قبل سبعة اشهر ومنذ بدأ الصرب حملتهم الموسعة والمنظمة لسحل وتشريد وهدم كل اثر لألباني مسلم في كوسوفو وموقف الغرب ودول الناتو خاصة لا يحمل الا معنى واحدا. قد لا يكون المعنى الموافقة المعلنة عما يحدث , ولكنه لا يبعد كثيرا او قليلا عن سكوت الرضا عن سياسة ميلوسيفيتش فرأى الغرب منذ البداية ان الاقليم يتبع الصرب وجيش تحرير كوسوفو هو جماعة من المتمردين الانفصاليين مثلهم في نظر امريكا وزمرتها مثل حزب العمال الكردستاني وحزب الله وجماعة حماس وجهاد ونمور التاميل وغيرهم. ومع تغير الظروف واستياء العالم مما تبثه وسائل الاعلام ليل نهار عن المذابح والصور غير الانسانية تغير موقف الغرب في الشكل وليس في الجوهر. وجاءت فضيحة مونيكا لوينسكى وحاجة كلينتون لاى عمل خارجي يحرك المياه الراكدة المتوقفة عند بوابة ملابسات وتفاصيل الفضيحة وزحزحتها لبوابة اخرى لتنقل كوسوفو الى واجهة الاحداث والى بؤرة اهتمام الغرب وفي القلب منه الولايات المتحدة. ولكون الظروف مهيأة لتحرك الناتو مع رغبة دفينة في عدم تحمل تكاليف كبيرة لضربة عسكرية لا تجد من يدفع فاتورتها كما في العراق مثلا, جاء الفعل الاطلسي على نفس المنوال الثابت منذ البداية وهو الفعل الشكلى الذي لا ينفذ للجوهر. وتمثل الفعل في اعداد مسرح ضخم من المقاتلات والصواريخ والبوارج الحربية بالقرب من دائرة الحدث ايهاما للجميع ولميلوسيفيتش خاصة ان العمل الجدى والجوهري وشيك. ولكن يبدو ان الرئيس اليوغسلافي يفهم جيدا نفسية دول الناتو, فانتهج نفس استراتيجية الغرب بإحداث تنازلات شكلية تتمثل في الموافقة على نشر مراقبين دوليين وطائرات للناتو تراقب اتفاقه مع هولبروك, الا انه اصر على كون المراقبين مدنيين وعدم الحديث بأي شكل كان عن استقلال كوسوفو او منح الاقليم سلطات حكم ذاتي حقيقية, كل هذا والتقارير تتحدث عن استمرار الانتشار العسكري الصربي في الاقليم وتواصل محنة السكان الألبان. ووسط هذا المسرح ترسخ دول الناتو فكرة سكوت الرضا عن نهج بلجراد في كوسوفو حتى في ذروة الحشد العسكري الذي تواكب مع منح ميلوسيفيتش مهلة اولى قبل الضرب انتهت السبت الماضي دون ان تحرك مئات المقاتلات التابعة للحلف ساكنا. وساعدت عوامل على تراجع الناتو عن المهلة الاولى ومدها الى 27 اكتوبر الحالي. وتأتي على رأس العوامل الرضا الاطلسي الدفين وغير المعلن عن سياسة بلجراد. وهناك حالة من عدم الاتفاق بين دول الحلف على التوجه العسكري, فالعديد من العواصم الغربية تطالب بعدم اليأس من التحرك السلمى. ولا يمكن تجاهل الدور الروسي وان لم يكن على قدر من التأثير يستطيع ان يغير من توجه جدى للناتو مصحوب بإرادة حقيقية. ولعل هذا الدور الروسي قد عبر عنه رئيس الوزراء يفجيني بريماكوف عندما قال في قاعة البرلمان بعد اتفاق هولبروك وميلوسيفيتش انظروا ماذا فعل موقف موسكو ان ما حدث يبين مدى تأثير هذا الدور, فتهديدنا بقطع علاقتنا مع الناتو قد حال دون توجيه ضربات جوية للصرب. ولا يخلو هذا الحديث البريماكوفي من سخرية تماثل حقيقة موقف الغرب من بلجراد.