في مرة سابقة, تناولنا اختيار العماد اميل لحود لرئاسة الجمهورية اللبنانية من زاوية تطابقه مع المزاج الشعبي العام في البلاد والتوق الشعبي الى تغيير , رهانا على مواصفات الرجل وتجربته ويبدو لنا الآن ان ثمة حاجة الى امعان النظر ملياً في الابعاد والدلالات السياسية لهذا الاختيار, في المدى المباشر على الأقل, في محاولة لرسم ملامح اولية للعهد المقبل. ومن متابعة المواقف التي صدرت في اعقاب وقوع الاختيار على العماد لحود رئيساً للجمهورية, يمكن ملاحظة ان تأييد هذا الاختيار, هو تأييد عابر للطوائف.. والمناطق, بمعنى ان هناك ظاهرة اختلاط لبناني في تأييد وصول لحود الى رئاسة الجمهورية. ومن متابعة المواقف ايضاً, يمكن تسجيل ترحيب مسيحي اجمالي بلحود رئيساً. العميد ريمون اده لا يؤيد لحود رئيساً انطلاقاً من موقف (مبدئي) درج عليه منذ عقود يرفض بناء عليه وصول عسكري الى سدة الرئاسة, فيما يعتبره تناقضاً مع الديمقراطية زادت هواجسه منه بالعلاقة مع التجربة الشهابية. غير ان (النشاز) مثله صوت الجنرال ميشال عون لاسباب لا تتصل بأسباب العميد اده, بل تندرج جميعاً في اطار القراءة غير الواقعية للواقع السياسي وآفاق تطويره. صحيح ان معظم المواقف المسيحية سجلت مأخذا على طريقة الاعلان عن اختيار لحود اي على اخراج هذا الاختيار.. وهذا المأخذ قابل للتفهم خاصة انه كان يمكن تفاديه, غير ان معظم المواقف المسيحية تعاملت ايجاباً مع العماد. البطريرك نصر الله صفير منحه بركته ووجده يتطابق والمواصفات التي وضعها قبل الآن.مجلس المطارنة الموارنة سار في الاتجاه نفسه, دوري شمعون لم يتخذ موقفاً سلبياً قاطعاً من لحود, وكذلك فعل الرئيس السابق امين الجميل.. يمكن القول اذن ان هذا التعامل المسيحي ـ الماروني المنفتح مع اختيار العماد لحود, يؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي مع السياسة والنظام السياسي. العماد لحود القوي شعبياً, قوي مسيحياً ايضاً, وهذا ما يمكن اعتباره عامل دعم اساسي له: يستطيع رئيس قوي في بيئته ــ الطائفية ــ ان يكون قوياً على نطاق عابر للطوائف, اي انه يستطيع ان يشكل ضمانا لطائفته على غير ارتهان لخانتها, ويستطيع ان يساهم في بلورة توازن لبناني, ويستطيع ان يكون على مسافة من التناقضات الطائفية, ويستطيع ان يضع حداً لـ (المحاصصة) ... مما يعطيه قدرة على الخوض في اصلاح اداري (ما) يحتاجه البلد, اميل لحود القوي شعبياً, ومسيحياً, هو احد رموز المسيحيين الذين يقيمون علاقة جيدة مع سوريا, مما يعني انه الرجل المناسب لمرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية ــ السورية تتأسس على فكرة الضمانة اللبنانية الذاتية لهذه العلاقات. هذا في البعد الاول او الدلالة الاولى. وماذا بعد؟ عندما نلاحظ أن تأييد العماد اميل لحود رئيساً كان تأييداً عابراً للطوائف, فهذا معناه ــ في اعتقادنا ــ ان ثمة فرصة لتعزيز الوفاق الوطني, او لنقل فرصة لدينامية وفاق في لبنان, على ان ما نود تسجيله بقوة في هذا المجال, هو ان وصول العماد لحود الى رئاسة الجمهورية وهو وصول وفاقي بامتياز, يفتح باب تطوير التمثيل السياسي المسيحي في النظام والسلطة, اي انه يكرس انتقال الوضع المسيحي من (الاحباط) الى المشاركة. وبذلك لا يتعزز الوفاق فقط, انما تتوسع قاعدة نظام الطائف ويتجدد. مع مجيء لحود الى رئاسة الجمهورية تتوسع قاعدة النظام ويتجدد هذا النظام.. اي ان نظام الطائف يبدو سائراً الى اكتساب قوة متجددة.. خاصة اذا ترافق ذلك مع تصحيح الطوائف كافة لتمثيلها.. بمعنى ان تختار تمثيلها بالافضل والأكفأ, اتجاه النظام ــ مع لحود ــ الى اكتساب قوة متجددة هو البعد الثاني, او الدلالة الثانية. تغيير في التعاطي السوري ولنعترف في هذا السياق بأن اختيار العماد لحود رئيساً والذي ينطوي على الدلالتين السابقتين, انما هو في جانب اساسي منه عنوان لـ (تغيير) ترغب سوريا في حصوله في لبنان, هو عنوان لتغيير ما في لبنان تريده سوريا وترغب فيه, لكنه في الوقت نفسه عنوان لتغيير في الادارة السورية للوضع اللبناني بأي معنى؟ ان توجه سوريا الى رعاية عملية توسيع قاعدة النظام واكسابه مزيداً من القوة, يفيد بما لا يدع مجالاً للشك بأن سوريا في صدد رعاية تأسيس تركيبة سياسية قوية نقيضاً للتركيبة السياسية المفككة, تركيبة سياسية تملك مقومات الاستمرار وتستطيع ان تتولى بنفسها قضايا البلد وملفاته, اي ان سوريا في صدد تقرير ان التركيبة القوية في مصلحتها. بكلام آخر, ان التغيير الذي نتحدث عنه في هذا المجال, هو في رعاية سوريا لتقوية العامل الذاتي اللبناني, اذ تبدو راغبة في التعاطي مع البلد بـ (الجملة) بدلاً من اضطرارها للتعاطي معه بـ (المفرق) . رب قائل هنا, ان النظام ــ نظام الطائف ــ يقوى بعدة عوامل أهمها العامل السوري او ان سوريا تشكل مصدر قوته الرئيسية لكننا ننظر الى الامر من زوايا اضافية, ان ما تستطيع سوريا (اعطاءه) لتركيبة سياسية قوية متماسكة ليس شأناً تفصيلياً, والى ذلك نضيف ان سوريا بذلك, تعيد الاعتبار للداخل اللبناني, وهذا هو المهم, لا بل الاكثر اهمية هنا. بمجيء العماد اميل لحود, منظوراً الىه على اساس كل ما سبق, نبدو كلبنانيين امام فرصة يستعيد معها الداخل اللبناني بعضاً مهما من مقوماته.. ومن هنا اهمية تجدد دينامية الداخل وتبلور توازن وطني ــ سياسي بالديمقراطية, ذلك هو البعد الثالث, او الدلالة الثالثة في سياق تحليلنا. ماذا يبقى من المعارضات؟ ... ولنتقدم خطوات اضافية في عملية سبر اغوار المرحلة المقبلة. ماذا نرى؟ لقد ادى اختيار اميل لحود لرئاسة الجمهورية, الى خلط الاوراق السياسية في البلد, واخترق الترحيب به عدد لا يستهان به من البنى السياسية. نلاحظ هنا ان هذا الاختيار لم يواجه بمعارضة سياسية وازنة وذات حجم. لا نتحدث هنا عن انفراط عقد المعارضة المسيحية الخارجية, وهو قد انفرط قبل الآن على كل حال.. لا نتحدث هنا عن (هذه) المعارضة التي يبدو عدد من اركانها ساعياً الى الانفتاح.. بل الى الانتساب الى النظام مما له معنى عالجناه فيما تقدم, نتحدث اذاً عن المعارضات الأخرى. بعض من هذه المعارضات في طريقه الى تصفية اعماله تمهيداً للانخراط في الحكومة المقبلة, حكومة العهد الاولى, بعض آخر من هذه المعارضات في طريقه الى مواجهة احتمال انسداد الافق السياسي امامه..لماذا؟ ان هذا البعض من المعارضات بنى معارضته على (الشقوق) في النظام السياسي, على تناقضات (الترويكا) , وهذا ما يبدو انه سيسد في المرحلة المقبلة.. وبنى معارضته على افتراض ادارة سورية للعلاقة مع النظام من جهة, ومعارضاته من جهة ثانية, وهذا ما يبدو انه سيسد ايضاً في المرحلة الآتية. بعض المعارضات في طريقه الى الانتقال الى الانتساب الى مؤسسات النظام. بعض آخر في طريقه الى (التفليسة) في الظاهر اذاً يبدو البلد سائراً في وجهة معادلة جديدة: نظام يقوى ومعارضة تضمحل.. اي ان ثمة استقراراً سياسياً قائماً على هذا الاساس لكن هل هذا الاستنتاج المبني على هذه الملاحظة الاولية دقيق تماماً؟ لا نقارب المسألة من زاوية ضرورة وجود معارضة في البلد لاستقامة الديمقراطية فقط. نقارب المسألة لنقول انه بقدر ما يبدو ان المعارضة مضمحلة, يبدو ان هناك فرصة لمعارضة جدية, معارضة لا تركب على اشكاليات معينة لتضرب موقعها بمواقع هذه الاشكاليات فتتضخم.. بل معارضة مستقلة تشكل استقطاباً فتكون عندها قوية. وتتقدم ببرامج في شتى الميادين لا سيما في الميدان الاجتماعي. نظام قوي ومعارضة قوية.. بما يعزز الديمقراطية.. المقصود قوله هنا, ان ما يبقى من المعارضة بعد التحول المرتقب, سيكون امام استحقاق جدي.. بلا تمويهات على مختلف انواعها, وهنا البعد الرابع او الدلالة الرابعة في السياسة لمجيء العماد لحود رئيساً. اذا اردنا ان نوجز, نقول ان اختيار اميل لحود لرئاسة الجمهورية اللبنانية, ينطوي على ذلك كله: فرصة لدينامية وفاق, وفرصة لاستعادة دور الداخل اللبنانية, فرصة لنظام قوي, ولمعارضة جدية وجادة, وبهذا المعنى, يبدو ان اختيار لحود يحقق انجازات فورية من جهة, ويجعل هناك احتمالاً لانجازات في المدى الابعد من جهة اخرى. بيروت ــ نصير الأسعد