوبة, كما طلب منه ان يحاول توطيد علاقته ببعض العاملين بمصر للطيران, اذ ربما سنحتاج إلى مهندسين ميكانيكيين في الشركة, وأخيرا فإن ادوارد لوح لهشام بأنه قد يلتقي خلال أيام بمدير الشركة البلجيكية. وأخيرا, بينما هشام يتابع في اهتمام لاهث, قال له ادوارد ان كل مقابلاتنا, بدءا من الآن ستتم في فندق ستراند المقابل لفندق سافوي, وعلل ادوارد هذا بأنه رجل معروف في مجال البيزنيس, ولا يريد ان يرصد عليه أحد من منافسيه تحركاته, إذ ربما يؤدي ذلك إلى استنتاجهم طبيعة نشاطه المقبل. وكان هشام قد عطل عقله تماما وأصبح على استعداد لقبول أي أشياء تقال بسهولة حتى ولو كانت مجرد كلام فارغ. ولكي يدعم ادوارد استقرار هشام الداخلي, وارتباطه اعطاه مرتب شهرين مرة واحدة بايصال بدون تاريخ, وأبلغه ان التعيين سيتم فور مقابلته لرئيس الشركة البلجيكية. وخرج هشام بعد ذلك العشاء وهو يعشر انه على أبواب أهم مراحل حياته.. على أبواب النجاح الحقيقي. انتظار المكالمة وفي اليومين اللذين تليا ذلك اللقاء المفصل عاد هشام إلى انتظار مكالمة ادوارد التي سيخبره فيها بموعده مع رئيس الشركة البلجيكية. وكالعادة مر هشام بفصول الملل كلها, وهو ينتظر مكالمة ادوارد ثم جاءه أخيرا صوت ادوارد يقول عندي خبر سار لك لقد وصل إلى لندن مدير الشركة البلجيكية, وعليك بالحضور غدا صباحا لمقابلته في فندق ستراند بالاس, حيث ينزل, وان تكون آخر شياكة, وتلبس أفخر ما عندك من ملابس, وسيكون الموعد في العاشرة, حيث ستجدني في انتظارك في بهو الفندق. وفندق ستراند بالاس ــ هذا ــ هو فندق عجيب يشبه بيت جحا, وقد أنشيء عام 1909, إذ ان جميع المحلات خارجه (جولد سميث للساعات والكريستال, ولويد بيكر للجلود, وهاوس أوف جيونيسكي للهدايا الانجليزية التقليدية) لها مداخل بعتبات من الفسيفساء الأبيض والأسود, ولها مخارج تقع في داخل الفندق نفسه, أي ان الانسان يمكن ان يستخدم أحدها لدخول الفندق من دون ان يتوقع ذلك أي أحد يراقبه, إذ سيظل القائم بالمراقبة يتصور ان الهدف دخل إلى المحل ولم يدخل الفندق. ومن ناحية أخرى فإن قهوة وبار جونستون في شارع ليج ستريت الجانبي تفضي هي الأخرى داخل الفندق من الجانب المقابل, أي إلى ردهة استقبال الفندق التي تقع في المنتصف ثم يوجد مخرج جانبي يفضي بك إلى خارج الفندق من الناحية اليسرى. أي انك يمكن ان تدخل من جونستون كافيه, وتخرج من اكسترا ستريت, أو تدخل من الباب الرئيسي وتخرج إما من جونستون كافيه, أو اكسترا ستريت, أو تدخل من أي محل, وتخرج من أي مخرج. وكل هذا مناسب جدا للتمويه, واجراءات تأمين المقابلات فضلا عن ان الموقع قريب جدا من الفندق الذي خطط الموساد لاقامة هشام فيه وهو سافوي كورت. وفي الموعد المضروب عبر هشام محجوب الشارع الذي يفصل بين الفندقين, وابتاع علبة سجائر, وجريدة صباحية انجليزية ثم دلف إلى فندق ستراند من أحد المداخل الفرعية عبر قهوة جونستون. وانتظر هشام في بهو الاستقبال الكبير لمدة عشر دقائق, انتابه فيها قلق كبير, ولكن بظهور ادوارد انفرجت أساريره, كأنه وجد معشوقته وحبيبة قلبه!! وبادره ادوارد قائلا: سوف نذهب الآن إلى الشقة التي ينزل بها مدير الشركة البلجيكية. وسأل هشام باستغراب ألم تقل انه ينزل في فندق ستراند بالاس؟! فأجابه ادوارد لقد وجد بالأمس شقة مناسبة انتقل إليها لأن اقامته في لندن سوف تطول قليلا. وعلى باب الفندق أوقف ادوارد تاكسي, وطلب منه الذهاب إلى هاي ستريت أوف كينزنجتون, وما ان نزل الرجلان, من سيارة الاجرة, حتى راح ادوارد ينبه هشام إلى ضرورة التحدث مع المدير بلغة انجليزية راقية, ومراعاة أصول الاحترام واللياقة. وانعطف ادوارد من الشارع الرئيسي ليدخل إلى حديقة كينزنجتون من بوابة بالاس جيت, كان حيث شارع بالاس جرين.. وكأنه أثناء تلك التمشية يكتسح كل شيء حوله بنظره, فيما كان هشام يستجمع نفسه قبل لقاء الرجل الذي سيمنحه الاستقرار المادي, وآفاق نجاح بلا حدود. توقف ادوارد فجأة أمام مبنى قديم عمره أكثر من مائة عام, وصعد مع هشام درجتي سلم, قبل ان يقرع الجرس, فيفتح الباب. وما ان دخل هشام نصف خطوة إلى الداخل حتى فوجيء بأربعة من الحراس المدججين بالسلاح يفتشونه ذاتيا, ثم يقتادونه إلى مكتب أغلقوه عليه, بينما اختفى ادوارد تماما. وبعد ساعة كاملة حضر ادوارد ليخاطب هشام بعبارة حازمة ولهجة خشنة لم يعتدها منه, من قبل: (أنت الآن يا عزيزي في السفارة الاسرائيلية. ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة