ألقى نجاح القيادة السياسية باليمن في استعادة السيادة على ارخبيل حنيش ودون اسالة قطرة دماء واحدة الضوء على اشكالية شديدة التعقيد في السياسة اليمنية هي: البراعة في تسوية مشاكل الخارج مقابل الاخفاق التام في معالجة مشاكل الداخل . وبعيدا عن ردود الافعال الأولية تجاه الحكم, فإن حالة شبه اجماع في اليمن على ان القيادة اليمنية نجحت في قضيتين وأخفقت في ثلاث قضايا وجميعها سيادية. نجحت القيادة في التعامل مع الاحتلال الاريتري من خلال عدم رد الفعل عسكريا في ديسمبر ,1995 وفي ذلك عبر الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في أول لقاء له عقب الاحتلال بالاحزاب والفعاليات اليمنية ان الشريط الحدودي الساحلي مع اريتيريا مفتوح, وبامكان اليمن اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب, والحرب لا يستطيع احد فرضها على اليمن, ويبدو واضحا بهذه الحالة ان الأمر أقرب الى الحنكة العسكرية منه الى الحكمة اليمانية, وقضية النجاح الثاني من خلال صدور الحكم من الهيئة الدولية بحق اليمن في السيادة على حنيش وبعض الجزر جنوب البحر الأحمر, وعلى أهمية هذا الانتصار بتثبيت الحق التاريخي والقانوني, فإن النقاط الساخنة الأخرى الحدودية وغير الحدودية, تتطلب الارتقاء الى مستوى التعامل معها بحزم بالاستفادة من الغياب المؤسسي في جميع الوثائق والخرائط وما يرافقهما. واخفقت القيادة اليمنية في التعامل بثلاث قضايا حتى الآن, ليس من بد التأكيد انها أكثر سيادية.. الأولى: عدم التعامل بالحكمة اليمانية في قضية المصالحة الوطنية وازالة آثار ومخلفات حرب 1994 وصراعات الماضي اليمنية, التي أنهكت البلاد والعباد, وغدت معها قضية البناء خاضعة لبناء الشعارات أكثر منها ملامسة للواقع العملي في الساحة اليمنية, زاد من ذلك زمرة المنافقين وبعض الساسة, وما ترتب على التعددية من ارتفاع نسبة السلب والتعامل معه, أكثر من الايجاب واستيعابه. والثانية: عدم التعامل بالحكمة اليمانية في قضية الحكم المحلي واسع الصلاحيات ومحدود الصلاحيات على حد سواء, فبقيت قضية الحكم المحلي, واللامركزية خاضعة للابتزاز والمساومة والترحيل الدائم, والحقيقة على أهمية هذه القضية فلم تخطىء باسهام فاعل من قبل أحزاب المعارضة مجتمعة, وتشتت مواقف الاحزاب في دهاليز المفاهيم والمصطلحات, بين اللامركزية والحكم المحلي والادارة المحلية وما رافقها من مترادفات, على عكس ذلك قد انعكس ايضا على تذبذب المواقف لبعض الاحزاب تجاه قضية الحكم المحلي, بما في ذلك مجلس التنسيق للمعارضة والاحزاب التي ما برحت تكيل شعارات المطالبة, وساعد كل ذلك القيادة والسلطة على اللعب بهذه الورقة فوق ما هي عليه من غياب النواياالجادة لديها, وبالعموم تحولت اللامركزية والحكم المحلي الى شعارات جوفاء أفرغت القضية من جوهرها, مثلها مثل التنمية والديمقراطية التي يجمع الفقهاء بعدم اتساقها في ظل غياب اللامركزية. والأكثر عجبا ان ترفع بعض الاحزاب والفقهاء مطالب تدعو للوحدة في كشمير وموزمبيق وجنوب الفلبين وترفضها كلامركزية في اليمن, ان الجوهر في اخفاق القيادة والسلطة في اليمن في عدم قيام الحكم المحلي, يعود الى حالة الادعاء بعدم وعي الشعب ووصوله الى مرحلة استيعاب الانتخابات المحلية, وهذا قول مكرر ومردود عليه بالانتخابات البرلمانية ولا يتسق مع الحملة للانتخابات الرئاسية, والذي يجري الاعداد حاليا في الكواليس الحكومية للاحتيال على الدستور وتأجيل الانتخابات الرئاسية رغم ان الدستور المعدل عقب حرب صيف 1994 يؤكد عدم التعديل دون استفتاء شعبي عام, ومع ذلك فحسابات الكواليس ان تعديل الدستور أقل تكلفة ماديا على الدولة من خلال الاستفتاء, منه الى تكاليف الانتخابات الرئاسية, ولا يستبعد المتابع الحصيف عن كثب ان يتم الاستفتاء على دستور معدل وجديد بهدف اخراج آخر للالتفاف على المصالحة الوطنية, واعتبار الاستفتاء والتعديل في الدستور, حالة ليست أخيرة لاغلاق ملفات الماضي الذي دعا اليه الرئيس اليمني أكثر من مرة. الثالثة: قضية الحدود السعودية ــ اليمنية التي طال أمدها وتكررت الضحايا حولها من الشعب وعلاقة الشعبين عند كل توتر حدودي, وعند كل اتفاق على تأجيل الاتفاق وتجميد الاختلاف, ولا يجوز مقارنة الحدود اليمنية السعودية مع النزاع الاريتري اليمني حول حنيش, رغم ما يتردد في التصريحات الرسمية اليمنية من بقاء خيار التحكيم مفتوحا فيما يتعلق بالحدود اليمنية ــ السعودية على ان عدم التحكيم لا يعني بحال من الاحوال التسليم بما قاله الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر رئيس مجلس النواب اليمني, صحيح ان الشيخ الاحمر أبرز شخصيات النفوذ والجاه في اليمن, لكن الصحيح ايضا ان قضايا الحدود لها حدود شعبية وحزبية وحساسية مفرطة عند أهل اليمن. تبدو القضايا الثلاث التي لاتزال مطروحة على طاولة القيادة اليمنية قد أكدت اخفاقها حتى الآن معها, دون المساس بحق النجاح في القضيتين الذي يحسب للقيادة اليمنية, والقضايا الثلاث أكثر حراكا اليوم على الطاولية في مركز القرار اليمني لتعلقها وارتباطها الجذري ببناء الدولة اليمنية دولة واحدة, وتزيد هذه الأهمية للقضايا الثلاث عقب صدور الحكم بشأن السيادة على الجزر, من حيث العلاقات المعلنة والمتسارعة للتطبيع مع أريتريا وما يرافق ذلك من أنباء حول تكتل جديد يربط اليمن ببعض الدول الافريقية, وبدعم المدرسة الفرنكفونية ورعاية فرنسا التي أشرفت على التحكيم, وحتى تطل حقائق هذا التكتل, يحلو للشارع الشعبي اليمني تكرار ما ردد قبل فترات حول دخول اليمن القرن الافريقي بدلا عن القرن الحادي والعشرين. صنعاء ــ عبدالله سعد