تخلت الحكومة السودانية عن العزف المتواصل على ما كانت تسميه سلام الداخل, واعلنت كذلك اخيراً انها يئست من الوصول الى اتفاق مع الحركة الشعبية يحقق سلام الخارج فأعرضت عن اجتماع نيروبي الذي كان من المقرر عقده خلال هذا الشهر . وقررت تجييش الشعب كله للحرب وبعد ان اغلقت الجامعات والمعاهد اتجهت الى الموظفين والعمال واصدرت القوانين الاكثر صرامة في تعقب ومعاقبة كل من يتخلف او يتهرب عن تلبية نداء الحرب. وكانت الحكومة تأمل في ان تستعين بالجماعات المنسلخة عن قرنق في حربها ضده كما كان مخططها ان تحقق سلاماً جزئياً في المناطق التي تقع بالاساس تحت سلطان هذه الجماعات وعلى الاخص المناطق البترولية. ولذلك سمحت الحكومة لهذه الجماعات ان تحتفظ بقواتها وبعتادها بل طلبت ان يكون لتلك القوات وجود في العاصمة كاحتياطي مركزي لحماية النظام, ونقلت شرائح من تلك القوات الى مناطق في وسط وشرق السودان لمواجهة قوات المعارضة الشمالية. وقبل هذا وذاك سعى النظام لتجميع كل الفصائل المعنية وعددها ستة فصائل في تنظيم واحد أسوة بالمؤتمر الوطني ولاخفاء صفة التخريب عن تلك الفصائل وضع على رأس, التحالف د. رياك مشار. لكن تلك الفصائل لاسباب عديدة بعضها بفعل الحكومة عجلت بالصراعات بين اقطابها خاصة حول المناصب والمغانم فنقلت حربها الى الخرطوم التي جيىء بفصائلها اليها لحمايتها فشهدت العاصمة للمرة الاولى المطاردات بين تلك الفئات بالرصاص والخطف المتبادل بين قياداتها, وعندما نقلت الى الجنوب استقوت بالتسليح الذي قدمته اليها الحكومة فتناحرت مما جعل اتون حرب الداخل ــ عوضا عن سلام الداخل ــ لا يقل ضراوة عن الحرب التي يواجهها النظام من الخارج, وعجزت الحكومة تماما عن وقف حرب الداخل بل اصبحت متهمة بانها تناصر فصيلا على اخر. فدكتور مشار يتهم القوات النظامية بانها تقف وراء (ماتيب) وتمده بالعتاد في قتاله ضد فصيله. وماتيب يتهم قوات مشار بأنها هي الاخرى تتلقى دعما عسكريا من قوات قرنق, وادعى انه تعرض لمحاولات اغتيال اكثر من خمس مرات وقال: ان مشار وقاي لن يقبلا بالحل السلمي الا اذا كانا مهزومين عسكريا. واخيراً انتقل الصراع الى ميدان السياسة ما قد يعني النهاية الحتمية لتصدع جبهة انقاذ الجنوب, فقد عقد لورانس لوال مؤتمرا صحفيا وهو يتقلد منصب نائب الامين العام للمؤتمر الوطني وقبلها كان ترأس قوات دفاع جنوب السودان في اعقاب انشقاق كاربينو في بحر الغزال وقال: انه يعلن انشقاقه عن جبهة الانقاذ الديمقراطية لان مشار همش بقية الفصائل وخص فصيله بالوظائف في مجلس الجنوب. وعلى الفور ردت الجبهة بعد اجتماع عقدته برئاسة مشار واعلنت انها قررت اسقاط عضوية لورانس من الجبهة وطالبت البشير والترابي بتنحيته من منصب نائب الامين العام في المؤتمر الوطني كي يتسنى لها التقدم بمرشح بديل له لانه لم يعد اهلا للمنصب واذا لم يستجب لطلبها فستنسحب من المؤتمر الوطني مع الابقاء على تحالفها مع الحكومة واختيار منبر غير المؤتمر الوطني للتحدث منه! من الواضح ان الحكومة قد فشلت تماماً في لملمة صفوف الجماعات التي تحالفت معها وانه فضلا عن الحرب التي تحولت بين تلك الفصائل فانها انعكست اخيرا على الجانب السياسي للنظام ولم يعد امام الحكومة الوقوف في صفوف المتفرجين, كما ان انحيازها علناً الى هذا الجانب أو ذاك سيكون قاصمة الظهر لكل التحالف بما في ذلك الحكومة! وهكذا تبدو المعادلة في كل الأحوال نتيجتها المنطقية هي (فكفكة) اتفاقية السلام من الداخل ونهاية التحالف التي هللت له الحكومة خلال الفترة الماضية, واتساع رقعة الحرب ما يؤكد فشل النظام في التعامل حتى مع الذين انسلخوا من قرنق ووثقوا في اتفاقات هشة عقدوها معه. وبالطبع من غير المستبعد ان تتداعى تطورات كبيرة وخطيرة كنتيجة لفك الارتباط بين الحكومة وبعض الفصائل الجنوبية المشار اليها بسبب ان جميع هذه الفصائل تتمتع بوجود شرعي لقواتها المسلحة المنفصلة عن قوات الحكومة, وان شرائح من هذه القوات موجودة بالفعل في الخرطوم وانها ستقاتل بعضها كما فعلت من قبل, وكما اعلن احد القادة المناوئين لمشار من ان رياك لن يقبل بالسلام الا اذا هزم عسكريا. ولكن العبرة لا تقف عند حد الاقتتال بين تلك الجماعات وانما مجرد نشوب مثل هذه المعارك في العاصمة من جديد يمكن ان يؤدي الى انفلاتها ما قد يتحول الى حرب اهلية تشترك فيها كل الاطراف المحيطة بالعاصمة السودانية وساعتها لن يسقط النظام فحسب وانما قد يسقط السودان بالصورة التي كان معروفا بها من قبل أو سائدة قبل التحولات التي حدثت في هذا العهد الذي تحول الى مرجعية طاردة للجماهير الواعية التي يستشعر خطورتها على حكمه وعمل على تمكين شرائح وافدة على السودان ولا تمت باي انتماء له! خلاصة القول ان سلام الداخل قد انتهى ويخشى ان يتحول الى كوارث بينما السلام من الخارج صار ابعد منالا خاصة بعد فشل تجربة الداخل حيث راهن بعض الذين انشقوا عن قرنق على صدقية النظام فوقعوا في مصايد حرب المغانم والوظائف ودسائس النظام. والمرجح ان اجتماع نيروبي المقرر عقده في مسلسل وساطة ايجاد في فبراير المقبل لن يعقد وقد تستبقه احداث تتجاوز الوساطة نفسها حسبما تشير مجريات الاحداث. صحافي سوداني مقيم ببريطانيا*