الأزمة التركية ــ السورية كما تبدو للعيان تشهد (وقفة) في التصعيد, وترائيات انفراج, لكن هل يقتلع رحيل عبد الله أوجلان جذور الخلل في العلاقات العربية ـ التركية بعامة, ويبلور ضمانات عدم احتدام النزاع مجددا بين أنقرة ودمشق ؟ حتما الاجابة تكمن في التاريخ الذي بات في متناول الجميع, هذا التاريخ الذي رسمته قوى استعمارية متعاقبة نجحت فيه بزرع بذور صراعات تثور وتخبو حسب مخططات قوى الاستغلال الناشئة. لكن آن لنا ـ ولو على سبيل المحاولة ـ تفكيك الخلل إلى عناصره الأولى علّ البحث عن حلول, يكون شموليا وواقعيا دون تخدير يخدم استمراره. لواء الاسكندرونة المسلوخ عن هيكله الأم (سوريا) كان جذر الصراع الذي ولد توترا بات معه التعامل مع مسألة المياه واقتسامها مشوبا بعدائية تحمل الملامح الصهيونية التي تؤسس خططها تجاه دمشق على تركة كمال أتاتورك. عملت أنقرة (المعلمنة) على تغيير الطابع الديموغرافي للاسكندرونة لاحتواء أية ثروات محلية ضدها, فبات الاحتكام لـ (حق تقرير المصير) الدولي لا يشكل الحل العادل للعرب الذين باتوا مطالبين ازاء هذا الوضع بالضغط إلى اعادة هذا العامل لما كان عليه في السابق كي يختار سكان اللواء المطموسين مصيرهم بحرية. أما المياه, فلم تلفح لجان ومكاتب الجامعة العربية المتخصصة عبر تقاريرها ودراساتها وصراخاتها المتتالية في جعل هذه المسألة على رأس أولويات العمل العربي المشترك والتي هي أهم جدا من التناقضات السياسية بين أنظمة الحكم. لا تحول الخلافات حول الاجتهادات السياسية بين العراق وسوريا مثلا دون الاتفاق المطلق حول خطر العطش وقتل الاقتصاد على الدولتين جراء تحكم تركيا بمياههما, إذ يكفي صاروخ يحل (خطأ) على سد أتاتورك لاغراق بغداد, فيما يصبح مصير سوريا مهددا إذا جففت تركيا مياه الفرات بالتزامن مع هيمنة اسرائيل على مياه اليرموك ومنابع الجولان. تركيا تركب الموجهة الاسرائيلية التي تحظى بتعاطف وتقدير الغرب وتأييد الولايات المتحدة لاختراق الاتحاد الأوروبي وتعزيز مكانتها في (الأطلسي) , اضافة لبروزها على الانقاض العثمانية كقوة اقليمية في الشرق الأوسط, واسرائيل تحكم عبر تركيا ومخططاتها في القرن الافريقي قبضتها على العرب , وتطرح على سوريا في عز الأزمة أفكارا للتسوية السلمية أقرب للفرض في ظل موازين القوى الناشئة. قضية المياه والاسكندرونة, تلزم العرب بخطط مشتركة تفرض نفسها على المجتمع الدولي, ومن خلاله تعقد اتفاقات مرسومة بأحكام تضمن اقتلاع جذور النزاع. لكن ذلك كله يبقى شعارات في غياب (ردع عربي) مل من تصنيفه كحلم لا ينال!