أكد الزعيم الصومالي حسين عيديد أهمية مقررات مؤتمر بيدواه الذي سيعقد في يناير المقبل مشيرا الى انه سيشهد ولادة صومال جديد ديمقراطي عربي اسلامي ويضع حداً لعهد الاقتتال الطائفي والقبلي . وفي لقاء شامل مع (البيان) تحدث زعيم تحالف الصومال الموحد, وابن السادسة والثلاثين ووريث والده محمد فرح عيديد على السلطة في الصومال عن العديد من القضايا التي يواجهها الصومال واجاب حسين عيديد عن تساؤلات المجتمع الدولي وكشف عن علاقته بوالده وبالعالم العربي والاسلامي وبالقوى الكبرى وفي طليعتها الولايات المتحدة الامريكية التي قضي فيها اكثر من سبع عشرة سنة نافيا في الوقت نفسه ان يكون من فصيلة الزعماء الافارقة الجدد الذين جهزتهم واشنطن لتحكم بهم مقادير القارة السمراء. وفيما يلي نص الحوار الذي جرى اثناء وجود حسين عيديد في زيارة الى اليمن وتنشره (البيان) بالتزامن مع صحيفة (الوطن) القطرية: - هل استطيع مخاطبتكم باضفاء لقب (السيد الرئيس) ؟ وهل مؤتمر (بيدواه) المقبل سيبوئك لهذا المنصب في الصومال اعتبارا من شهر يناير المقبل؟ ــ شكرا على لطفك ان خاطبتني بلقب الرئيس... لكني لا استطيع القول بأنني الرئيس الصومالي المقبل, الا بعد ان يتخذ مؤتمر (بيدواه) قراره في ان اكون الرئيس, او يكون غيري.. فخلال هذا المؤتمر سيتواجد 465 عضوا من جميع الفصائل الصومالية والتنظيمات السياسية, اما بالنسبة لممثلي حركة مؤتمر الصومال الموحد التي ارأسها بالاشتراك مع علي مهدي محمد فسيكون نصيبها 20% من هؤلاء المؤتمرين... كما ان لدينا حلفاء في بعض المجموعات الاخرى غير المنضوية تحت لواء تحالفنا الذي يجمع ثماني منظمات صومالية... وهؤلاء سيصوتون لنا بالطبع, وسيكونون من حلفائنا في وجود ديمقراطي جاد ان شاء الله. - هل نستطيع القول بعد الآن... ان عهود الاقتتال الصومالي قد ذهبت بدون رجعة... وسيولد من رحمها صومال جديد؟ ــ عندما تنتهي التدخلات الاجنبية سينتهي الصراع, وسيولد صومال ديمقراطي, مستقل ومسلم وقومي عربي... لقد خاض الشعب الصومالي كفاحا مريرا... خصوصا في الثماني سنوات الاخيرة ضد الديكتاتورية, ولهذا فان الحكومة المقبلة ستنشأ من رغبة الشعب, وستنهي اطماع القوى الاجنبية التي لم يكن همها سوى الاستيلاء على خيرات الصومال, وايداعها في البنوك السويسرية. - لم تبلغ من السن سوى ستة وثلاثين عاما.. هل تعتقد ان هذا نقطة ضعف ام نقطة قوة امامك؟ ــ يطيب لي ان اوضح بأنني سأبلغ سن السادسة والثلاثين في شهر اغسطس المقبل ان شاء الله, ودعني اقول ان اول رئيس صومالي بعد الاستقلال كان عمره اربع وثلاثين سنة... كما ان الدستور الصومالي يجيز للرئيس ان يكون في تلك السن, هذا اضافة الى ان الفضل الاكبر في الكفاح الصومالي ضد الحكم الديكتاتوري يعود الى الشباب, كما كان الشأن بالنسبة لحزب وحدة الشباب الصومالي الذي حارب الاستعمار. اذن كما ترى فان ثقافة الشعب الصومالي, السياسية, تقدر الشباب, وتضع على عاتقه المهمات الجليلة, كما انني اخترت رئيسا للتحالف الصومالي الذي يمثل ثمانية عشر تنظيما على اساس ما حصلت من خبرة مع والدي. - ماهو تقييمك بشكل عام, للجهود العربية التي تم بذلها من اجل انهاء مأساة الصومال؟ ــ نحن نتقدم بالشكر الجزيل الى كل من ساهم ويساهم في حل الازمة الصومالية, وخصوصا الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي اهتم كثيرا بنا خلال السنتين الاخيرتين, وكذلك الرئيس المصري محمد حسني مبارك الذي اتسع لنا صدره اربعة شهور كاملة في القاهرة, حتى استطعنا تهيئة الاجواء المناسبة للمؤتمر, كما بادرت مصر بفتح سفارة لها في الصومال, وكذلك الزعيم الليبي معمر القذافي, الذي ساعدنا ايضا بكل اخلاص. وبشكل عام نشكر جميع الدول العربية التي قدمت لنا الدعم المالي عن طريق صندوق الصومال في الجامعة العربية, مثل قطر وسلطنة عمان... ونشكر الدول الاخرى التي ساعدتنا معنويا بفتح سفارات لها في مقديشيو كعلامة على وقوفها الى جانب شرعية الصومال. - تحدثت عن الدور المصري في حل الازمة الصومالية... ما اهمية الدور الامريكي فيما توصلت اليه من وفاق؟ ــ لا اعتقد ان للولايات المتحدة الامريكية الان دور يذكر... لكن كانت واشنطن حاولت المساعدة بعملية واعادة الامل التي تلت خروج سياد بري, ودامت حوالي ستة اشهر, وقد انتهت هذه المحاولة بالفشل اثر بعض الانحرافات التي حدثت خلالها وعلى اي حال فقد تقدمت الادارة الامريكية باعتذار الى المرحوم والدي فرح عيديد وبما اننا مسلمون, كان علينا العفو عند المقدرة. - هل تنفي بذلك اي ترتيبات امريكية في المسألة الصومالية؟ ــ لم نجتمع قط مع مسؤولين امريكان, لكن كانت تصلنا رسائل عبر سفارتهم في القاهرة, تشجعنا على تحقيق المصالحة, وتؤيد اتفاقية القاهرة, والاتفاقية مع دول (ايجاد) مع الحكومة الاثيوبية, واستطيع القول هنا انه بعد فشل المبادرة الدولية المعروفة باسم (يونيهوم) تحولت القضية الصومالية, من قضية دولية, الى قضية اقليمية, غير مسموح لاطراف بعيدة عنها جغرافيا بالتدخل فيها. - مازال المراقبون, يذكرون وقائع الهزيمة المنكرة التي تعرض لها الجنود الامريكان في الصومال أثناء عملية اعادة الامل وذلك على يدي والدك المرحوم فرح عيديد, ماهي خلفية تلك الحادثة, وانعكاساتها؟ ــ الاحداث التي جرت في تلك الفترة يمكن وصفها بالتاريخية, فالمرحوم محمد فرح عيديد كان خلالها يذود عن مبادئ الاسلام والعروبة, وفي البداية عندما جاء الامريكان رحبنا بهم لاننا كنا نريد ان ينصرونا على الديكتاتورية... لكن تغيرت الاشياء عندما احسسنا ان الامريكان ارادوا التدخل في الشؤون الصومالية مستغلين مظلة الامم المتحدة, وحينها فان الرئيس الحالي بيل كلينتون في بداياته معنا, حيث ورث ملف الصومال من سلفه, ولم تكن لديه الخبرة الكافية في التعامل مع هذا الملف. ولأول مرة في تاريخ منظمة الامم المتحدة, كانت قواتها تلعب دور الشرطي وليس دور حفظ السلام, مما فتح الباب لتدخل امريكي غير عادل احس منه الصوماليون بسوء النية, فواجهوه كما واجهوا الديكتاتورية, وانتهى ذلك بفشل المخطط, وبانهاء عملية (اعادة الامل) في الرابع من اكتوبر من سنة 1993 من طرف الشعب الصومالي. بعدها ادركت الولايات المتحدة الامريكية خطأها, فبعثت باعتذار رسمي إلى والدي, واكدت اعتذارها بوضع طائرة خاصة تحت امره تولت نقله إلى مؤتمر لاحق في اديس ابابا, علما بأن خسارة واشنطن في تلك المحاولة بلغت زهاء الثلاثة مليارات دولار, لكن الشعب الصومالي خسر 13 الف شهيد في خمسة اشهر, كما تم تدمير معظم معالم العاصمة, لذلك وصفت ما حدث آنذاك بأنه حدث تاريخي حاسم, لان الشعب الصومالي احبط المخطط الامريكي في المنطقة. - حسنا ما هي اوجه الخلاف بينك وبين والدك محمد فرح عيديد من ناحية العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية, خصوصا وانك تابعت دراستك العليا هناك, وتربيت في الحضن الامريكي كما يقال؟ ــ المسألة ليست شخصية, فأنا امثل كفاح شعب كامل, وعندما كان عمري تسع سنوات, سجن سياد بري والدي, وعشت في وضع غير عادل, كما توجهت إلى الولايات المتحدة الامريكية لمزاولة تعليمي العالي في سنة ,1979 وحملت إلى هناك بيئتي التي حاربت الديكتاتورية والفساد على مدى 21 سنة, وفعلا, فقد عشت في الخارج قرابة الثماني عشرة سنة, لكن هذه السنوات اعطتني خبرة محترمة في السياسات الخارجية, وكما تعلم فان السياسات الخارجية اصبحت معقدة جدا الان, وذلك يستوجب فهما لعقلية الدول الكبرى في التعامل مع قضايا الدول الاخرى. - هل تريد القول بأنك لست من فصيلة الزعماء الافارقة الجدد الذين تجهزهم امريكا لحكم مقادير افريقيا؟ كما يروج؟ ــ انا اولا صومالي الهوية, درست تعليمي الاساسي في مقديشيو بالنظامين الايطالي والعربي, ثم انهيت تعليمي في دراسة الهندسة المدنية في كاليفورنيا, كما عملت بصفة مهندس مدني هناك, وخدمت مع (المارينز) لمدة عشر سنوات بالصفة نفسها, ومع كل هذا فأنا صومالي, اختلف في وجهات نظري من قضايا عديدة مع بعض الزعماء الذين اشرت اليهم, دافعي في ذلك هو تاريخ ابي الحافل بالنضال من اجل مصلحة الشعب الصومالي وسط محيطه الافريقي والعربي والاسلامي, كما ان تجربتي في الولايات المتحدة الامريكية افهمتني اللغة التي يجب اتباعها للتفاهم مع القوى العظمى في العالم, واتمنى ان اضع ما تعلمته في خدمة شعبي, بان ابني جسرا بين الصومال والعالم الخارجي. فقد تعلمت ان في السياسة هناك ثلاثة اشياء مهمة, هي المادة والقوة العاملة والمعرفة, وبالنسب لي فاني سأحاول بناء الصومال على هذه القاعدة, لكي تعيش الاجيال اللاحقة في حال افضل من الحال الذي عاشته الاجيال السابقة. - عندما حصلت حادثة التنكيل بجنود المارينز في الصومال كنت تشتغل مهندسا مع (المارينز) في كاليفورنيا, كيف كان رد فعل زملائك تجاهك حينها؟ ــ لقد كان ذلك امرا مؤسفا, وقد استاء الشعب الامريكي اولا من حكومته, حيث لم يفهم هذا الشعب لماذا تستخدم حكومته كل هذه القوة ضد شعب صغير وضعيف. وعند نهاية الاحداث, تم استدعائي من طرف جهات معنية, وابلغتني هذه الجهات اسفها لما حصل في بلدي, معترفين بالخطأ. - يلاحظ المراقبون, نشوء بعض الحركات الدينية المتطرفة في بعض الدول الافريقية, كيف تنظر اليها؟ وما هي حظوظ نموها في افريقيا؟ ــ نحن مسلمون, وتعود جذورنا إلى تاريخ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم, وبالتالي فاننا مثل سائر دول القرن الافريقي, ندين بالاسلام المتسامح, ونقف ضد كل الحركات المتطرفة التي تستغل الاسلام لاغراض سياسية واقتصادية في الاساس, ونأسف لكل محاولات استغلال سيء لهذه الديانة السمحاء التي جيشت الشعب الصومالي ضد الاستعمار وضد الديكتاتورية. - هل لك ان تشرح لنا سبب تواتر اندلاع النزاعات المحلية والاقليمية بشكل لافت في افريقيا؟ ــ اساس هذه النزاعات, هو اطماع الدول الكبرى التي تعلم ان طريقها إلى استغلال ثروات البلدان الافريقية الناشئة, هو اثارة الفتن القبلية, والعرقية, فمثلا اذا كانت هناك شركة نفطية معينة تريد مصلحة ما, فإنها تدعم قبيلة ما بالسلاح وبالمال وتثير نعرتها ضد قبيلة اخرى في البلد نفسها, ويحدث ما يشبه الغيرة بين القبائل فتنشب الصراعات الدامية التي تصب في الاخر, في مصلحة هذه الشركة, أو ذاك البلد. والان تحولت الدول الاستعمارية إلى طريقة اخرى, تعتمد تسليح دولة, وايغار قلبها على دولة جارة لها وتزيين طريق التدخل في شؤونها بشتى الطرق, كما دخلت على هذا الخط ايضا منظمات غير حكومية, لكنها تخدم اهداف دول بعينها. لكن لحسن الحظ فان شباب افريقيا الصاعد يفطن إلى هذه الاساليب, وهو من خلال نضاله يبحث عن نوع من التوحد الافريقي ضد الاطماع الاجنبية. - في نفس سياق التوحد الافريقي يأتي سؤالي الاخير, حول دعوة العقيد معمر القذافي مؤخرا لعقد قمة افريقية طارئة تهدف للنظر في امكانية قيام وحدة افريقية عاجلة, كيف تنظر إلى هذا الامر؟ ــ هذه دعوة مهمة جدا, فعندما نتيح للدول الافريقية ارتباطا اقتصاديا وسياسيا ودفاعيا واحدا, تقل مخاطر التقسيم الحالي, وقد كان المرحوم محمد فرح عيديد توجه بنفس هذه الفكرة في سنة ,1988 فالدول الافريقية كلها في قارب واحد, ومن مصلحتها التكتل والمشي نحو الاندماج, لكي يمكن لها مخاطبة العالم من موقع قوة؟ - هل اطلعك العقيد القذافي على خطته للوحدة الافريقية, وما هي اهم معالمها؟ ــ نعم .. نعم اطلعني الاخ العقيد على برنامجه هذا, وهو يقوم على توحيد نصف القارة الافريقية الشمالي, وان يكون لهذا الهيكل علم موحد, على طريقة الاتحاد الاوروبي, أو مثل الاتحاد الموجود في شمال امريكا. واذا لم تتوحد دول افريقيا المتخلفة, فانها ستظل كذلك إلى الابد, خصوصا وانها مهددة بسائر المخاطر الطبيعية منها والاصطناعية. - هل تعتقد ان هناك فرصة جدية لمثل هذا المشروع؟ ــ لم لا اذا توافرت النية الطيبة لدى الجميع, وعموما فان الفرصة متاحة للتدرج في هذه الخطة, كأن يبدأ شرق افريقيا في التوحد, وذلك في انتظار ان تسنح الفرصة لوحدة كاملة. حاوره في صنعاء فيصل البعطوط