اي تحليل للوضع المضطرب في ماليزيا حاليا لا يمكن ان يتجاهل اوجه الشبه العديدة التي كادت تصل الى حد التطابق مع ما جرى في اندونيسيا, على الاقل من حيث المقدمات التي دعت الى الازمة ومهدت لها الطريق . فانفجار الوضع في ماليزيا ـ مثله في اندونيسيا ــ جاء نتيجة مباشرة للأزمة الاقتصادية الطاحنة التي انهت ـ ولو الى حين ـ اسطورة النمور الصاعدة بسرعة الصواريخ في جنوب شرق اسيا. ومع ان الانهيار الذي أصاب (النمور) السابقة ـ بما فيها ماليزيا واندونيسيا كان في جزء كبير منه ناجما عن مضاربات مجنونة غير مسؤولة في البورصات واسواق المال بهذه البلدان, ويسأل عنها اساسا بعض المضاربين الاجانب الا ان الازمة كشفت عن قدر هائل من الفساد المستشرى في قمة السلطة.. وتناولت الاتهامات اسرة الرئيس الاندونيسي السابق سوهارتو, كما تناولت أبناء رئيس الوزراء الماليزي الثلاثة, ومئات غيرهم من الاقارب والمحاسيب والمحسوبين على القيادات السياسية في البلدين.. وفي البلدين مرت الازمة الاقتصادية ـ السياسية بنفس الاطوار ففي البداية, اخذت الاستثمارات الاجنبية والمحلية تهرب للخارج. ومن ضاقت بهم سبل الهروب امتنعوا عن تحمل نصيبهم من الأعباء المادية للأزمة, معتمدين في ذلك على صلاتهم بقمة السلطة. ليبقى العبء كله على كاهل الجماهير المثقلة اصلا بأعباء لا تطاق فيتصاعد سخطها حتى يصل الى حافة الانفجار. وعندئذ تدخل الازمة في طورها الثاني. حيث تطفو على السطح التناقضات الكامنة بين القوى المتربعة على قمة السلطة والمستفيدة منها, فاذا بهم يتبادلون الاتهامات, ويحاول كل طرف إلقاء المسؤولية على الغير. مؤكدا في نفس الوقت انه كان يعارض منذ البداية سياسة الاطراف الاخرى التي ادت الى الازمة, وانه وحده الذي يملك العصا السحرية التي تتيح الخروج من الأزمة بأقل الخسائر, او ربما بلا خسائر على الاطلاق.. وفي سياق تبادل الاتهامات ينكشف المزيد من وقائع الفساد, ويتصاعد السخط الشعبي, ويقترب خطوات اكبر من حافة الانفجار, حتى يصبح لا سبيل الى تفاديه سوى ان يقدم للجماهير كبش فداء.. وفي اندونيسيا, كان كبش الفداء هو الرئيس ذاته. وواضح ان فئات الشعب المتوسطة والدنيا التي طحنتها الازمة, وجثم الفساد على انفاسها لم تكن لتقبل بأقل من رأس سوهارتو كي تهدأ وتنشغل بالتهامه.. وواضح ايضا ان سوهارتو نفسه اقتنع بان ذهابه اختيارا هو السبيل الوحيد للحفاظ على النظام, وعلى ثروته, بل وعلى حياته التي اصبحت مهددة فعلا بثورة تحاكمه وربما تعدمه.. ثم ان البديل كان جاهزا, وهو صفيّه وربيبه بحر الدين يوسف حبيبي.. وهو جزء من النظام, ولا يمكن ان ينقلب عليه. طبعا, لسنا هنا في مجال الاسهاب في التفاصيل, او التعليق على المقلب الذي شربه سوهارتو, وكيف ان حبيبي لم يستطع الوفاء بالوعود التي اقنعت رئيسه وولي نعمته بالتنحى له عن منصبه. ولكن المهم ان هذا (المقلب) كان واضحا جدا امام عين رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد بينما الازمة في بلاده تصل الى ذروتها.. ولا يلومنّه احد اذا كان قد ادرك وهو السياسي الداهية الذي ظل على رأس الحكم 17 سنة ان التسلسل المنطقي للاحداث لابد وان يدفعه الى نفس مصير سوهارتو.. فالقاعدة التي يعرفها وهي قاعدة صحيحة تماما هي انه متى ما تطابقت المقدمات, فلابد ان تصل الى نتائج واحدة.. ومعنى هذا انه ــ اي مهاتير ــ هو المرشح الطبيعي لكي يكون كبش الفداء, وليجرى عليه ما جرى لسوهارتو.. وما جرى لسوهارتو لم يكن مجرد فقدان منصب الرئاسة, وانما هو ايضا فقدان الثروة, وبعد ذلك المحاكمة بكل ما تعنيه من مهانة وفضائح تجر ذيولها لتنال الاولاد والاصهار.. ومن المؤكد ان نفس الخواطر والتوقعات كانت تدور ايضا في رأس نائب رئيس الوزراء, وزير المالية, انور ابراهيم.. وان كانت في اتجاه آخر.. فهو في نفس الوضع الذي كان فيه حبيبي في اندونيسيا, انه اقرب الناس لكبش الفداء المنتظر فهو نائبه في رئاسة الوزارة وفي رئاسة الحزب الحاكم (منظمة شعب الملايو الوطني المتحد ـ اومنو), والمرشح الوحيد لخلافته منذ اكثر من عشر سنوات.. والان ها هي الفرصة قد سنحت ليقفز من كرسي الرجل الثاني الى مكان الرجل الاول دون صعوبات.. مثلما حدت في اندونيسيا.. ولعلنا الان نستطيع ان ندرك ان طموحات انور ابراهيم لم تكن خافية على زعيمه الداهية محاضر بن محمد.. (وبالمناسبة هذا هو اسمه وليس مهاتير بن محمد او مخاتير بن محمد). ولكن الذي حدث هو انه تعجل الاحداث ولم يتركها تأخذ تطورها بقوة الدفع كما حدث في اندونيسيا, فبدأ منذ شهر مايو يعد نفسه امام الرأي العام, والقوى النافذة في ماليزيا للقيام بدور البديل القادر على اصلاح ما افسده زعيمه. ومع انه طوال السنوات الماضية كان حريصا على اظهار ولائه غير المشروط ـ وكأنه صوت سيده لرئيسه في الحزب والحكومة مهاتير محمد, الا انه فجأة وبدون مقدمات, اخذ يتخذ مواقف, ويدلى بتصريحات يحاول فيها ان يبتعد تدريجيا عن زعيمه, كأن يعدّ نفسه لخلافته, والايحاء لن يسمعه, سواء عامة الناس, او الممولين والمستثمرين بانه الشخص المناسب للقيام بالتغيير, وحتى لا يكون هناك اي تفكير في بديل سواه.. واغلب الظن ان ذلك لم يكن بعيدا عن توقعات رئيس الوزراء مهاتير محمد.. ولكنه فضّل الصبر.. حتى تبيّن الخيط الابيض من الخيط الاسود.. فزاد الصبر من جرأة انور ابراهيم. وفي اواخر مايو ـ اي منذ نحو خمسة اشهر تقريبا اتخذ انور ابراهيم خطوة اخرى اكبر في طريق طموحه, فراح يتقرب الى المعارضة حتى يضمن عدم اعتراضها على خلافته لمهاتير عندما تأتي اللحظة المناسبة, فأعلن في اجتماع عام انه يتعاطف مع الزعيم المعارض ليم جوان اينج ويؤيد آراءه وكان اينج في تلك الفترة مسجونا بتهمة تأليف ونشر كتاب يهاجم فيه مهاتير محمد ويتهمه بالتستر على الفساد, ويذكر وقائع عن علاقاته مع رجال المال والاعمال الذين نهبوا ثروات البلاد وتسببوا في النكسة الاخيرة.. وهكذا, اصبح هناك شرخ واضح في جدار الصداقة ـ او بمعنى اصح في جدار الولاء الذي جمع بين انور ابراهيم (52 سنة) وزعيمه مهاتير محمد (73 سنة) طوال السنوات الماضية.. ويبدو ان انور ابراهيم كان مقتنعا بانه كلما زادت المسافة التي تفصله عن رئيس الوزراء (المرشح لأن يكون كبش الفداء) كلما كان هذا اضمن لتحقيق طموحه, فبعد اسبوعين من اعلان تأييده للزعيم المعارض ليم جوان اينج, نشرت له صحيفة الحزب حديثا جاء فيه بالنص (ان ضعف السياسات الداخلية للحكومة يساعد على خلق مشاكل كفيلة بان تضعنا في موقف مشابه للاوضاع في اندونيسيا, وعندها فسيكون علينا ان نواجه مطالبة الشعب بالتغيير الشامل) . ونشط انور ابراهيم في داخل الحزب فاستطاع ان يجذب لصفه عددا غير قليل من قادته الجماهيرية الذين اقنعهم بأن (التغيير) اصبح ضرورة حتمية حتى لا يفقد الحزب نفوذه لدى الناخبين, مركزا على (الفساد والمحاباة والمحسوبية والاثراء غير المشروع.. في قمة السلطة) .. واصبح الوضع بالنسبة للزعيم الداهية لا يحتمل مزيدا من الصبر. ومع تصاعد الحملة ضده التي وصلت الى مستوى المظاهرات الطلابية المطالبة باستقالة مهاتير محمد. ولم يعد هناك سبيل للتراجع بعد ان استفزت كل قرون الاستشعار لدى رئيس الوزراء الداهية. فبادر بهجوم مضاد, ركز فيه على اربعة وجوه: اولا: ان جوهر الخلاف بينه وبين انور ابراهيم ان هذا الاخير عميل للمستثمرين الاجانب, وآية ذلك حماسه الشديد لتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي التي تعنى في النهاية مزيدا من الصعوبات لدى الفئات الشعبية, ووضع الاقتصاد الماليزي كله رهينة لرأس المال الاجنبي.. الامر الذي يعنى عودة الاستعمار من النافذة بعد ان طرد من الباب.. ثانيا: ان انور ابراهيم الذي يتهم الآخرين بالفساد هو اكثر الناس فسادا, ولدى السلطات القضائية ادلة كافية على العديد من التجاوزات لحساب اقاربه واصهاره.. ثالثا: انه ثبت ان لأنور ابراهيم علاقات نسائية غير سليمة, وان هذه العلاقات لها دور في محاباته لبعض الشركات. رابعا: انه يعترف بضرورة التغيير, ولكن عملية انتقال السلطة يجب ان تتم بهدوء, وفي الوقت المناسب, بعد تجاوز آثار الازمة المالية الاخيرة.. وفي الوقت نفسه, عزل مهاتير غريمه من كل مناصبه, كما قام بحركة سريعة تمّ بمقتضاها ابعاد جميع انصار انور ابراهيم من مراكزهم سواء في الحزب او الحكومة.. ورغم المعارضة العنيفة التي ابداها انصاره على شكل مظاهرات احتجاج في الشارع كلف النائب العام بالتحقيق مع نائبه السابق في التهم الموجهة اليه والتي تشمل الفساد وسوء استخدام السلطة, والثراء غير المشروع, والانحراف الاخلاقي.. وبعد بدء التحقيق بأيام, وبالرغم من مظاهرات التأييد التي دبرها انصار انور ابراهيم, اصدر مهاتير امرا باعتقال مساعده الاول وصديقه السابق, وكان ذلك يوم 2 سبتمبر الماضي. ولازال التحقيق جاريا, وانور ابراهيم مسجونا, ورئيس الوزراء ناجحا حتى الان في الافلات من دور كبش الفداء, و(تلبيسه) لنائبه.. وبالمناسبة, فان احد عناصر القوة التي يستند اليها انور ابراهيم هو انه يحظى بتعاطف خاص من السلطان جعفر بن عبدالرحمن, وهو رئيس الدولة المنتخب من سلاطين البلاد الخمسة الذين يجلسون على عروشهم بحكم الوراثة من مئات السنين, وليس لهم اية حقوق دستورية اخرى. ومع ان السلطان جعفر مجرد رئيس فخري ولا يملك التدخل في السلطة مثل ملكة بريطانيا الا ان وضعه الادبي له قيمته المعنوية. اما تأييده لانور ابراهيم فهو بسبب عدائه القديم مع مهاتير محمد الذي يتجاهله تماما منذ توليه رئاسة الوزارة.. وفضلا عن ذلك فان انور ابراهيم يتمتع بتأييد قطاعات واسعة من رجال المال والاعمال المرتبطين بالاستثمارات الاجنبية.. ومن ثم فلا يمكن القول بان المعركة قد حسمت تماما خصوصا وان مهاتير محمد لم يبد حتى الان افكارا جديدة خلاقة كفيلة باخراج ماليزيا سريعا من ازمتها الاقتصادية الراهنة. وبعد.. فاننا لابد وان تهمنا ماليزيا ليس فقط بسبب العلاقات التجارية والسياحية التي تربطنا بها. وانما ايضا, وربما كان هذا اهم لانها دولة اسلامية شقيقة, تعتبر الاسلام دينها الرسمي على عكس تركيا مثلا ويبلغ عدد سكانها نحو 20 مليون نسمة ومتوسط دخل الفرد فيها اكثر من 3000 دولار سنويا (في الهند متوسط دخل الفرد 300 دولار).. وحجم صادراتها السنوية نحو 35 مليار دولار (في مصر اقل من ثمانية مليارات).. ولدى ماليزيا ثروة صناعية وزراعية ضخمة, وامكانيات سياحية واسعة جعلت منها مركز جذب للاستثمارات اليابانية والامريكية والاوروبية التي تشكل ثقلا لا يمكن تجاهله عند اتخاذ القرار.. والارجح ان مهاتير محمد قد نجح مؤقتا في الغداء بأنور ابراهيم قبل ان يتعشى هذا به.. مستفيدا من الدرس الاندونيسي.. ولكن هل ينجح في مقاومة حتمية التغيير؟ وهل سيكتفي الشارع الماليزي ــ وكذا رجال الاعمال ـ بقبول كبش الفداء الذي قدمه مهاتير محمد عوضا عنه؟ هذا ما ستخبرنا به الأيام..