منذ بداية هذا العام كانت المؤشرات السياسية والاقتصادية في ماليزيا تتجه الى صعود نوع من الأزمة العاصفة بإقتصاد واستقرار وأمن البلاد , بسبب الخلافات والانقسام الحاد بين طرفي السلطة (مهاتير محمد) رئيس الوزراء والقائم بأعمال وزير الداخلية وبين (انور ابراهيم) نائب رئيس الوزراء ووزير المالية, واتجاه كل منهما الى طرف النقيض في السياسة الاقتصادية, وقد ساهم في إشعال جذور الخلاف التوليفة التي تشكل الشعب الماليزي, والمقسم الى طوائف ثلاثة يمثلون ايضا طبقات اقتصادية ثلاثة, الأولى: الصينيون ويمثلون الطبقة الأكثر ثراء ويعمل اغلبهم في التجارة والمال والأعمال الحرة, الثانية: الهنود, ويحتلون القاسم الأكبر من الوظائف ذات المستوى المتوسط, والثالثة هم: الملايو الأكثر فقرا ونسبتهم العظمى من المسلمين, ويعملون في الأعمال البدائية كالزراعة والصيد, وقد مثل الملايو منذ البداية مسؤولية خاصة بالنسبة لأنور ابراهيم, وحمل على عاتقة النهوض بهم من خلال الانضمام لمنظمة الملايو الوطنية المتحدة والتي وصل بها الى منصب وزير زراعة, ونجح في النهوض بالملايو وتجاوز بهم خط الفقر, ثم انتقاله الى قطاع التعليم للملايو حيث فتح الفرص امام ابناء هذه الطائفة للتعليم العالي وللدراسات العليا والمنح الدراسية التي لم تكن متاحة لهم من قبل, وانتاهجه بعد ذلك في منصبه كوزير للمالية اسلوبا اصلاحيا اقتصاديا يعتمد على محاربة الفساد والمحسوبية التي استشرت في قطاعات الدولة وقطاعات المال والأعمال, والتي يوجد لرئيس الوزراء محمد مهاتير مصلحة كبرى فيها, من خلال الثمانية بالتبنى واقاربه الذين يمتلكون كبريات الشركات, وقد خلق سلوك (انور ابراهيم) والتزامه بالخلق الاسلامي وميله للعدل واصلاح الفساد شعبية كبيرة له خاصة لدى الملايو, وكذلك بين الصينيين الذين لاءمتهم نداءات الانفتاح والتحرر الاقتصادي, في حين تراجعت شعبية مهاتير محمد والذي اصبح رمزا للبيروقراطية الادارية والتعقيدات والقيود المالية, كما اصبح رمزا للفساد المالي والاداري من خلال اعضاء عائلته. وعلى الرغم من ان عمر تزاوج الرجلين (مهاتير محمد وانور ابراهيم) سياسيا يربو الى 17 عاما, عملا خلالها على الصعود بماليزيا الى صف النمور الآسيوية, والخروج بها من التخلف والفقر, وعلى الرغم من علاقة الود والاحترام المتبادل بين الاثنين, اذ يعتبر انور ابراهيم رئيس الوزراء مهاتير محمد بمثابة الأب, وهو الذي يبلغ العقد السابع الآن من العمر, الا ان كل هذه الاعتبارات لم تكن قادرة على اخفاء الاختلافات الجوهرية في شخصية الرجلين, وهو الاختلاف الذي انذر دائما بانفجار الموقف, وهو الحادث الآن. الخلاف الاقتصادي شهدت ماليزيا ازمة اقتصادية عام 85 متشابهة لما تواجهه الآن, واستطاعت في نهاية 86 وبداية 87 احراز تحسن ملحوظ, حيث زاد معدل النمو الاقتصادي سنويا 7% بصفة اطرادية على التوالي بسبب الاستقرار السياسي وكسب ثقة المستثمر الاجنبي, والى وقت قريب كانت ماليزيا قبلة للشركات الاجنبية والبنوك, وكانت تعتبر واحدة من البلاد النموذجية في جنوب شرق اسيا, ليس للمستثمرين فقط ولكن ايضا للعمالة, غير انه مؤخرا لم تعد ماليزيا النموذج الاقتصادي السابق, حيث شهدت مشاكل خطيرة تمثلت في: * ظهور تأثيرات الأزمة بجنوب شرق اسيا بشكل مكثف وسريع. * تصريحات مهاتير المستمرة ضد الغرب ادت لهروب المستثمر الاوروبي بعد ان حرك مشاعر العدائية الماليزية للغرب. * الاجراءات المالية الاقتصادية الوقائية الجديدة اعتبرها المستثمرون ضد الليبرالية الاقتصادية. * اقالة انور ابراهيم وزير المالية ادى الى عدم الاستقرار. * متابعة الغرب لزيادة حدة الصراع داخل ماليزيا على السلطة فجر الشكوك في المستقبل الاقتصادي لماليزيا. لقد كانت ماليزيا واحدة من الدول التي تأثرت بالازمة الاقتصادية الاسيوية كما سبق الاشارة, التي ادت لانخفاض العملة المحلية (رينجيت) بنسبة 40% خلال مدة 14 شهراً, وشهد الربع الثاني من هذا العام تراجع اجمالي الدخل القومي بقيمة وصلت الى 7%, وهذه النسبة تعتبر اكثر مما شهده العام الماضي, وقد اتخذ مهاتير محمد قرارات اتسمت بالفردية للاصلاح الاقتصادي من وجهة نظره, فعمد الى تخفيض اسعار الفوائد بهدف مساعدة وتشجيع الشركات على الاقتراض وتمويل المشروعات, كما تذرع بورود تقارير إليه من الخارج تفيد بوجود, اكثر من 20 مليار رنجيت في الخزائن بالخارج, وبحوزة اصحاب الاعمال والسائحين ومكاتب استبدال العملات, وتجاهل ان 75% من قيمة هذه المبالغ مسجلة على ورق فقط, وتتمثل في اصول معاملات بين الشركات التجارية الاجنبية وشركات التنقيب عن البترول, وسارع مهاتير محمد بإعلانه العمل على استرداد هذه المبالغ وقطع وعدا على نفسه بتنفيذ ذلك قبل بداية الشهر الجاري, لكنه فشل حينما واجهته الحقيقة عندما اكتشف ان هذه المبالغ ليست نقدية, ولقد سعى الى تثبيت سعر العملة المحلية بغية عمل توازن بينها وبين العملات الاجنبية والدولار الامريكي بصفة خاصة, الذي وصل سعره الى 8 و3 رنجيت في الشهر الماضي, وربطت ماليزيا عملتها المحلية بالدولار الى اجل غير مسمى, بمعنى انه يتم حساب كل العملات الاجنبية سواء بغرض الاستبدال النقدي او التعامل التجاري بالدولار اولا في مقابل عملة الــ (رينجيت) , ولقد بدأت ماليزيا في تطبيق اجراءات جديدة وتدابير حمائية لتنظيم العملات المالية في اول سبتمبر الماضي, وذلك بعدم التعامل في الأسواق الرأسمالية والاقتصادية الحرة, حماية للاقتصاد الماليزي, وفرضت هذه الاجراءات ايضا على تجار الأسهم والسندات المالية وألزمتهم على التعامل في البورصة مباشرة (اي بالأسماء الحقيقية لها) دون البيع والشراء بالوكالة من خلال سماسرة البورصة, وذلك تحت دعوى الشفافية الاقتصادية اي وضوح الرؤيا التي يرفع شعارها رئيس الوزراء (مهاتير محمد) في سياسته الاقتصادية الاصلاحية, وتقضى بإلزام الاجنبي القادم للبلاد بصفة خاصة بإثبات ما لديه من أموال في (بورانج بيريسايهارين بينجيمبارا) وهي استمارة اقرار خاصة تم اعدادها لهذا الغرض, يسلمها المسافر بصفة عامة سواء الاجنبي او المواطن الماليزي لسلطات المطار في كوالا لامبور, وتسعى حكومة ماليزيا من خلال ذلك الى جمع اكبر قدر من العملة المحلية, والعمل على ابقائها داخل البلاد حماية لها من زيادة التدهور, ودفع رجالات الاعمال الاجانب والشركات الاستثمارية الى استبدال العملات الصعبة بالمحلية داخل ماليزيا, كنتيجة لعدم توافر الــ (رنجيت) بالخارج, في نفس الوقت منعت الحكومة كل من يغادر ماليزيا بان لا يحمل معه مبلغ يتعدى 1000 رنجيت, وبالرغم ان الاجراءات الحمائية الجديدة, تهدف الى محاربة تجار العملة بالدرجة الاولى, حيث أن رئيس الوزراء (مهاتير محمد) أعلن أن هؤلاء هم السبب الأساسي في الأزمة الآسيوية وذلك نتيجة للمضاربات الغير مسؤولة في أسواق المال, إلا أن الشركات الاستثمارية الاجنبية اعربت عن استيائها من هذه الاجراءات, التي وصفتها غالبية الشركات بأنها عودة لسياسة الاقتصاد المغلق التي تتنافى مع روح العولمة وتحرير الاقتصاد الدولي من القيود, وهو الامر الذي حذر منه انور ابراهيم, فقد كان يرفض تثبيت العملة المحلية ومنع التعامل بها في الاسواق العالمية, كما رفض فرض الاجراءات المقيدة لحركة رؤوس الاموال, فحقيقة الأزمة كما رصدها انور هو تفشى الفساد المالي والتجاري والاداري, واعطاء القروض البنكية بلا ضمانات للأقارب والمحاسيب لرجالات الدولة وفي مقدمتهم رئيس الوزراء, بجانب انفاق مليارات العملات على مشروعات ترفيهية بغية الوجاهة والتظاهر الاجتماعي, على غرار اقامة أعلى بناية في العالم واضخم مطار... وهكذا. اسلحة مشبوهة ولان انور ابراهيم برز شعبيا كشخصية اسلامية اصلاحية متطورة, واصبحت له بصمات ايجابية على الشعب الماليزي خاصة طائفة الملايو, فقد كثر اعداءه من المنتفعين وبطانة السلطة, وتكاتف المتضررون من اسلوبه الى التكاتف معا لهدمه وعلى رأسهم شريكة في السلطة مهاتير محمد, والذي قاد المؤامرة بنجاح اولا في السر, ثم لم يتورع عن المكاشفة بها وابراز اسلحته في وجه انور ابراهيم, متقلدا الاسلوب الشيوعي في هدم المتدينيين من خلال الصاق الاتهامات الاخلاقية اليهم, فعندما نشر انور ابراهيم كتابة الشهير (احياء جنوب شرق اسيا) اثار الكتاب الكثير من الحنق والغضب من أعدائه بالداخل, وآلب عليه اعداء الاسلام في الخارج, فقد تضمن الكتاب نداءات الى التمسك بالقيم الدينية التي تقود الى نجاح التنمية والنهوض بالمجتمعات, واكد ان اغفال دين الغالبية العظمى في بلدان جنوب شرق اسيا يؤدى الى فشل التنمية, وقارن بين عمليات التحديث والنهوض الاقتصادي التي حدثت في الغرب وبين هذه البلدان, مشيرا الى ان العامل الديني لعب دورا كبيرا في النجاح الاقتصادي بجنوب شرق اسيا, ولقد حاول مهاتير محمد هدم ما جاء في كتاب انور فأصدر كتاباً تحت عنوان (مشكلة الملايو) , وهم الطائفة التي تبنى انور دائما مشاكلها, واتهم مهاتير محمد في كتابه طائفة الملايو بالخمول والكسل الذي قادهم الى الفقر, وهو كتاب اثار غضب الملايو بصورة كبيرة وافقد مهاتير كثير من شعبيته, والتي التفت حوله لتسانده وتشجعه على خططه الاصلاحية, وهكذا لم يعد هناك مجال لإخفاء العداء بين مهاتير وانور, خاصة وان الاعتقاد لدى مهاتير اصبح مؤكدا ان انور سيخوض ضده الانتخابات القادمة لرئاسة الوزراء, وفي مارس الماضي وجه رئيس الوزراء مهاتير الى انور ضربة ظن انها ستكون القاضية, اذ أوعز الى عدد من موظفي مكتبه للاتفاق مع ناشر ومؤلفين لاصدار كتاب حمل عنوان (انور لا يمكن ان يكون رئيسا للوزراء لخمسين سببا) , وتضمن الكتاب اتهامات شخصية وسياسية لأنور, في مقدمتها اتهامه بإقامة علاقة شاذة مع اخوه بالتبنى والمولود باندونيسيا ومع كاتب خطاباته, كما اتهم انور بالعمالة الغربية وتواطؤه مع امريكا لهدم الاقتصاد الماليزي, وتم توزيع الكتاب على الشعب في المكتبات والمدارس والجامعات والادارات الحكومية وكافة القطاعات, وعندما توصل انور الى الخيوط الحقيقية للمؤامرة ومن هم وراء اصدار الكتاب, لجأ الى مهاتير ظنا منه ان الأخير بعيدا عن المؤامرة, فطمأنه مهاتير الى انتهاء الامر وعاقب موظفي مكتبه بالفصل لمدة شهر, ثم عادوا لممارسة مهامهم, غير ان هذا الكتاب كان بداية اللعبة القذرة, فقد فوجئ انور برئيس الوزراء يبعث اليه بدايم على انور رئيس استثمارات الحزب الحاكم, ويطلب منه الاستقالة بسبب ما يدار حوله من اتهامات اخلاقية, ورفض انور الاستقالة, وهدده مهاتير صراحة بالاستقالة او الاقالة, وعندما لم يخضع انور للتهديدات, اصدر مهاتير قراره بإقالة انور ابراهيم, وتمت ادانة الاخ والموظف في سبتمبر الماضي وصدر ضدهما الحكم بالسجن ستة اشهر, بعد تعريضهما للتعذيب الشديد, وطالب مهاتير الحزب الحاكم الذي يرأسه بطرد نائب الحزب انور ابراهيم لسلوكه الشائن, وبالفعل اعلن الحزب في 3 سبتمبر قراره بفصل انور من الحزب, غير ان قرار الاقالة من الحكومة والفصل من الحزب لم يؤثر الا ايجابيا على شعبية انور, فالتف حوله الشعب الماليزي, وتحول منزله الى قاعة لمؤتمرات تأييد يومية لعشرات الآلاف من الشعب الذين آمنوا به ووقف بجانبهم وحارب الفساد لأجلهم, وعندما تجاوزت اجتماعات انور حدود منزله, وطالب بمحاكمته محاكمة عادله لإظهار الحق, استنفذ مهاتير صبره, ولم يجد غضاضة في اصدار امر اعتقال اداري لانور ابراهيم, والاعتقال الاداري يعنى امكانية تمديده الى ما لا نهاية دون اللجوء الى اجراءات محاكمة, وهو من موروثات القانون الاستعماري البريطاني, غير ان ما حدث لانور ابراهيم قد فجر سخط الشعب المكبوت الذي خرج في مظاهرات تأييد له والمطالبة باستقالة مهاتير, وهو امر لم يكن مهاتير يعمل له حساب تماما, فما اشبه ما يحدث الان بما حدث العام الماضي في اندونيسيا, فسوهارتو الذي تربع على قلب السلطة وملأ خزائنه هو واسرته بالمال في وقت جاع فيه الشعب وازداد فقرا, واطاح بهوامش الديمقراطية وفرض الحكم الفردي وجمع حوله بطانة المنتفين, وساهم في فساد الادارة وتزايد الرشوة والمحسوبية, كل هذه الامور ادت في النهاية الى تفجر الغضب الاندونيسي الذي اطاح بسوهارتو, وهو الامر الذي بات متوقعا ووشيك الحدوث في ماليزيا, لتشابه العناصر والمفردات السياسية والاقتصادية, وعلى الرغم من ان مهاتير يجد نوعا من المساندة الغربية له, رغم الاحجام الغربي عن الاستثمارات الاقتصادية في ماليزيا نتيجة لتصريحات مهاتير نفسه المعادية للغرب, الا ان هذه المساندة تنبع من رغبتهم في ابعاد انور ذو الاتجاه الاسلامي عن السلطة, غير انه من المتوقع ان يتزايد السخط الشعبي الماليزي, فقد قام 35 الف مواطن ماليزي واجتاحوا شوارع العاصمة, وتوجهوا لميدان السلام, واستخدمت الشرطة وسائل عنيفة لتفريقهم بعد ان فشلت خراطيم المياه في فض المظاهرات الغاضبة, كما تظاهر اكثر من عشرة الاف مسلم في اكبر واهم المساجد الماليزية في كوالا لامبور للمطالبة بالافراج عن انور ابراهيم, وقد اقتحم رجال الشرطة حرم المسجد لتفريق المتظاهرين, الامر الذي يعد سابقة خطيرة في الشعب الماليزي, وهو أيضا الامر الذي يهدد بحرب اهلية وسقوط مئات الضحايا, والسلطة الماليزية التي تتعامل مع الغضب الشعبي بأسلوب الحديد والنار, مما لا شك فيه ان هذا الاسلوب سيعجل بنهاية مهاتير, ولكن لن ينبئ في ذات الوقت بان من سيأتي بعده وهو دايم زين الدين, والذي سيكون رمزا جديدا لفساد الحكم, هذا ان لم تحدث معجزة سياسية يقودها الشعب, ويتم من خلالها اطلاق سراح انور ابراهيم, ليتولى الحكومة المتوقعة, ويكون هو الامل الذي ينقذ ماليزيا ويصعد بها من الهاوية, ويطهر ادارة الحكم من الفساد, وهو امر شاق وطويل.