خلفت نكبة عام 1948 آلافا مؤلفة من الفلسطينيين في دائرة التشريد والضياع إذ كانت العصابات اليهودية المسلحة تدفع بهم خارج فلسطين كي تستولي على الأرض والممتلكات استعدادا لاعلان دولة اسرائيل فيما بعد فوق أراضي الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم مشردين في دولة الجوار يتلقون مساعدات الهيئات التطوعية الدولية ومن ثم انشئت وكالة الغوث (الأونروا) لتقوم بمهمة الاغاثة وتنسيق الخدمات ولتكون شاهد عيان على مأساة الفلسطينيين. (البيان) في اطار مسعاها لرصد فصول هذه المأساة قامت بجولة حرة في بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وخرجت بهذه الحصيلة: كانت مخيمات اللاجئين في الأردن تقتصر على أربعة مخيمات في بداية الخمسينات هي مخيم الحسين, ومخيم الزرقاء, إربد, والوحدات وبعد وقوع حرب يونيو 1967م, أنشئت ستة مخيمات أخرى في الأردن لتضم اللاجئين والنازحين وهي : الطالبية (زيزيا) , مخيم ماركا (حطين, شلنر) , ومخيم غزة, (جرش) ومخيم سوف , مخيم الحصن, مخيم الشهيد عزمي المفتي, وكلها مشمولة برعاية الوكالة كما كان الحال في المخيمات الأولى, ثم أضيفت مخيمات أخرى (مأدبا, النصر, السخنة). ومعنى المخيم انه قطعة الأرض التي وضعتها الدولة تحت تصرف الوكالة لاقامة اللاجين عليها وتقديم الخدمات لهم. في مخيم غزة مخيم غزة في جرش يفتقد لكل مقومات الحياة الأساسية من خدمات صحية وبيئية وبنى تحتية, هذه هي النتيجة ـ الصدمة التي يتلقاها كل من تطأ قدمه أرض المخيم الواقع على مساحة قدرها سبعمائة وخمسون دونما وعدد سكانه يصل إلى ثلاثين ألف نسمة حيث يشكل أكبر تجمع سكاني في محافظة جرش وهي الصدمة التي تلقاها فريقنا لاستطلاع أوضاع هذا المخيم البائس, لا يمكن لأي قادم للمخيم ان يعبر قنوات الصرف الصحي المكشوفة في الشوارع الداخلية دون ان يخطر في باله ان هذه المسألة هي الأهم في أولويات المعالجة فيما لو بدأنا التخطيط فعلا لتخليص هذا المكان من أمراضه ومشاكله المزمنة. فالحشرات والقاذورات المتراكمة في قنوات الصرف الصحي هي السبب في الأمراض المنتشرة, هذا إضافة إلى الجرذان التي تشكل مخاطر عديدة. الشكوى في كل مكان ولكل من حدثناهم عن هذا الوضع المزري. بيوت المخيم في معظمها من الصفيح وجدرانها مهترئة آيلة للسقوط ــ يؤكد الكثيرون من سكان المخيم ان انهيار الجدران كان وراء العديد من حالات الوفاة ــ وأنهم يئسوا من التفكير في الحلول إذ لا أحد يسمع صوتهم من مسؤولي وكالة الغوث أو المسؤولين الآخرين. قالت امرأة شابة ـ رفضت التصوير ورفضت اعطاءنا اسمها ــ لعوامل اجتماعية كما ذكرت حيث ستكون مشكلة لها لو رأي أهلها صورتها في صحيفة ما قالت: ( هل جئتم للاطلاع على حالة زوجي, فهو مقعد بسبب حادث سيارة, هرب المتسبب في الحادث وترك المعيل بلا حراك ولا حقوق أو تعويض, أطفالنا يعيشون على الفتات مما قدمه لنا المحسنون وبعض مساعدات من الأهل ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولما سألناها ما دور وكالة الغوث في مساعدة حالات مثل هذه؟ قالت: وكالة الغوث مسؤولة عن خدمات النظافة والخدمات الصحية لكن العلاجات غير متوفرة في المركز الصحي التابع لها, ان الخدمة الوحيدة التي نشعر بها هي في المدارس فقط. طفولة ضائعة منظر الأطفال في المخيم غير طبيعي على الاطلاق ولا يتناسب واستعدادات الدخول للقرن الواحد والعشرين, فهم بملابس رثة وأقدام حافية وبراءة منقوصة, كأنهم خارج عالم الطفولة الذي تتحدث عنه هيئات ومؤسسات الطفولة العالمية وبلا حقوق وبالتالي فليس هناك بهجة وألعاب وحياة منطلقة نحو المستقبل, ترى بم يفكر هؤلاء الأطفال؟ وما هي مدركاتهم حول واقع الحياة وتطلعات المستقبل؟ هل يحلم هولاء بحديقة وألعاب وبالونات وملابس ملونة ومدارس ونشاطات فنية وكل ما يؤهلهم لدخول الحياة البهيجة, هذا هو السؤال الذي يدور بمخيلة أي انسان يدخل هذا المخيم ويتواجه مع أطفاله البائسين. وحول تسمية المخيم بـ (مخيم غزة) ظنا ان معظم سكانه من غزة, قال عارف الشوبكي الذي قابلناه وسط المخيم ان 35% من سكان هذا المخيم تعود أصولهم إلى منطقة بئر السبع (جنوب فلسطين) وان عددا قليلا من العوائل من غزة, أما البقية فهم من القرى الفلسطينية المختلفة... مستوى الخدمات الصحية المقدمة من قبل مركز وكالة الغوث ضعيفة وتقتصر على بعض الأدوية البسيطة علما أن أطباء المركز أنفسهم يشتكون باستمرار من قلتها وأنهم قد ينتظرون خمسة عشر يوما أو أكثر لاستلام الأدوية المطلوبة بين الحين والآخر, وان 99% من شبكة المياه القائمة بالية منذ عام 1983م ولم يجر عليها أي تعديل أو صيانة منذ ذلك الوقت بالاضافة لشبكة الكهرباء المنتشرة فوق أسطح المنازل والتي كانت السبب في العديد من الحوادث, وربما تتحسن الأوضاع بعد قرار الحكومة السماح لنا بالتوسع الرأسي. مشكلة البطالة المخيم غير مخدوم بمواقف للسيارات والباصات التي تدخل المخيم والمخيم بلا اشارات مرورية وبلا أبنية لدوائر رسمية إذ عدا عن لجنة تحسين المخيم ومبنى (الأونروا) ومركز أمني واحد لا توجد أية بنايات في المخيم, وتجدر الاشارة انه لا معونة وطنية تشمل السكان بسبب أنهم لا يحملون دفاتر عائلة وهم يحملون الجواز الأردني المؤقت مدته عامان إذ ان هذه المعونة يقدمها صندوق خاص للمعوزين الأردنيين. هذا ما يقوله معظم سكان المخيم عن مشاكلهم اضافة إلى انتشار البطالة وهي المشكلة الأولى والأساسية , والمفارقة ان نسبة عالية من شباب المخيم مؤهلون ويحملون شهادات علمية مختلفة ولكنهم يعانون من عدم وجود الوظائف سواء الحكومية أو الخاصة بسبب بعد المسافة عن العاصمة عمان وحيث تكون الرواتب متدنية جدا وعدم وجود فرص عمل كافية في محافظة جرش. وإلى ان العمل غير ممكن أو متاح لهم إلا في دوائر وكالة الغوث التي لا تستوعب أعدادا كثيرة منهم , فهم غير أردنيين ولا يستطيعون التنافس مع أردنيين على الوظائف, ثم ان الوكالة في رأي معظمهم كانت نشيطة في البداية ومع الوقت أخذت تقلل من الخدمات التي كانت تقدمها لسكان المخيم, وشيئا فشيئا أخذت تؤخر الرعاية الصحية ومن ثم التوظيف بحجة زيادة عدد اللاجئين, وضع الطرق داخل المخيم رديء, فالشارع الرئيسي فيه الكثير من الرقع والمطبات مما يسبب تعطيل المركبات وتعمل باصات النقل من وإلى المخيم ولكنها بحاجة إلى تنظيم ورقابة وايجاد موقف مناسب لها بدلا من جوانب الطرق الفرعية. قالت لنا ليلى خليل هاشم ان المخيم يعاني من قرب المساكن من بعضها البعض وازدياد عدد أفراد الأسرة داخل البيت الواحد الذي لاتتجاوز مساحته المائة متر في أغلب الأحيان. والملاحظ ان حالات الاعاقة المنتشرة بين السكان هي بلا علاج إذ لا وكالة الغوث ولا لجنة التحسين تساعد هذه الحالات الطبيعية في العلاج أو في توفير المراكز الخاصة لهذه الحالات, ومن ناحية الخدمات فإن جميع المخيمات بالمملكة الأردنية هي في وضع أفضل من مخيمنا, (الأونروا) وخدماتها في تراجع, ولجنة التحسين غائبة بافتقارها لتقديم أية خدمة, ووجودها شكلي فقط أو بمعنى آخر هي (منظر وليست محضر) . الخدمات الصحية في حين ذكر رئيس لجنة تحسين المخيم حسين أبو صوصين ان المشاكل المتراكمة لا تجد الحل بسبب عدم وجود الدعم المادي, والميزانية المرصودة هي عادة تخص الطرق وانشاء قنوات الصرف الصحي, وأشار إلى ان المشكلة الأكثر إلحاحا باتجاه الحل هي شبكة الصرف الصحي كونها السبب الرئيسي وراء العديد من الأمراض التي يعاني منها المخيم, الناس في المخيم يعانون من صعوبات معيشية وبطالة هائلة وحرمان شديد, ان معظم المساعدات المقدمة لسكان المخيم تأتي من التكافل الاجتماعي حيث لا توجد جهة اعانة محددة. موظف سابق في وكالة الغوث قال ان خدمات الوكالة لم يبق منها إلا عمال النظافة, كانت وكالة الغوث (الأونروا) في السابق أكثر نشاطا وحضورا من خلال توزيع المؤن والمساعدات والخدمات العلاجية. الآن نشهد نقصا واضحا في الخدمات الصحية, لم تعد الأدوية والعلاجات متوفرة كما ان الوكالة لم تعد تعين في التحويل إلى المستشفيات الحكومية وحتى الخاصة حين كانت الضرورة تتطلب ذلك, تقلصت الخدمات وتقلص العاملون في كل مرفق من مرافق الوكالة, فكل مرفق كان يحتاج إلى عشرين عاملا أبقوا فيه على اثني عشر منهم فقط كحد أقصى, وكذلك الحال في ميدان التعليم, تقلص عدد المعلمين رغم ازدياد ضغط الطلاب في المدارس وعدم وجود توسعة في المباني. والمخيم ليس فيه سيارة طوارئ واحدة! إذا حدثت مشكلة صحية طارئة لأي انسان فإن عليه انتظار قدره حتى استدعاء اسعاف من مدينة جرش. موظف آخر أضاف في حديثه معنا ان مرافق العمل في الوكالة تشهد ضعفا في أعداد العمال ولا زيادة في الرواتب, وكبار الموظفين هم الكاسبون الوحيدون حيث الرواتب المرتفعة جدا على حسابنا نحن صغار الموظفين. والأهم ان مشكلة المخيم تتمثل في عدم وجود شبكة الصرف الصحي, فالقنوات المكشوفة هي مصدر الأمراض الجلدية والتنفسية والحمى الناجمة عن جرثومة السانمونيلا بسبب شرب ولعب الأطفال بمياه الصرف الصحي المكشوفة في الشوراع للمخيم. كان هذا الموظف البسيط يتحدث بحدة عن الفئران والقاذورات وتراكم النفايات, وخطرت ببالي فكرة انه لو لم يكن المخيم فوق مكان مرتفع لاختنق الناس فيه!.. وبالمناسبة فإن المنظر الطبيعي المحيط بالمخيم آسر جماليا إذ ان الجبال الخضراء المحيطة به تضفي على الصورة روعة غير معهودة, معنى ذلك ان المخيم يشكل بؤرة فقيرة بائسة في أحضان الطبيعة الساحرة. قال لنا أسامة الجوهري وهو موظف مختبرات: اننا نعاني من البطالة, لا يوجد عمل, وبما انه لا وظائف لنا إلا في الوكالة التي تعاني من ضغط كبير يضاف إليه (الواسطة) فتصبح النتيجة كما قلنا منذ البداية ازدياد البطالة المنتشرة, ففي كل بيت شاب أو أكثر انهى الدراسة الجامعية وجلس في المنزل بلا عمل ينتظر الفرج. وجدير بالذكر ان نسبة التعليم في المخيم تتعدى الـ 85% هناك مهندسون وأطباء وخريجون في مختلف التخصصات والكل بلا عمل ما يمكن ان نكتب عن مهندسين وأطباء يلعبون الورق وتأكلهم البطالة, والبطالة قاتلة ذلك انها مرض اجتماعي اقتصادي خطير ومخلفاته على المدى البعيد أكثر خطورة . ومشكلة أهل المخيم جميعا تتمثل في أنهم يحملون وثيقة أهل غزة (الوثيقة الفلسطينية) التي لا تمكنهم من التنقل والعمل مثل كل الوثائق الملعونة, بالمناسبة فإن 96% من أهل المخيم نازحون و 4% لاجئون. ومهما اختلفت النسبة وتعددت المشكلات فإن المعاناة واحدة (بطالة وفقر) , وخدمات الوكالة في تراجع وخاصة في المجال الصحي حيث تقتصر على رعاية الأمومة والطفولة في حدودها الدنيا وفي عالم تتقدم فيه أشكال رعاية الطفولة والأمومة. الحياة متعبة جمال السيد محمد أبو لبدة العامل في محل لتأطير اللوحات, يعاني هو الآخر من غياب ونقص خدمات الوكالة حيث يقول: (كانت خدمات وكالة الغوث في السابق أفضل وأحسن حجما وأداء, والآن تراجعت كل الخدمات حتى على مستوى النظافة. الحياة متعبة للغاية داخل المخيم, أما عن مستوى الخدمات الصحية المقدمة من قبل مركز وكالة الغوث فقد وصفها أبو لبدة في حديثه معنا انها ضعيفة حيث تقتصر على التشخيص واعطاء بعض الأدوية البسيطة, وهنا علق صبي صغير ــ عامل رغم صغر السن ـ بقوله: ان المركز يعطي الأدوية لحالات الانفلونزا, أما بقية الأمراض فهي ليست اختصاصه! يبدو واضحا من خلال ما استطلعناه في مخيم غزة وعلى أرض الواقع, ان نصيب هذا المخيم من الرعاية القليلة جدا, وهو ما أشار إليه أهل المخيم بألم ظاهر للعيان وبحزن دفين مضى على وجوده في دواخلهم سنوات طويلة, والأمل يحدو سكان المخيم بتحسين البنية التحتية ومعالجة البطالة والفقر كي يتمكنوا من مواصلة الحياة في ظروف أفضل. في مخيم الوحدات (الوحدات) من المخيمات الرئيسية في عمان وربما أكثر التجمعات السكنية اكتظاظا بالناس والحركة, ففيه نشاط تجاري متميز ومتنوع, إذ ان أسواقه تحفل بكل شيء يمكن ان يباع ويشترى, ومحلاته تعج بصناعات وطنية خفيفة من ألبان وأثاث ومواد غذائية وألعاب وملابس. ويقول عنه المتعاملون انه (سوق قائم بذاته) , ويشير الكثيرون إلى صفة التحدي والخلق التي تجعل الناس فيه تصنع أشياء جيدة من السكراب ومخلفات المصانع, فليس غريبا ان ترى مادة مصنعة باتت شيئا من لا شيء! وتجوالنا في الوحدات كان بشأن مهمة محددة هي الوقوف على رأي الناس في خدمات وكالة الغوث المقدمة لهم, وحقيقة لم يكن الأمر سهلا في بدايته, ذلك ان الألم المخزون في نفوسهم جراء المعاناة الطويلة منذ خمسين عاما يحبس نبرات الصوت وتزفر به الأنفاس التي تتصاعد من الأعماق, كأنه تحتج على استمرارية وضع اللجوء المؤقت الذي استمر نصف قرن حافل بالأسى والضيق والأزمات المعيشية والحياتية وكل ما يعني المستقبل المفتوح على كل الاحتمالات. الخدمات تدهورت وإذ اقتربنا من الرجل المسن الذي استقبلنا بترحاب في محله الصغير والمخصص لبيع الخضار, شرحنا له مهمتنا فانطلق بعفوية يقول: أنا لا أريد الأسماء والصور ولست فنانا يريد الشهرة في المقابلات الصحفية, أنا انسان يشكو من ضعف الصحة وضيق ذات اليد في مواجهة متطلبات الحياة القاسية, وأذكر ان وكالة الغوث كانت في بداية الخمسينات تعين الناس بالمواد الغذائية والعينية, لكنها الآن لا تقدم شيئا من هذا, ولولا المدارس والمراكز الصحية لما شعرنا بوجودها بيننا أصلا, واستطعنا طوال هذه السنوات ان نعلم الأولاد في مدارس الوكالة. وهذه مسألة جيدة ومفيدة لنا أما المراكز الصحية فهي حاليا ليست بالمستوى الذي كانت عليه سابقا في مجال تتقديم الخدمة سواء استقبال المرضى أو معالجتهم كما انها أوقفت عملية التحويل في العلاجات التي تتطلب جراحات وعمليات وهذا ما أضاف العبء إلى كاهل الناس الذين لا يتمكنون من العلاج في المستشفيات. حديثنا هذا أثار سيدة ـ في متوسط العمر ــ قدمت نفسها لنا: زينب علي حسن أم لسبعة أولاد, تخرج منهم اثنان هما الآن بلا عمل وهي تتساءل عن مستقبل هذين الشابين وكثير غيرهما وتضيف: ( ان الأهل يمضون سنوات العمر القاسية في انتظار تخرج أبنائهم كي يعيلوا أنفسهم ويرفعوا بعض الحمل عنهم ولكن الكارثة تتمثل في عجز هؤلاء الأبناء المتعلمين عن ايجاد عمل وهذا ما يشعرهم بالفشل ويخلق المشاكل الأسرية ويراكم من المشاكل في المجتمع بأسره. وسألناه عما تعلنه الوكالة عن خلق فرص أو مشاريع صغيرة تحمل اسم (توليد الدخل) عن طريق القروض, فقالت: ( لم نر شيئا من هذا, واستطردت ببساطة قبل ان تخرج :(دلوني عليها) !! البطالة أيضا والبطالة مشكلة أساسية تحدث عنها كثير من المواطنين الذين التقيناهم في شارع النادي بالمخيم حتى أن شابا علق بأسف وأسى قائلا: ان السوق لم يعد يتسع, فيه أكثر من طاقته, فإذا بصاحب محل لبيع الأواني والأدوات المنزلية يشارك بأعلى صوته: وأين هم المشترون؟ ان حركة البيع والشراء ضئيلة والأوضاع الاقتصادية الصعبة تعكس بظلالها علينا جميعا, فلا المحلات التي كانت مزدهرة في السابق تستطيع مواصلة عملها ودفع التزاماتها من ايجار وكهرباء وخدمات, ولا الداخل على المهنة يستطيع عمل شيء, كلنا في دوامة الركود ومطحنة الفراغ تدور! وفيما يخص عمل الوكالة قال أحمد سالم جبرين من العباسية قرب يافا ويسكن في مخيم الوحدات منذ عام 1967م: ان (الأونروا) كانت تقدم خدمات صحية واجتماعية جيدة لكنها الآن تتراجع, فالمراكز الصحية لا تقدم العلاج الكافي للناس, فهي تعاني من قلة الأطباء ونقص الأدوية, أما حاجة الناس للعمليات الجراحية فأمر بات ملموسا على نطاق واسع, ولا يستطيع أحد أن ينكر ان الوكالة تتمثل في التعليم فقط, وعندما فكرت ادارة الوكالة في العام الماضي فرض رسوم على المدارس, احتج الناس بشدة ولم يكن أمامهم غير ذلك لضمان استمرارية هذه الخدمة وهم لا يستطيعون تحمل أعباء اضافية, ولو لم يتوقف فرض الرسوم لاضطرت عائلات كثيرة لسحب أولادها من المدارس وهذا يعني زيادة عدد العاطلين عن العمل وتفاقم المشكلات الاجتماعية. وأبدت معلمات احدى المدارس ملاحظات كثيرة عن نقص خدمات الوكالة إذ قالت احداهن بمرارة: أنا موظفة وكالة وقد تتم محاسبتي إذا ما وجهت ملاحظات قاسية للوكالة, لكن الحقيقة تفرض علي ان أقول ان تقليص عدد العاملين في الوكالة أدى إلى زيادة الضغط على العاملين الباقين أولا كما انه أحد أهم الأسباب الكامنة وراء تراجع المستوى التدريسي وتراجع الأداء في كل عمل , سواء كان في مدرسة أم عيادة أم مركز خدمي, وأضافت: ان الوكالة كانت تقوم بجولات طبية دورية في المدارس, هذه الجولات التي تشمل الفحوص والعلاج لم تعد موجودة الآن مما يضر بصحة الطلاب. وقالت والدة الطالبة هيفاء هاشم عليان التي كانت على مقربة منا وقد حضرت إلى المدرسة لاستلام نتيجة ابنتها: (ان خدمات الوكالة تتمثل اليوم في استمرارية التعليم, أما المجالات الصحية فقد تراجع العمل بها منذ زمن ولطالما اشتكينا من الضغط على العيادات وعدم وجود الأدوية ولكن لا حياة لمن تنادي. ولكن أصعب ما في الأمر ألا يجد أصحاب حالات الاعاقة الرعاية اللازمة من علاج وأجهزة, ونأمل من الوكالة ان تراجع مسيرة برامجها الصحية وتعيد النظر في تطوير خدماتها لكي تعود كسابق عهدها ــ على الأقل ـ ان لم يكن بامكانها ان تقدم كفاءة أعلى في الأداء! الخدمات الاجتماعية ومن شكاوى عديدة تركزت في مجال تراجع الخدمات الصحية إلى ملاحظات في الجانب التعليمي إلى ما يشبه الإعلان الواضح عن غياب الوكالة في مجال الخدمات الاجتماعية على الرغم من ان الوكالة تعلن باستمرار عن أنها تقدم خدمة متميزة في هذا السياق, إذ يقول مطر صقر المدير الاعلامي لوكالة الغوث: ان الوكالة تقدم برامج خاصة لتطوير قدرات المرأة في مجال العمل والانتاج مثل الكمبيوتر والطباعة والدورات التقليدية من حياكة وتطريز , اضافة إلى جانب تنمية الوعي بالحقوق القانونية والمدنية وتقديم الاستشارات في هذا الجانب في مركزي (الحسين والوحدات), وتشكيل مجموعة من المشاريع الصغيرة التي يدخل في نطاق (توليد الدخل) عن طريق منح القروض. لكن (عايدة خالد خلف) من سكان مخيم الوحدات تقول أننا نسأل دائما مراكز الوكالة عن برنامج القروض الذي لم يبدأ بعد ونطمح فعلا للاستفادة منه, فلدينا القدرة على تنفيذ مشاريع تنموية صغيرة ولكننا بحاجة إلى الدعم, وأنا أتحدث نيابة عن مجموعة من الشابات في عمري, نسعى دائما للحصول على قروض ميسرة وبسيطة لخلق مشروعاتنا ونأمل أن تبدأ الوكالة بتنفيذها. التحسين لا التوطين من جانب آخر, أشار يوسف عوض من سكان المخيمات الذي تحدث إلينا وقال: ان المراكز الاجتماعية تسعى لتقديم الاستشارات القانونية للنساء في المخيمات, كما تنظم ندوات للتوعية بحقوق المرأة وتطوير أدائها وفعاليتها في المجتمع, ولربما تتحسس النساء هذا الأمر ببطء ولكنه موجود, إلا ان حقيقة تراجع خدمات الوكالة يتمثل في الجانب الصحي, وبروز مشكلة البطالة بين الشباب, فالعنوان الرئيسي لأحاديث الناس في المخيم هو ان الشباب يتعلمون ويتخرجون وتواجههم مشكلة البطالة, لا وجود لفرص عمل حقيقية تنتشلهم من الضياع والفراغ والاحباط. وانضم إلينا جابر محمد خليل الذي شرح لنا بتأثر واضح حالات البطالة بين الشباب الذين يتسكعون في الشوراع ويجلسون في المقاهي دون أمل! وكلهم يسألون: وماذا بعد؟.. لا أحد يمتلك القدرة على الاجابة في ظل أوضاع معيشية صعبة وعدم وجود آفاق للمستقبل القادم. وتتعالى المطالبة بتحسين أوضاع المخيمات المعيشية كي يخرج الناس من دائرة الضيق الشديدة, والتحسين لا يعني التوطين, فحق العودة إلى فلسطين أمر لا يناقش ولا يقبل المساومة بأي شكل من الأشكال, ومن مشاريع تحسين خدمات البنية التحتية هي مسألة تقع في سياق حزمة الأمان الاجتماعي (كمشروع وطني طموح على مستوى الأردن من الرمثا إلى العقبة وهي موجهة للأماكن الأشد احيتاجا والأكثر فقرا, كما قال لنا د. ابراهيم بدران مدير عام دائرة الشؤون الفلسطينية الذي استنكر ربط البعض لهذه المشاريع بالحل النهائي لقضية اللاجئين ورأى أنه على العكس من ذلك, فإن حق العودة السياسي والقانوني هو رهن بمفاوضات الحل النهائي أما تحسين الحياة داخل المخيمات فهو لحل مشكلات الحياة اليومية للاجئ الذي كلما تحسن وضعه أكثر تمكن من المطالبة بحقوقه بشكل أفضل. لقد ركزنا في جولتنا بين الناس على الحديث عن خدمات الوكالة وتقييم الجمهور لها فكانت اجاباتهم توكد وجودها الفعال في التعليم فقط, كما انهم أشاروا إلى غياب لجان تحسين المخيمات عن أرض الواقع على الرغم من اعلان لجنة تحسين المخيم باستمرار عن انها تقوم بمهماتها المناطة بها وتقوم بسد النقص الحاصل من قبل أجهزة الوكالة, وقد يشعر الناس بالخدمة بطيئة أو متعثرة, ولذلك أسباب ففي مقابل تنامي أعداد اللاجئين وازدياد حاجاتهم ليست هناك موازنة كافية لتسديد الاستحقاقات المطلوبة, والناس يتحدثون في الخدمات التي كانت تقدمها الوكالة بشكل مباشر كالمواد العينية والمؤن وغيرها, وهذه كانت تأتي على شكل تبرعات إلا ان الأمر الآن مختلف. أحمد ابراهيم عثمان اختصر الأمر بتركيز شديد وقال لنا: (هناك غياب لجنة تحسين المخيم, الوكالة خدماتها قائمة في التعليم, أما المراكز الصحية فقد تراجعت خدماتها ومراكز رعاية الأمومة والطفولة تواصل عملها في هذا المجال بتقديم الخدمة للنساء وتطعيمات الأطفال, وفيما عدا ذلك فإن الخدمات متراجعة وشحيحة إن لم تكن غائبة تماما. عمان ــ البيان