يبدو الوضع في ماليزيا من خلال الركود الاقتصادي الذي دخلته البلاد وازمة الحكم التي صاحبته, وضعا متأزما ولكن في موازاة تلك الازمات والهزات, يقدم الوضع في ماليزيا مجموعة من الدروس يمكن تلخيصها في السؤال التالي: هل يكفي الرفاه الاقتصادي وحده لتأمين الاستقرار ام ينبغي ان يكون مصحوبا باطلاق الحريات العامة واقامة نظام ديمقراطي؟ وبمعنى آخر هل يضمن هذا التعايش بين التشدد السياسي والليبرالية الاقتصادية استمرار الرخاء؟ واهمية البحث والاجابة عن هذه التساؤلات قد تساعد على فهم بعض الظواهر التي بدأت تفرزها العولمة الاقتصادية خاصة في بلدان دخلت حديثا عهد الرخاء.. دافيد كومارو الباحث في مركز الدراسات والبحوث الدولية في باريس متخصص في متابعة شؤون ماليزيا والفلبين يشرح في الحوار التالي لــ (الملف السياسي) وضع ومستقبل ماليزيا. - هل الاحداث والاوضاع التي تعيشها ماليزيا منذ اشهر والتي يبدو انها ستقود الى محاكمة الرجل الثاني سابقا, تشكل النتائج الحتمية لأزمة اقتصادية حادة ام لأزمة حكم؟ -- الازمة في الواقع ذات وجهين اقتصادي وسياسي. فهي ربما تكون ازمة حكم زادها تدهور الوضع الاقتصادي خطورة, واعتقد ان المفاجأة والسرعة التي ظهرت بها الازمة الاقتصادية في ماليزيا قد دفعت رئيس الوزراء مهاتير محمد الى التخلص من الرجل الثاني انور ابراهيم والعودة الى الوراء. والحقيقة ان بين الرجلين خلافات عميقة حول الطرق والاساليب التي ينبغي اتباعها لمواجهة هذه الازمة الاقتصادية وآثارها وقد تعمقت هذه الخلافات اكثر بسبب ما صاحبها من صراع على الحكم والسلطة. - يعتقد انور ابراهيم انه لا يمكن مواجهة الازمة الاقتصادية دون مزيد من الحريات بينما خصمه يرغب في العودة الى نظام التشدد السياسي. أليس مهاتير على حق باعتبار ان هذا النهج هو الذي ساد بلدان جنوب شرق آسيا وقادها الى الازدهار الاقتصادي؟ -- اعتقد ان الاحداث قد تجاوزت مهاتير وهو لم يعد يتلاءم مع ما يجري, فهو آخر زعيم لايزال في الحكم بعد بداية الازمة الاقتصادية التي عصفت بعدد من حكام بلدان جنوب شرق اسيا التي شهدت اضافة الى تغيير في الزعامات, تغييرا حتى في الدساتير والانظمة السياسية. ولكن مهاتير يتشبث بالحكم وبالسلطة وهو في نهاية الامر يبدو ضحية ظاهرة كان قد صنعها هو بنفسه. وفي الحقيقة فان مهاتير وخلال سنوات حكمه اي منذ عام 1981 استطاع ان يحوّل ماليزيا الى بلد صناعي ومتقدم يطلق عليه لقب (النمر الخامس) , وقد أدى هذا الى ولادة طبقة وسطى عريضة تتكون في معظمها من عرق الملاويين وهؤلاء الذين ينتمون الى الطبقة الوسطى الجديدة استطاعوا خلال السنوات الماضية تذوق طعم الحداثة والتقدم والعصر وبالتالي فانه من الصعب عليهم القبول عن طواعية بسياسة مهاتير ذات الطابع الابوي والسلطوي خاصة وانه لم تعد لمهاتير المبررات التي يمكن ان يقدمها لاتباع هذه السياسة, ففي السابق كان يبرر سياسة التشدد والسيطرة بانها الثمن الذي ينبغي دفعه من اجل الازدهار الاقتصادي والرفاه, اما اليوم فان الامر يختلف حيث دخلت ماليزيا منذ ستة أشهر في ركود اقتصادي مخيف وصل معه النمو الى نسبة سالبة (5-%) وبالتالي فان مهاتير يوجد حاليا في وضع صعب لان سياسته لم تعد تتماشى مع الوضع السائد وخاصة مع طبقة وسطى حديثة تعودت على الانفتاح والرخاء.. - هل يمكن ان تؤثر هذه الازمة المزدوجة الاقتصادية والسياسية على التوازن السكاني لماليزيا بين مختلف المجموعات العرقية؟ -- منذ اضطرابات عام 1969 ظل التوازن السكاني بين مختلف المجموعات العرقية يمثل مشكلة رئيسية في البلاد وكثيرا, يتنبأ المراقبون باختلال ذلك التوازن, لكن الغريب والمهم في الوقت نفسه اليوم هو أن الازمة الحالية لم تدفع نحو السطح مثل هذه المشكلة, فجميع اطراف الصراع احجمت عن استخدام المشاكل العرقية وعن ادخالها كسلاح في هذا الصراع بل ان قوة أنور ابراهيم تكمن بالتحديد في انه استطاع ان يجمع خلفه وان يتمتع بتأييد تحالف عريض وواسع ومتعدد الاعراق والاتجاهات وهذه القوة تبدو على السطح رغم ان هذا التحالف يفتقد الى التنظيم ورص الصفوف والقيادة ولكنه من الواضح انه يضم الملاويين الاسلاميين والمحافظين والسكان من اصل صيني ومن اصل هندي وغير ذلك من المجموعات العرقية والسياسية. ولا ينبغي ان ننسى ان مهاتير محمد لايزال يمسك بالسلطة بيد من جديد وبشكل كامل فهو يمسك بالاعلام والامن والجيش والآلة القضائية وغيرها ورغم ذلك نرى التحالف الذي يقف خلف انور ابراهيم واضح المعالم. غير ان المعارضة التي تقف في وجه مهاتير غير قادرة على الظهور بشكل كاف لانها تفتقد لوسائل التعبير عن نفسها وربما ستكون الانتخابات مناسبة ليعبر المعارضون عن نقمتهم, اما اليوم فلا توجد اية امكانية لاي نشاط معارض. - لكننا رغم ذلك لاحظنا ان الاحزاب الاسلامية في ماليزيا تنظر بتحفظ الى قضية أنور ابراهيم؟ -- الحزب الاسلامي الرئيسي في ماليزيا والذي يحكم المقاطعة الشمالية في البلاد موجود ضمن التحالف الذي يدعم ويدافع عن الاصلاحات التي ينادي بها أنور ابراهيم كما أن انور ابراهيم نفسه يتمتع بتاريخ نضالي ضمن التيار الاسلامي, فقد كان زعيما للطلبة الاسلاميين وتم اعتقاله على هذا الاساس عام 1971 وبالتالي فان انور ابراهيم هو زعيم مسلم وله شعبية كبيرة في الارياف والقرى لان له قدرة نادرة على مخاطبة الفلاحين كما انه يمثل ايضا نموذجا للزعيم الشعبي في اوساط الطبقة الوسطى الجديدة لانه رجل عصري وينادي باسلام متسامح وعصري وقادر على قيادة التقدم والتلاؤم مع العصر, وأعتقد ان قوة الدعم التي يتمتع بها أنور ابراهيم تتجاوز حدود انصاره السياسيين لتشمل تيارات عديدة.. - محاكمة انور ابراهيم بداية الشهر المقبل تبدو مهيأة سلفا ووفق قوانين تعود في بعضها الى الحكم البريطاني اضافة الى ما خلقته التهم الاخلاقية الموجهة اليه من شكوك.. -- الامر الواضح حسب اعتقادي هو ان مهاتير محمد وجد نفسه مضطرا الى انهاء انور ابراهيم سياسيا ومن هنا فان جميع الوسائل والطرق تبدو له جائزة لكن التهم الاخلاقية التي وجهت الى انور ابراهيم بدت للشارع الماليزي مبالغا فيها ومشكوكا فيها الى درجة ان احدا لم يعد يصدقها وقد أدى عدم تصديقها في الاوساط الشعبية الى التشكيك اصلا في مصداقية التهم الأخرى.. والمشكلة الآن هي ان هذه المحاكمة تبدو للشارع الماليزي وكأنها مقررة سلفا بل أن مصداقية القضاء اصبحت محل شك كبير لدى السكان.. - هل يعني هذا ان مستقبل ماليزيا اصبح غامضا؟.. كيف ترون هذا المستقبل؟ -- كانت ماليزيا تعيش على عاملين استثمرهما مهاتير محمد خلال سنوات الانتعاش الاقتصادي وهما اولا: الانفتاح على الخارج وخاصة على الغرب رغم انه كان معاديا للغرب ولكن هذا العداء كان مجرد خطاب يوجهه الى الداخل فقط وكان هذا الانفتاح عاملا هاما لجذب الاستثمارات الخارجية. وثانيا: الاستقرار السياسي بما في ذلك اتفاق الجميع اسلوب الخلافة على رأس السلطة, فهذا الاسلوب أظهر نجاعته وجدواه منذ استقلال ماليزيا عام 1957. وكانت هذه القضية محلولة وواضحة لانه كان من المقرر ان يأتي انور ابراهيم بعد مهاتير محمد. ولكن مع تفجر الازمة الاقتصادية ودخول ماليزيا حالة الركود الاقتصادية الكبير منذ ستة أشهر, أنهى مهاتير محمد العاملين معا وبالنتيجة دفع ماليزيا نحو المجهول. وفي الحقيقة لابد من القول ان انور ابراهيم انتهى سياسيا لانه حسب تعامل مهاتير مع قضيته سيدخل السجن وربما سيبقى طويلا فيه. ولكن لا ننسى ان ماليزيا قريبة في كثيرا من الخصائص من الفلبين ومن هنا فانا اتساءل هل ان عزيزة وان ستستطيع قيادة التحالف الذي يقف وراء زوجها وبالتالي تواصل مسيرته. فمهاتير محمد جعل من انور ابراهيم لدى قطاعات واسعة من الماليزيين ضحية وشهيدا وزوجته ستصبح مثل كوري اكينو في الفلبين ارملة في بلد يكنّ فيه الشارع احتراما كبيرا لارملة الشهيد.. فهل تستطيع عزيزة ان تستثمر هذا الرصيد لتشكل بديلا عن مهاتير؟ ذلك هو سؤال وعقد المستقبل في الماليزيا في آن واحد.. باريس (البيان) :اجرى الحوار: منير علوان