تنتاب المرء الدهشة حينما يقرأ ما يحدث لنائب رئيس الوزراء الماليزي ووزير المالية السابق أنور ابراهيم, فتاريخ الرجل في العمل السياسي يشهد له بكفاءة نادرة, كما ان سجل أعماله لانقاذ ماليزيا من الانهيار الاقتصادي جعله محط انظار العالم . ذلك انه اتبع مجموعة من السياسات المالية حالت دون حدوث الكارثة بالاقتصاد الماليزي كما حدث في اندونيسيا. وعلى المستوى الشخصي يشير تاريخه الشخصي الى شخصية نظيفة, أمضى حياته في البحث العلمي والعمل السياسي, فقد ولد أنور ابراهيم عام 1948 وتخرج من الجامعة الام في ماليزيا وهي جامعة الملايا في العاصمة الماليزية كوالالمبور عام 1971 وحصل على درجة البكالوريوس في دراسات اللغة الملاوية وأثناء دراسته الجامعية ظهرت لديه بوادر العمل السياسي من خلال اندماجه في حركات سياسية كمتحدث رسمي في قضايا الفساد السياسي والعدالة الاجتماعية وغيرها, وقام بتأسيس جمعية الشباب الماليزية وترأسها منذ عام 1972 حتى 1982. وخلال قيادته للجمعية عمل على ايقاظ الوعي الوطني بقضايا الحريات المدنية والاصلاح السياسي والاجتماعي. وكان مبدأ أنور ابراهيم هو صهر المجتمع متعدد الاديان والثقافات واللغات في بوتقة ماليزية واحدة تضمن له الحفاظ على هويته الثقافية, وقد بدأ أنور ابراهيم مشواره السياسي عندما أنتخب عضوا بالبرلمان عام ,1982 وفي العام نفسه أنتخب قائدا لجناح الشباب في الحزب الحاكم (امنو) ثم تدرج في العمل الوزاري بدءاً بوزارة الثقافة ثم الشباب والرياضة عام ,1983 وفي عام 1991 عين وزيرا للمالية, وعلى المستوى الثقافي أنتخب أنور ابراهيم رئيسا للمؤتمر العام باليونسكو لمدة عامين وساهم في تأسيس المعهد العالمي للفكر الاسلامي, وكذلك المعهد العالمي للتفاهم الدولي بماليزيا. كما انه كان يشغل منصب رئيس الجامعة العالمية بماليزيا. وفي هذه الجامعة حضرت له أكثر من لقاء علمي كان فيه نموذجا لعالم الاقتصاد ورجل السياسة وأستاذ الجامعة الذي يسعى لجعل ماليزيا نمرا آسيويا لا حدود له, وكان يرى في الاسلام البديل المعاصر للحضارة الغربية. وقد عرف عنه بين أساتذة الجامعة قدرته على التعامل مع الاسلام من منظور عصري يؤمن بالتعددية الثقافية والتسامح الاخلاقي والتفاعل الحضاري وشمول الاسلام لقضايا الدين والدنيا والسياسة والاقتصاد والفلسفة والاخلاق وغيرها وقد ساهمت رؤيته هذه في خلق نسيج يصهر الاقليات العرقية المختلفة في ماليزيا. إذ يشكل الماليزيون 44% من تعداد السكان البالغ 14 مليون نسمة, في حين يشكل الصينيون 36% وتصل الاقلية الهندية الى 10%, بالاضافة الى أقليات أخرى عديدة في مثل هذا المجتمع المتعدد الأديان والثقافات والاجناس ليس من السهل التعامل معه سياسيا ما لم تكن هناك رؤية علمية تسمح بالتعايش السلمي بين الطوائف والملل المتباينة. وفي عام 1993 أنتخب أنور ابراهيم نائبا لرئيس الحزب الحاكم ونائبا لرئيس الوزراء محمد مهاتير. الصدمة وكانت صدمة رجل الشارع في ماليزيا كما في غيرها من بلدان العالم عندما تم عزل واعتقال أنور ابراهيم على يد رئيس الوزراء ووزير الداخلية في الوقت نفسه, لتهم حتى الآن لم يتم التحقيق بشأنها ولاتزال معروضة أمام القضاء, والواقع ان أنور ابراهيم نفسه لم يكن يصدق ان يتم اعتقاله ووضعه بالسجن على يد الرجل الذي أخلص له طيلة حياته على الرغم من وجود بعض الاختلافات في الرؤى الاقتصادية التي ظهرت بينهما أثناء الأزمة المالية, الا ان ذلك لم يمنع من اعتراف أنور ابراهيم بأن شيئا مما حدث لم يكن متوقعا من طرف رئيس الوزراء الذي نصحه بتجاهل الشائعات التي نشرت في كتاب ضم كل التهم الموجهة ضده. النجاح الماليزي وراء الأزمة تشير كثير من التحليلات الى التدخل المباشر للولايات المتحدة وللمنظمات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي في الوقيعة بين رئيس الوزراء وأنور ابراهيم للاطاحة بالأخير أولا, ودخول الدولة في دوامة الصراعات السياسية التي لا يعرف مداها إلا الله ثانيا. فقد أبهرت ماليزيا العالم بتجربتها الاقتصادية من جانب آخر لدرجة جعلتها نموذجا يحتذى. ولا أنسى تصريحات رئيس الوزراء المصري وغيره من السياسيين في مصر والعالم الاسلامي بأن ماليزيا تمثل النموذج الذي ينبغي الاقتداء به اقتصاديا وثقافيا وسياسيا. ففي المجتمعات التي تتعدد فيها الاقليات الثقافية يمكن ان تتجه نحو الصراع الدموي أو التفاعل البناء القائم على التسامح والاعتراف بالآخر, وقد نجحت ماليزيا في النهج الثاني بفضل سياسة الحكومة الماليزية التي أتاحت لكل أقلية الحق في ممارسة طقوسها الدينية وحقوقها السياسية مثلما قامت هي الاخرى بتطبيق الشريعة الاسلامية بأسلوب عصري ضمن استقرار المجتمع وتحفز أقلياته لتحقيق مكان ومكانة أقوى في ظل المنافسة الاقتصادية والسوق المفتوحة التي انعكست في خطة عام 2020 والتي اشتهرت بها الحكومة الحالية. ويبدو ان المنظمات الاقتصادية العالمية أبت إلا ان تقع ماليزيا في مستنقع الصراعات والانقسامات السياسية نتيجة تحديها وقدرتها على الفكاك من أزمتها الاقتصادية, وقد بدا واضحا ايضا في التوجه الأمريكي نحو استثارة الشعب الماليزي ضد الحكومة واعلان عميق قلقها عن حق أنور ابراهيم في الحصول على محاكمة عادلة ورغبتها في محاكمة المسؤول عن اساءة معاملته وضربه في المعتقل بأسلوب لا يليق بتاريخ الرجل ومكانته الدولية ونتيجة لهذا الشحن الدولي وصدمة الشارع غير المسبوقة في ماليزيا تطور سيناريو الاحداث في شكل ائتلاف للأحزاب السياسية يضم أربعة أحزاب معارضة تناهض الأداء الحكومي وتسعى للتغيير السياسي, بالاضافة الى اتحاد يضم 12 منظمة أهلية (غير حكومية) وشعار هذه الجبهة المشتركة هو الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الانسان. غموض المستقبل وفي مثل هذه الأزمات السياسية قد يكون مشروعا طرح التساؤلات الآتية: 1ــ ألم تتعلم شعوب وحكومات الدول المستضعفة الدرس خلال تاريخ طويل من المؤامرات الدولية التي استهدفت حاضر ومستقبل هذه الشعوب, ثم ألم تدرك شعوب هذه الدول وحكوماتها خطورة التدخلات الاجنبية في اثارة القلاقل الداخلية. خاصة ان بلدا مثل ماليزيا خضع للاستعمار منذ مطلع القرن السادس عشر على يد البرتغال عام 1511وفي مطلع القرن السابع عشر على يد الهولنديين عام ,1618 وفي أواخر القرن التاسع عشر على يد الانجليز عام 1874. 2ــ هل هناك علاقة بين نجاح ماليزيا في تطبيقها وممارستها للاسلام بأسلوب ديمقراطي معاصر وبين ما يحدث لها الآن؟ 3ــ لماذا انفجرت كل هذه الاتهامات مرة واحدة ضد أنور ابراهيم في توقيت صعب؟.. وألم تكن تعلم الحكومة شيئا عن أخلاقه وأسلوب حياته الشخصية؟ 4ــ هل يتمتع القضاء الماليزي باستقلالية وحيدة تامة عن الحكومة تسمح له بالتحقيق العادل في هذا الشأن؟ 5ــ وما مصير أنور ابراهيم اذا تمت براءته.. هل يعود للحكم مرة ثانية؟.. أم ان هذا من المستحيلات؟ 6ــ والأخطر.. ما هو رد فعل الرأي العام والاحزاب السياسية في ماليزيا حال تبرئة القضاء لأنور ابراهيم؟ 7ــ هل يتجه الحكم في ماليزيا على يد رئيس وزرائها نحو الدكتاتورية؟ 8ــ هل تنجح الأقلية الصينية وهي أقلية قوية تمتلك عصب الاقتصاد الماليزي وبخاصة صناعة الالكترونيات والكمبيوتر في الاطاحة بالحكومة الحالية؟ 9ــ هل يتفكك الاتحاد الفيدرالي الماليزي المكون من ثلاث عشرة ولاية في خضم هذا الصراع, كما استقلت سنغافورة عن الاتحاد الماليزي من قبل؟ في كل الاحوال فإن الادارة الجيدة للأزمة تتطلب تحقيق أقل قدر من الخسائر والعودة بماليزيا لصورتها الدولية المشرقة وقد يتحقق ما هو أفضل من ذلك اذا استغلت الأزمة لتحقيق تماسك قومي أقوى من سابقه. وقد تحدث المفاجأة وتدخل ماليزيا في صراع دموي لا تحمد عقباه. قسم الاتصال الجماهيري ــ جامعة الامارات العربية المتحدة*