من السابق لاوانه تقييم قرار حلف شمال الاطلسي (ناتو)بتوجيه ضربات جوية إلى الاهداف العسكرية اليوغسلافية, في حال عدم سحب القوات الصربية من كوسوفو وقبول بلجراد للاقتراحات الاخرى المتعلقة باعادة اللاجئين الالبان إلى ديارهم والسماح لهيئات الاغاثة بدخول المناطق المتضررة, فبدون اقترانه بارادة جدية للتنفيذ سيبقى مجرد حلقة في سلسلة طويلة من قرارات التهديد والوعيد التي عرف العنصريون الصرب كيف يناورون لمواجهتها, والالتفاف عليها, وافشالها في نهاية المطاف. ومما يثير الشك بامكانية تنفيذ القرار, تضارب وجهات نظر دول الحلف وانقسامها المكشوف حوله, وهو ما يعني السماح للصرب بالتمادي في استهتارهم برغبة المجتمع الدولي, هذا فضلا عن الاصطدام بموقف روسيا الرافض لاية ضربة موجهة لحلفائها التقليديين. واستطرادا, فان الكثير من القادة العسكريين للحلف, وخصوصا من الاوروبيين, لا يعتقد بان سحب الصرب اسلحتهم الثقيلة من كوسوفو, سينهي المشكلة, اذ ان الاسلحة الصربية بعيدة المدى, هي مصدر التهديد والخطر على الاقليم, الامر الذي يجعل (فرحة النصر ناقصة) , فما دامت القوات الصربية تمتلك السلاح الذي حرم سكان الاقليم منه, ليس بالامكان مشاهدة هزيمتهم في وقت قريب. ونحن, كشهود على المأساة البوسنية المروعة التي توالت فصولا دامية تحت سمع العالم وبصره, لا نجدنا بحاجة إلى تفسير, لندرك ان قرار حلف الاطلسي جاء لاسباب لا تتصل البتة بجوهر الصراع الدائر في كوسوفو, فهو ورقة التوت التي تغطي فضائح السياسة الدولية وعجزها عن اجراء تغيير حقيقي على مجريات هذا الصراع, والمفارقة ان هذا القرار يضيف الوهم بان الدول التي سئمت التفرج على مسرح المأساة شريكة في (صنع السلام) الذي هو ليس اكثر من الجر الكاذب لأيدي الصرب, ربما لانقاذها من تهمة الجرائم البشعة التي اقترفتها بحق آلاف المدنيين في الاقليم. والنتيجة الواضحة, ان خبراء تسويف الازمات والنزاعات والحروب, بامكانهم استغلال الظروف, واللعب بالوقت, حتى لو كلف ذلك ثمنا غاليا, طالما ان تكاليف الدفع ستكون على الضحية. من الطبيعي ان تكون النزعة العرقية موجودة في منطقة عرفت منذ 200 سنة صراعات وهجمات عثمانية ونمساوية ــ مجرية, بيد ان ثمة قواعد لعبة اخذت تتكشف للجميع تتمثل في محاولات دبلوماسية متجاوزة وخطط هي وسائل تخدير اكثر منها حلولا. ترى أية مصداقية بقيت للنظام الدولي الجديد, كما يتحدث به الان وكما طرحته الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية الاخرى, ذلك ان المواقف منه ومن ترتيباته وآليات تطبيقه, تذهب بعيدا إلى حد الاختلاف, بل التناقض واثارة العديد من الاشكاليات المماثلة لمرحلة الصراع والتطاحن والمواجهات إبان الحرب الباردة. ويعترف معظم الخبراء الاستراتيجيين ان سقوط جدار برلين لم يأذن ببزوغ صباح جديد, كما ان انفجار الامبراطورية السوفييتية زرع الفوضى واللااستقرار في جزء واسع من كوكبنا, وقد تركتنا الهمجية القصوى للحرب الاهلية في يوغسلافيا مشدوهين كما لو ان ما نراه هو خارج الواقع, ولا شك ان مكانة الامم المتحدة قد اهتزت نتيجة صمتها على صرخات واستغاثات المضطهدين وما اكثرهم في هذا العالم الموبوء بالدكتاتوريين وحروبهم, وبالتفسخ والانحلال والفساد السياسي, وليس هناك من حل لازمة المنظمة الدولية الا باخضاع القوة للقانون واخضاع القانون لقوة الحق لان التأرجح بين بين, سيضع مصداقية النظام الدولي الجديد في الميزان. واذا اضفنا إلى ذلك باقي النزاعات الاقليمية التي تخوضها بعض الاقليات عبر العالم والقضايا المرتبطة بالنسيج الاقتصادي العالمي المعرض للتمزق, والعلاقات بين دول الشمال والجنوب والتبادل غير المتكافىء بينهما على اكثر من مستوى, تبين مدى حجم الاختلال الذي يشوب هذا النظام, بعد سنوات قليلة من تبشير الولايات المتحدة به, كقوة عظمى وحيدة تمارس قيادة فعلية للعالم الذي كان يحكم برأسين. ان من الضروري السؤال فيما اذا كنا نعيش الان فعلا مرحلة مختلفة في العلاقات الدولية عن المراحل السابقة, بوقائعها وحركاتها وقوانينها المميزة, فاذا كانت هناك معطيات عديدة تبين ان الجديد تحقق في الحقل الدبلوماسي الدولي, حيث توسع بشكل اكبر, وفي مجال مشروع البيت الاوروبي المشترك, أو في مجال خفض موازنات الدفاع والتسليح ــ ظاهريا على الاقل ــ فان هناك انشغالات اخرى ومشكلات سياسية واقتصادية وحتى بيئية تحتل الواجهة, وتفرض اعادة النظر في الحسابات والاخطاء وما يقال عن دخول الوضع الدولي صيرورة التغيير.