يشير ملاحظون في جنوب شرقي اسيا الى وجود اوجه شبه بين الازمة التي ما زالت تتفاعل في اندونيسيا حتى بعد ابعاد الرئيس سوهارتو من الحكم في جاكارتا, وبين ما تعرفه ماليزيا حاليا من ازمات سياسية داخلية وتعثر اقتصادي . احد اوجه الشبه هذه انه في المرحلة التي سبقت سقوط سوهارتو وقبل ان تستفحل الازمة الاقتصادية سجل في الغرب وخاصة في امريكا هجوم منسق على النظام القائم في اندونيسيا, كان من بين مبرراته غريب الوضع في تيمور التي لا يخفي الغرب رغبته منذ عقود في انفصالها عن اكبر دولة اسلامية من حيث تعداد السكان, وما سمي بالجهود الاندونيسية المكثفة للتسلح وسعيها الى تشييد صناعة طيران قيل انها تستنزف اموال الدولة وقروض البنك الدولي,ولكن التي لم يشر الى انها تقلق عمالقة صناعة الطيران في العالم وخاصة شركة بوينج الامريكية, كما برر لهذا الهجوم بما سمي بملف حقوق الانسان, (وبالفساد المستشري) . استغلال النقائص في بداية سنة 1998 قال دبلوماسي صيني رفيع المستوى (امريكا بدأت العد العكسي لنظام سوهارتو, وهي تريد اعادة ترتيب الاوراق في جنوب اسيا بعد ان اصبحت القوة الاولى في العالم, لقد قامت جاكارتا بتصرفات واتبعت سياسات لا ترتاح لها واشنطن, وفي دول العالم الثالث من السهل العثور على ثغرات لانتقاد الانظمة القائمة ولتحريك الشعوب ضد حكامها) . يوم الاثنين 3 نوفمبر 1997 حمل رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد لدى افتتاحه قمة مجموعة الـ15 في كوالالمبور (الامبريالية الجديدة) مسؤولية الاضطراب في الاسواق المالية وهو امر معاكس لمصالح الدول النامية متوقعا ان يؤدي الى (نضال جديد من اجل الاستقلال) وانتقد (فوضى النظام التجاري العالمي الحالي) واعمال المضاربة التي يلجأ اليها (المفاوضون بالمال) الذين يسعون الى (الاثراء) على حساب الازدهار الاقتصادي للدول النامية, ولاحظ انهم بذلك يسببون (الفوضى والفقر في هذه الدول مشيرا الى ان (نظاما تجاريا عالميا تسوده الفوضى ويسعى فيه الاقوياء الى مصلحتهم الخاصة, قد يؤدي الى ان نخسر القليل الذي حققناه من خلال نيلنا استقلالنا اخيرا) . وتابع مهاتير (بعد عقود من العرق والدموع والكد (..) وبعد تسجيلها اعلى نسب النمو طوال اعوام, ذهبت كل جهود دول جنوب شرق اسيا هباء) . ولاحظ مهاتير ان نظام القطع الحالي (غير عادل ويفتقر الى الاخلاقيات) . وحمل على فئة من (المستثمرين الاجانب) الذين يأتون بأموالهم الى الدول الفقيرة (لا لاقامة شركات صناعية تهدف الى التصدير وخلق فرص عمل) بل للجوء الى (استثمارات في مجال المضاربة) . ودعا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى (الغاء كامل) لديون الدول التي يثقل عبء الاقتراض كاهلها. ولفت مهاتير الى ان الدول النامية لم تستفد كثيرا من الاجتماعات الاخيرة لمنظمة العمل الدولية في سنغافورة خلال ديسمبر 1996. واشار الى الخطر الذي تشكله على دول مجموعة الـ 15 العولمة التجارية والاسواق التي تضعف الدول النامية. وشدد على ضرورة تحديد (قواعد جديدة وعادلة) لاقامة توازن في وجه (قوى السوق) . واعتبر ان ليس من سبب يبرر عدم وضع قوانين وانظمة لاسواق الصرف على غرار الانظمة والقوانين التي تطبق فيما يتعلق باسهم البورصات حتى لا تسقط دول العالم الثالث في دوامة لعبة قمار عالمية يستفيد منها الاغنياء على حساب الفقراء. قبل ذلك باربعة اشهر تقريبا كانت واشنطن قد خاضت حربا كلامية مع ماليزيا التي اكدت ان احد الاسباب الاساسية لازمة دول اسيا هو نتيجة مؤامرة, وقد تصدت واشنطن لسلطات كوالالمبور بسبب انتقاداتها لرجل الاعمال الامريكي جورج سوروس الذي حملته ماليزيا مسؤولية الازمة النقدية الحالية في اسيا, وقال المتحدث باسم الخارجية الامريكية نيكولاس بيرنز يوم الاثنين 28 يوليو 1997 (ان التحدث عن مؤامرة لا يعتبر ردا منطقيا) داعيا دول المنطقة الى (اعادة النظر في جهودها لتثبيت استقرار عملائها) . وخلال قمة كوالالمبور عبرت واشنطن باسلوب استهزائي عن امتعاضها من رابطة الدول الـ 15 حيث انشدت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت اغنية تطرقت الى مسألة قبول عضوية بورما في رابطة دول جنوب شرق آسيا والازمة الكمبودية وهجمات السلطات الماليزية على الملياردير الامريكي جورج سوروس. وجاء في الاغنية التي رددها معها اعضاء الوفد الامريكي (جئت اخاطب قادتكم الا انهم توجهوا جميعا للعب الجولف, لذلك اتصلت بجورج سوروس لمناقشة وضع الاسواق والاعداد لمؤامرة, واليوم بعدما بدأنا بتوسيع المجموعة ماذا يمنع ان نقبل صديقي فيديل كاسترو ولم لا صدام) . وانهت الوزيرة الامريكية اغنيتها بمقارنة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير بنجم السينما الاسيوية جاكي شان والاعلان جهارا ان (رجال رابطة دول جنوب شرق اسيا هم الاكثر اغراء في اسيا) . قبل ذلك باشهر كانت ماليزيا المعتدة بقوتها الاقتصادية قد اقامت الكونجرس الامريكي ولم تقعده بانقاذها لجماعات الضغط الصهيونية في واشنطن وشنها لهجوم لم يصدر له مثيل من قبل من جانب دولة اسيوية على اسرائيل, وتأكيدها ان اليهود يسعون الى افلاس المسلمين, وهو الامر الذي جعل الكونجرس الامريكي يصل الى حد المطالبة باستقالة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد. ويلاحظ انه خلال قمة كوالالمبور تحدث الرئيس الاندونيسي السابق سوهارتو بنفس لهجة الرئيس الماليزي حيث اقترح ان تتولى الامم المتحدة (ادارة) ظاهرة عولمة الاقتصاد مشيرا الى (ان التقلبات الحادة في اسواق المال واسعار الصرف قضت على الانجازات الاقتصادية والاجتماعية, مضيفا ان العمل والهمه والتضحيات خلال عقود عديدة زالت بين ليلة وضحاها) . دعوة تبديل القواعد الدولية للنظام الاقتصادي الدولي لم ترق للغرب خاصة للاهمية الاقتصادية لدول المجموعة التي تصل قيمة صادراتها الى 374 مليار دولار, اي سبعة في المئة من حجم التجارة العالمية. الصفقة الايرانية الروسية الفرنسية الماليزية قال رجل اعمال امريكي (ماليزيا تتحدى واشنطن) وذلك عشية قيام الشركة الماليزية (بيتروناس) بالاشتراك مع الشركة الروسية (غازبروم) وشركة توتال الفرنسية يوم الاحد 28 سبتمبر 1997 بتوقيع عقد مع شركة النفط الوطنية الايرانية يتطلب استثمار مبلغ ملياري دولار لاستغلال حقل غاز طبيعي شاسع في جنوب ايران, مما شكل ضربة لمعركة واشنطن الهادفة الى عزل ايران وفرض حصار عليها. الصفقة ضربت عرض الحائط بقانون داماتو الامريكي الذي وضع الى جانب قانون هيلمز بيرتون من اجل عزل كل من ليبيا وكوبا وايران, وقد اعتبرت واشنطن هذا تطورا خطيرا جدا, حتى ان العديدين في الادارة الامريكية اعتبروه بداية النهاية لسياسة الاحتواء الامريكية تجاه عدد من الدول التي يتم تصنيفها امريكيا ضمن الدول التي تهدد المصالح الامريكية وتساند ما يسمى بالارهاب الدولي وتسعى لامتلاك اسلحة الدمار الشامل وخاصة الصواريخ بعيدة المدى والقنابل النووية كما قدموا انه اذا كان الامر يتعلق باتفاق ذي مظهر اقتصادي اساسا فان المستقبل قد يحمل تهديدات اكبر ذات بعد سياسي وعسكري اذا لم تتصد الآن واشنطن بشكل حاسم, وتعاقب من يتحدوها. المؤشرات الأولى للخلاف أولى العلامات العلنية للخلاف بين رئيس وزراء ماليزيا مهاتير ونائبه ووزير المالية أنور ابراهيم طفت على السطح يوم الاثنين 22 سبتمبر 1997 عندما انخفض سعر صرف عملة الرينجيت الماليزية في سنغافورة الى حد قياسي 3.225 للدولار, عندها وصف مهاتير محمد تعاملات السعر بانها (غير مجدية وغير فعالة ولا أخلاقية بالمرة) مؤيدا مطالب الرئيس الاندونيسي بحظر التعامل مع العملات وقال (لسنا بحاجة إلى تعاملات الصرف, وانما نحتاج فحسب الى عملات لتمويل التجارة الحقيقية والا لا ينبغي لنا شراء أو بيع عملات مثلما نبيع مواد أولية) عندها تدخل أنور ابراهيم والمح في هونج كونج الى انه لن يكون (ثمة تغيير على الاطلاق) في اسواق الصرف في ماليزيا. الخلافات تعمقت بين الرجلين بعد ذلك حتى وصل الامر الى اعلان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير يوم الاربعاء 2 سبتمبر 1998 عن اقالة انور ابراهيم, وقد اتى القرار غداة فرض رقابة على اسواق الصرف وتحديد سعر صرف الرينجيت بـ 8.3 رينجيتات للدولار الواحد, وهو امر كان يعارضه وزير المالية والخليفة المعين لرئيس الوزراء البالغ الثالثة والسبعين من العمر. بعد ذلك بخمسة أيام ويوم الاثنين السابع من سبتمبر تم تعيين علي أبو الحسن سليمان رئيس وحدة التخطيط الاقتصادي التابعة لرئيس الوزراء مهاتير محمد حاكما للمصرف المركزي في ماليزيا خلفا لمحمد أحمد دون الذي استقال بسبب اختلاف وجهات النظر السياسية مع رئيس الوزراء, كما تم تعيين زيتي عزيز الذي كان حاكما للمصرف بالوكالة ونائبا خلفا لفونج وينج فاك الذي استقال بدوره في وقت واحد مع أحمد دون. توالت الأحداث بعد ذلك بسرعة وتم اعتقال أنور ابراهيم يوم الاحد 20 سبتمبر ,1998 وانطلقت أزمة سياسية حيث شكلت أحزاب معارضة وقوى اجتماعية ماليزية يوم الاحد 27 سبتمبر ائتلافا للقيام بحملة ضد الحكومة, وقال رئيس (الائتلاف من أجل الديمقراطية) الجديد تيان كوا (نطالب بالتغيير والاصلاحات والعدالة الاجتماعية) واضاف (ان الائتلاف محاولة لايجاد برنامج بديل يهدف الى تقديم اجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية تمثل انعكاسا لصوت الشعب) وذكر تيان ان 18 منظمة وحزبا انضمت الى الائتلاف ابرزها (حزب العمل الديمقراطي) و(صوت الشعب الماليزي) و(منظمة القوى النسائية) . كيف ستتطور الأزمة الماليزية, وما مدى التأثيرات الخارجية عليها؟ هذه بعض الاسئلة التي تطرح الآن. الأمر الأكيد هو ان نجاح أو فشل السياسة المالية والاقتصادية الجديدة في تجنيب ماليزيا نكسة اقتصادية كتلك التي تعرفها اندونيسيا سيكون الحكم في صراع سياسي داخلي بأبعاد دولية. كاتب مصري جريدة العلم المغربي*