تعكس تطورات الأحداث الأخيرة في ماليزيا حول الخلاف الذي نشب بين رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد ونائبه وزير المالية انور ابراهيم والذي وصل الى حد فصل الاخير من جميع مناصبه الوزارية والحزبية واتهامه في شرفه واعتقاله وتعذيبه في السجن كل ذلك يعكس ازمة الديمقراطية في ماليزيا. ويمكن تحديد اسباب تصاعد هذه الازمة في ثلاثة اسباب رئيسية: اولا: صعود نجم أنور ابراهيم على حساب محاضر محمد: فقبل نحو عشرين عاما كان انور ابراهيم رئيسا لحركة (البيم) للشباب الاسلامي في ماليزيا التي تصادمت آنذاك مع الحكومة الامر الذي ادى الى ملاحقة قادتها واعتقال بعضهم, وكان هو احد المعتقلين. غير ان الدكتور محاضر الذي كان رئيسا للوزراء رأى انه يمكن ان يوسع من قاعدته الجماهيرية اذا نجح في كسب هذا الشباب المتحمس الى صفه, والاستفادة من طاقاتهم ورصيدهم في المجتمع ذي العاطفة الاسلامية الجياشة, الامر الذي قد يمكنه من تحقيق وفاق وطنى تحتاجه ماليزيا. وقد اجرى الدكتور محاضر حوارا مع انور ابراهيم فنال اعجابه وقدر فيه فضائل ومواهب عدة وبعد حين ضمه الى مجلس وزرائه حيث عينه وزيرا للزراعة وحين حقق نجاحا اختاره في تشكيل لاحق وزيرا للتعليم وفيها واصل نجاحاته حيث احدث ثورة في التعليم العام, ثم عين بعد ذلك وزيرا للمالية وفيها واصل صعوده فعين نائبا لرئيس الوزراء الى جانب منصب وزير المالية. وخلال السنوات الأخيرة علا نجم انور ابراهيم حتى انعقد الاتفاق بين اغلبية النخبة الماليزية على اعتباره المرشح الاوفر حظا لخلافة الدكتور محاضر في رئاسة الوزارة الامر الذي اثار حفيظة الدكتور محاضر. ثانيا: الاختلاف حول كيفية معالجة الازمة الاقتصادية: فالازمة الاقتصادية التي عصفت بدول جنوب شرق اسيا واصابت ماليزيا برذاذها اثارت خلافا بين الرجلين حول السياسة الاقتصادية الواجب اتباعها ازائها. وقد كان محاضر محمد, بالنسبة لكثير من المهتمين بشؤون العالم الاسلامي رمزا ونموذجا للقائد الاسلامي المعاصر وكانت قدرته على جذب رؤوس الاموال اليابانية والغربية لبلاده مع احتفاظه بنفس الوقت بقدرته على انتقاد ازدواجية المعايير الغربية في السياسة الدولية امرا يثير الاعجاب. وقد اعترف محاضر ان بلاده خسرت حوالي 250 مليار دولار خلال الازمة الاقتصادية العاصفة التي المت بها, وقد طرح افكارا لتقييد حركة المضاربة على العملات في اسواق المال وتحدث عن الاخطار الهائلة الناجمة عن المنافسة غير المتكافئة بين الشركات الغربية الكبرى والشركات الاصغر في الدول النامية, وحذر من ان هذه الدول قد تفقد استقلالها الحقيقي رغم كل تضحياتها التاريخية بفعل الهيمنة الكبرى للشركات الغربية, وهي هيمنة تتجاوز الحدود القطرية, وبدأ محاضر يراجع بعض قناعاته في قبول نظام اقتصاد السوق بكل تفاصيله وبدا مستعدا للعودة الى بعض انواع الحماية والمراقبة الموكولة الى الدولة بدلا من ترك الامور كلها للمضاربين. لكن يبدو ان هذا التوجه لم يكن مقبولا من طرف نائبه انور ابراهيم الذي لعب دور السياسي اللطيف والمهذب في تعامله مع صندوق النقد الدولي والمستثمرين الاجانب في بلاده ودافع انور ابراهيم بشدة عن ضرورة التمسك بتوصيات صندوق النقد الدولي ورفض فكرة فرض قيود على حركة رؤوس الاموال. لقد بدا واضحا لكثير من المراقبين خلال الأشهر الماضية ان محاضر محمد وأنور ابراهيم يسيران في اتجاهين متناقضين, وكثرت الاشاعات عن احتمال الصدام بينهما الى ان تحقق بالفعل. ثالثا: التخوف من تكرار نموذج اندونيسيا: فمع تزايد الازمة الاقتصادية في ماليزيا وتصاعد الخلاف بين الدكتور محاضر محمد وأنور ابراهيم بدأت الاشاعات تنتشر حول تورط الدكتور محاضر في قضايا فساد الامر الذي قد يؤدى الى الاطاحة به مثلما اطيح بسوهارتو في اندونيسيا ولعل الخطأ القاتل الذي ارتكبه انور ابرهيم انه نزع في الاعوام القليلة الماضية في محاولة تقديم نفسه كزعيم له افكار مستقلة ومختلفة عن رئيسه مؤلفا في ذلك الكتب ومحاضرا في لندن وواشنطن ومستفيدا من القبول الذي لقبه لدى كثير من مراسلى وسائل الاعلام الغربية. وربما زاد انصار انور ابراهيم من عندهم فأشاعوا تهما غير ثابتة عن تورط رئيس الوزراء في ضروب من الفساد والمحسوبية الامر الذي اثار الدكتور محاضر ومؤيديه مما جعلهم يبدأون اولا بهجوم معاكس ضد انور فتمت اقالته في الثاني من سبتمبر الماضي من منصبه كنائب لرئيس الوزراء ووزيرا للمالية, وفي 20 من سبتمبر الماضي القت الشرطة الماليزية القبض على انور ابراهيم ووجهت اليه اتهامات بالانحراف الجنسي والفساد وسوء استخدام السلطة والعصيان وتعريض الامن القومى للخطر بالاضافة الى التدخل في تحقيق الشرطة, ويقول انور ابراهيم ان هذا يندرج في اطار مؤامرة سياسية ضده. وفي وقت سابق لاعتقاله تظاهر عشرات الآلاف من مؤيديه في وسط العاصمة كوالا لامبور ضد الحكومة وألقى انور ابراهيم خطابا على المتظاهرين دعا فيه رئيس الوزراء محاضر الى الاستقالة وقد استمرت المواجهات بين الشرطة وآلاف المتظاهرين الناقمين على حكم رئيس الوزراء محاضر محمد في مشاهد اعادت الى الاذهان احداث اندونيسيا واستخدت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين المطالبين باستقالة محاضر. وقد فرضت السلطات الماليزية حظرا شاملا على هذه الاحتجاجات وعقد محاضر محمد مؤتمرا صحفيا في الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي اتهم فيه انور ابراهيم بمحاولة القيام بانتفاضة للاطاحة به على غرار ما حدث في اندونيسيا وقد تعرض انور ابراهيم لمعاملة قاسية لدى اعتقاله وقد زعم رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد ان الاصابة التي ظهر بها انور ابراهيم لدى مثوله امام المحكمة قد تكون ذاتية عمد الى الحاقها بنفسه لكسب التعاطف الشعبي وكان انور ابراهيم قد مثل امام المحكمة في كوالا لامبور واحدى عينيه متورمة وقال انه ضرب ليلة القبض عليه ونزف ولم تقدم له اية اسعافات طبية لمدة خمسة ايام واضاف انه ضرب ايضا على رأسه وظهره خلال فترة احتجازه وسمحت المحكمة للاطباء بفحص انور ابراهيم الذي حضرت محاكمته زوجته عزيزة اسماعيل واثنتان من بناته وقالت زوجته وهي طبيبة عيون ان نظر زوجها قد تأثر تأثرا طفيفا كما انه شكا من عدم قدرته على الاتزان. وهكذا يتدهور الوضع السياسي في ماليزيا بعد ان تدهور الوضع الاقتصادي وهي التي كانت حتى الامس القريب يضرب بها المثل في الطفرة التنموية الاسيوية والاستقرار والطهارة الاسلامية والازدهار الذي يعتبر قدوة قبل الانهيار الاخير الذي اصاب معظم اقتصاديات النمور الاسيوية وفي ظل هذا التراجع الاقتصادي المفجع من الطبيعي ان تختلف الرؤى والاراء حول كيفية مواجهة الازمة لكن ما حدث بين رئيس الوزراء محاضر محمد ونائبه وخليفته المرتجى انور ابراهيم يصعب فهمه او تفسيره لقد بدأ الخلاف طبيعيا ومنطقيا النائب ووزير المالية انور ابراهيم ظل على عهده القديم متمسكا باقتصاديات السوق بينما رئيس الوزراء محاضر محمد يريد ضبط التبادل التجاري والعملة مديرا ظهره لعالم الانفتاح بالصورة التي كانت سائدة وبدلا من ان يتوصل الرجلان الى تفهم او تفاهم بالحسنى او يتنحيا بشكل متحضر او يحتكما الى استفتاء شعبي عمد رئيس الوزراء محاضر محمد الى اقالة نائبه انور ابراهيم وتجريده من جميع مناصبه واتهامه بممارسة الشذوذ الجنسي واعتقاله وتعذيبه فاندلعت المظاهرات من الفريقين وبذات المعيار اتهم انصار انور رئيس الوزراء محاضر بالشذوذ الجنسي وتحولت المعركة من سياسات اقتصادية افقرت البلاد الى معركة انحطاط خلقى بين الرمزين الاساسيين في قيادة ماليزيا. ومما يؤسف له أن ماليزيا دولة مسلمة, والرجلين يزعمان انهما من قادة الاسلام السياسي ولابد انهما يدركان ان ابسط قواعد آداب الاسلام تنهى عن الانزلاق الى هذا الدرك اللاأخلاقي وانهما باتهاماتهما المتبادلة يسيئان للاسلام ابلغ اساءة ويفجعان الشعب الماليزي في القيادة وفي الامال التي كانت معقودة عليهما. وكان الله في عون شعب ماليزيا.