شهدت الاسابيع الاخيرة تطورات عديدة على الساحة الايرانية تحمل في طياتها اكثر من اشارة ودلالة. في مقدمة التطورات هذه الازمة الايرانية مع حركة طالبان بعد مقتل عدد من الدبلوماسيين الايرانيين في افغانستان , ورافقها اعلان لندن اعادة العلاقات الدبلوماسية مع طهران بالتزامن مع تصريح وزير الخارجية الايراني كمال خرازي بشأن تخلي بلاده عن مكافأة قتل الكاتب سلمان رشدي صاحب كتاب (آيات شيطانية) . الموقف الايراني الجديد تجاه رشدي أتى في أتون الجدل القائم في ايران حول الفتوى التي اصدرها اية الله الخميني ضد هذا الكاتب. ويقول علي نوري صادق الكاتب الايراني المقيم في لندن والمختص بالشؤون الايرانية (هناك فتوى صادرة عن مرجع ديني وهو الامام الخميني وليس باستطاعة اي شخص الغاءها... ولكن بالنسبة لتنفيذها فان الحكومة الايرانية التزمت بعدم ارسال عملاء او تشجيع اشخاص على قتل سلمان رشدي) . ويعني ذلك ان الحكومة الايرانية تخلت عن الفتوى من الجانب العملي ولكن لا تستطيع التخلي عنها من وجهة النظر الدينية, لان الحكومة ليست مؤهلة لالغاء فتوى صادرة عن اعلى مرجع ديني في البلاد. والواضح ان الموضوع ليس سهلا لانه الى جانب الفتوى الايرانية افتى رجال الدين السنة بحكم مشابه لحكم الخميني نظرا للاهانات التي يتضمنها الكتاب عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وزوجاته. ويذكر الصحفي صادق, محرر نشرة (الموجز الايراني) المختصة بالشؤون الايرانية, ان خامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية ادلى بتصريح, اثناء زيارة له لاوروبا الشرقية, قال فيه انه اذا اعلن رشدي توبته فان ايران ستلغي الفتوى. وبعد ساعة من ذلك اعلن الامام الخميني في طهران بعبارات متشددة وموبخة لخامنئي (انك لست مخولا باصدار تصريح مماثل وانك لست مرجعا ولست آية الله ولذلك فان الفتوى باقية ولن تلغى وحتى اذا اعلن سلمان رشدي توبته فسيظل مرتدا وقتله واجب) . وجرت محاولة اخرى بعد وفاة الامام الخميني عندما حاولت حكومة رفسنجاني ايجاد صيغة اومخرج لهذه الفتوى لتحسين علاقاتها مع بريطانيا و(للخروج من باب خلفي) ولكن الامر لم يتحقق لعدم ثقة البريطانيين برفسنجاني وبسبب ازدواجيته ودوره في اغتيال المعارضين. اذ كان رفسنجاني يصر على ان يبقى الموضوع سرا مع بريطانيا, فيما كانت لندن تطالب طهران بان تعلن رسميا انها لن تتخذ اي اجراء قد يهدد حياة رشدي ومن يتعاون معه خاصة بعد قتل مترجم آيات شيطانية في اليابان وتعرض ناشر كتاب في السويد لهجوم. تغير الموقف الايراني اتى بعد مجيء خاتمي للسلطة ولاسباب مختلفة, اذ بدا ان بريطانيا صارت مقتنعة بان القرار بشأن رشدي قد اتخذ على اعلى المستويات في ايران وان هناك اتفاقا بين خاتمي وخامنئي بشأن الموضوع. وللمرة الاولى تتنصل ايران من موضوع المكافأة. ولكن السؤال هو من سيمنع اي باكستاني او بنجلادشي او اي مسلم يشعر باساءة من هذا الكاتب ان يقدم على قتل سلمان رشدي, وهل ستكون ايران مسؤولة عن اي عمل يقوم به شخص, يجيب صادق (ايران لن تكون مسؤولة عن ذلك باعتبارها دولة لديها التزامات دولية وتعهدت لدى بريطانيا رسميا بعدم تشجيع اتخاذ اي اجراء في هذا الاتجاه) . ومن الواضح ان ايران ادركت ان بريطانيا هي بوابة العبور الى الولايات المتحدة الامريكية خاصة بسبب العلاقة الخاصة التي تربط البلدين وخاصة تلك التي بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بالرئيس بيل كلينتون, كما ان التنسيق بين لندن وواشنطن بشأن فتح نافذة العلاقات مع ايران بدأ قبل عدة اشهر. ويوضح صادق (حتى في زمن انقطاع العلاقات بقيت شركات الطيران الايرانية تسير اربع رحلات في الاسبوع الى لندن ما يعني ان العلاقات لم تكن مقطوعة ابدا, وان الارتباطات التجارية والاتصالات الثقافية ظلت قائمة, ووجود جالية ايرانية كبيرة في بريطانيا هو ايضا دليل على هذا الارتباط) . وبرفع مستوى العلاقات بين لندن وطهران الى التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء تكون بريطانيا انضمت الى بقية بلدان الاتحاد الاوروبي وركزت على هدف مربح في محاولة للاستفادة من الانحسار الالماني على الساحة الايرانية. (في هذا السياق, واذا نظرنا الى العلاقات الايرانية الالمانية والتي ما زالت تخيم عليها آثار محاكمة ميكانوس ومحاكمة الصحافي الايراني الالماني, تعلم بريطانيا ان بوسعها احتلال مكانة المانيا تجاريا. وخاصة في ضوء اعتماد ايران على الصناعات البريطانية منذ عهد الشاه كما ان هناك احتمالا كبيرا بان تتمكن بريطانيا من تلبية حاجات ايران من المعدات الزراعية وحتى المعدات العسكرية في حال تطور العلاقات بين البلدين) . يقول صادق. وهناك تساؤلات حول توتر العلاقات بين ايران وحركة طالبان واذا كانت ساعدت في تسهيل الامور امام ايران لفتح باب الحوار مع الولايات المتحدة, ويقول صادق (هناك ثلاث نقاط مهمة لا بد ان نأخذها في عين الاعتبار, ومن بينها: ان الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تبنتا موقفا معاديا لمنظمة مجاهدي خلق) . فقد وضعت الولايات المتحدة هذه المنظمة على قائمة المنظمات الارهابية منذ اكثر من سنة ونصف السنة, وفعلت بريطانيا الشيء نفسه حيث ادانت انشطة هذه المنظمة خاصة في الفترة الاخيرة بعد تفجير مقر المدعي العام الثوري وقتل حاجي وردي. ايران تنظر الان الى بريطانيا بمنظار ايجابي خاصة بسبب ما حصل في الاشهر الاخيرة حيث رفضت اقامة مريم رجوي في العام الماضي (زوجة مسعود رجوي زعيم مجاهدي خلق) التي اضطرت الى العودة الى بغداد. كما انها اغلقت ابواب منظمة (ايران ايد) وهي منظمة خيرية تقوم بجمع التبرعات لصالح مجاهدي خلق. كما انها لم تجدد لهم الاذن لاذاعتهم المحلية التي تبث من بريطانيا هذا العام. وحسب صادق فان (هذه الامور كلها خطوات مهمة لدى ايران ويبدو ان بريطانيا اتخذت قرارا بتوسيع علاقاتها مع طهران منذ وصول الرئيس خاتمي الى السلطة واتخذت خطوات عملية في هذا الاتجاه) . باريس ـ ليلى المر: (خدمة وورلد نيوز لينك)