مع انتخاب قائد الجيش العماد اميل لحود الرئيس الحادي عشر للجمهورية اللبنانية خلال خمسين عاما, طغت بيانات التأييد له على كل اعتبار آخر. لكن التغزل والمديح تركزا على شخصيته ونجاحه في توحيد الجيش الذي قطعت الحرب أوصاله إلى مذاهب وطوائف ومحسوبيات على هذا الحزب أو ذاك, على هذه الجهة أو تلك. لكن كثرة الأوساط المؤيدة للحد لم تحجب المخاوف عند البعض من عودة حكم العسكر إلى البلاد, وهو الثاني بعد التجربة العسكرية التي تعرف باسم المرحلة الشهابية في اشارة إلى فترة حكم قائد الجيش الراحل الجنرال فؤاد شهاب (1958 ــ 1964). وفيما يقدم مؤيدو لحد حججا كثيرة لتأييدهم له, ويدافعون عن سجله, فإن معارضي الحكم العسكري يعتبرون ان لبنان مقبل على مرحلة خطرة. وفي هذا السياق, يعتبر النائب السابق العميد ريمون اده, والمقيم في باريس (انتخاب عسكري لرئاسة الجمهورية تهديدا للديمقراطية) فيما يرفض الوزير وليد جنبلاط عودة (النيو شهابية) تحت أقنعة مختلفة, وقال القائد السابق للجيش العماد ميشال عون انه يعارض أي حكم عسكري جديد للبنان, ويؤكد النائب عماد لحود ان: العماد لحود نظيف الكف لكن ذلك لا يكفي, لان المطلوب أجوبة عن أسئلة تتعلق بمدى احترام الدستور. عون ضد الحكم العسكري وفي اتصال هاتفي من بيروت مع العماد عون في باريس أكد الأخير انه سيبقى قلبا وقالبا ضد أي حكم عسكري جديد في لبنان. وهو وجه دعوة إلى أعوانه في لبنان ليجهزوا أنفسهم لمقاومة ما أسماه (الدولة التي سوف تمارس أيام لحود الترهيب والارهاب) ومشددا عليهم أن يرفعوا دائما شعارات حقوق الإنسان ويدافعوا عنها. ويقول عون: (ما زالت الدولة بكل أجهزتها تتابع الترهيب والترغيب في كل الوسائل المادية والمعنوية, بدءا بالاستدعاء إلى التحقيق من دون مبرر والتوقيف الاعتباطي, والضرب والاهانة والتهديد, وصولا إلى الاضرار بالمصالح المادية عبر توقيف المعاملات وخلق المشاكل العملية للمواطنين, واقصائهم عن الوظائف والمشاركة في الالتزامات, واخضاع المقاومين للمراقبة المالية دون سواهم. كذلك لا تزال المراوغة حسب تعبير عون في تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بلبنان سيدة الموقف وتتجلى في مناورات الشروط والشروط المعاكسة لتخطي هذه القرارات وابقاء لبنان مربوطا بمسارات اقليمية يدفع من خلالها فرق الفواتير المستحقة في الحلول من على حد قوله. ويتابع عون قائلا: (في أجواء هذا التأجيل المتمادي لحل الأزمة اللبنانية تتوالى الدعوات إلى الدخول في حكم عسكري وكأنه أمر واقع مفروض علينا ضمن الشروط القائمة, وفق ما اعتبره خطة معدة لتفتيت القوى المناهضة للاحتلال دون أن يحدد هذه القوى أو الجهة التي أعدت الخطة. المؤامرة مستمرة ويخلص عون إلى التأكيد معلقا على التطورات الداخلية التي حصلت في لبنان خلال الأسابيع الأخيرة ان: (المؤامرة ما زالت مستمرة على لبنان, وهي تقضي في هذه المرحلة بمحو الذاكرة اللبنانية وطمس كل الحقائق حول الحوادث والحفاظ على نتائجها وحدها, لذلك نرى التزوير في توزيع الأدوار على أيادي مدبري المؤامرة.. ويسند دور الاطفائي البطل إلى من يوقد النار ودور المحقق إلى من يرتكب الجريمة) . وهنا يرفض عون تسلم عسكري الزمام السلطة في لبنان لان هذا يعني برائة التأكيد على نتائج محسوسة الحصول سلفا ومنها: 1 ــ لم يكن الاعلام في لبنان يوما كامل الحرية, غير انه لم يكن موجها على غرار ما هو عليه الآن. 2 ــ تظهر المؤسسات التعليمية, وخصوصا الجامعية حماسة متزايدة لتدريس مادة حقوق الإنسان. 3 ــ هناك خلل خطير في معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق اللبنانية السورية لانها تخلو من نص صريح يضمن احترام الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين اللبنانيين. ثم يرى العماد عون أخيرا ان وصول قائد الجيش إلى رئاسة البلاد يعتبر السماح للسلطات العسكرية بالتدخل بكل شاردة وواردة في أمور البلاد كما حصل أيام الرئيس الراحل فؤاد شهاب. جنبلاط : لا للنيو شهابية مثل هذا الكلام يقوله أيضا الوزير وليد جنبلاط الذي يبدو وكأنه مفطور على رفض كل شيء اسمه الحكم العسكري, رغم انه كان مفتونا أيام كان يدرس بالجامعة الأمريكية في بيروت بقراءة سير وانتصارات وهزائم كبار القادة العسكريين في العالمين المعاصر والقديم مثل شارل ديجول, وهتلر, ونابليون.. وسواهم. قد لا يكره وليد جنبلاط فؤاد شهاب بقدر ما يشمئز من تجربته في الحكم والتي جلب إليها العسكر من كبار وصغار وسلمهم مقاليد الحكم, وبقي هو محافظا على لقبه التاريخي الصامت الأكبر. كانت الظروف آنذاك مختلفة منذ تولي شهاب الحكم عام 1958 وما تلا ذلك: من كوارث حاقت بالبلاد بدءا من طاحونة الحرب الأهلية وبروز فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة, تنظيمها التظاهرات ضد الدولة اللبنانية وما إلى ذلك من معطيات ومتغيرات محلية واقليمية جعلت الدولة اللبنانية مرتخية الأعصاب تماما. اعتراض وليد جنبلاط على الأداء العسكري لقائد الجيش وليس على القائد نفسه, وهو الذي ما زال يتذكر تماما ما قاله والده الرحل كمال جنبلاط عندما بلغه نبأ وفاة فؤاد شهاب, حيث قال: (... فؤاد شهاب خسره لبنان, لانه لم يستحقه معظم أبنائه, ولم يقدروه حق قدره في الحكم وخارج الحكم. كان من الرجالات القلائل الذين يتصفون بصفات رجال الدولة. لا شك انه ترك أثرا كبيرا في ضمير اللبنانيين, لانه كان يجمع بين العلم الغربي ونزعته التنظيمية, وبين هذه الشهامة الطبيعية والبساطة العفوية, ان موت فؤاد شهاب يترك فراغا لا يعوض في السياسة اللبنانية) . التاريخ يكرر نفسه, فالوزير وليد جنبلاط على علاقة طيبة هو الآخر مع العماد لحود, لكنه لا يخفي عن المقربين منه القول: (لقد اختاره البعض (والبعض هنا معروف) ليجلب العسكر إلى الحكم. وهذا ما نخشاه, وأرجو ألا يقع اميل لحود القوي بما وقع فيه فؤاد شهاب عندما صار لعبة بين أيدي مخابراته, خاصة رئيسها انطون سعد. فأصبح هو يبقى في غرفته ليلا ونهارا ويترك لضباط المخابرات أن يحكموا بعد أن يكونوا قد أوهموه انه ملزم أن يبقى تحت الحراسة المشددة لانه معرض في أية لحظة لمحاولة اغتيال حتى من أقرب المقربين منه. مخاوف اده والأمر نفسه ينطبق على العميد ريمون اده الذي قال عقب تبلغه نبأ وفاة الجنرال شهاب: (... انني أنحني باحترام أمام رحيل الرئيس شهاب. فالموت ينهي الخلافات, بما فيها خلافنا السياسي. كنت وزيرا في عهده ويمكنني أن أشهد الآن انه كان يملك صفات رئيس الدولة, ومزايا القائد المدني والعسكري) . لم يكن الخلاف شخصيا هو الآخر بين اده وشهاب, ولا هو كذلك بينه وبين لحود الآن, خاصة وان الثلاثة ينتمون إلى مدرسة ديمقراطية غربية تحرص على عصرنة الدولة باستمرار. لكن ثمة خلافا وحيدا يرتبط بخيارين: اما المجيء بالعسكر مع قائده إلى الحكم, وهذا ما اضطر اليه شهاب, واما الزامه بالبقاء في الثكنات, وتعزيز الخبرات, والانصياع إلى أوامر السلطة السياسية. هنا يتخوف العميد اده من الاحتمال الأول مع مجيء لحود المرتقب إلى سدة الرئاسة الأولى, اذ انه يقول في هذه الحالة: (ان انتخاب عسكري رئيسا للجمهورية يشكل تهديدا للديمقراطية في لبنان. صحيح ان هناك عسكريين على رأس عدد من الدول العربية, لكن كل هذه الدول غير متطورة ديمقراطيا) . نسأله: ماذا تتذكر عما كنت تتذمر منه أيام كنت وزيرا في مطلع عهد الرئيس شهاب؟ فيقول اده: (في الفترة الممتدة بين أكتوبر 1958 وأكتوبر 1959 والتي كنت خلالها وزيرا, شكوت مرارا للرئيس شهاب من تدخل العقيد انطون سعد رئيس المكتب الثاني (المخابرات العسكرية) في قطاعات تابعة لصلاحياتي, وكذلك عن بعض تصرفاته. وبعد اغتيال النائب نعيم مغبغب, الذي لم يعتقل قط, وخلال الانتخابات التي جرت بعد ذلك في الشوف, لم يكف العقيد المذكور عن التدخل في شؤون متعلقة بوزارتي. عندها طلبت من الرئيس شهاب أن يختار بينه وبيني, فأجابني انه لا يمكنه الاستغناء عن خدمات العقيد سعد, فقدمت إليه استقالتي فورا) . يتابع العميد قائلا: (فمن واجبي هنا إذن أن انبه إلى الأخطاء التي يمكن أن تنتج من اسناد رئاسة الجمهورية إلى عسكري, لان الضباط الكبار وحتى الصغار منهم سوف يعتبرون ان لديهم السلطة نفسها التي يتمتع بها رفيقهم السابق وسوف يتدخلون في السياسة. ومن المفارقات التي يتوقف عندها العميد اده وتجعله يتخوف من حكم الجنرالات قوله: يتكون الجيش اللبناني من 163 ألف جندي و132 جنرالا, في حين ان القوات الفرنسية البرية كلها لا تعد سوى 190 جنرالا. أسباب الاصرار السوري ومن جهته يطرح المحلل الصحافي سركيس نعوم أسئلة حول أسباب اصرار القيادة السورية على المجيء بقائد الجيش اللبناني اميل لحود إلى رئاسة الجمهورية رغم ادراكها ان من بين الأقطاب السياسيين اعدادا كبيرة مؤهلة إلى هذا المركز؟ ويقول ردا على ذلك: (ان الرئيس حافظ الأسد مقتنع تماما بأن لحود يستطيع انهاء الحالة التي أدت إلى ما يشبه الافلاس في الدولة وإلى تحول الفساد الإداري إلى قاعدة. ويستطيع أيضا إزالة الاحباط المسيحي أو التخفيف منه من خلال مشاركته بفاعلية في إدارة أمور البلاد, ومن خلال تحويل نفسه إلى عامل توازن واستقرار بين المؤسسات ويستطيع أخيرا من خلال خبرته تقليص مصادر الزعزعة الأمنية إلى أدنى حد ممكن. الا ان قدرته هذه وحدها لا تكفي حسب نعوم الذي قال ان لحود يلزمه دعم سوري كبير واستعداد شعبي للتضحية والمساندة. بيروت ــ وليد زهر الدين