غامضة كالروايات البوليسية, مثيرة للجدال حتى ان بعض أهلها يختلفون عليها, ملتوية مثل تسمية أحمد(حاج أحمد)أو كاستخدام اليد اليمني للاشارة إلى الأذن اليسرى . انها مفردة (التوالي السياسي) التي تحاول أن تختزل عبر (غموضها البناء) جدالا لا حدود له حول عودة التعددية السياسية إلى السودان بعد أن غابت شمسها قرابة عشر سنوات هي عمر (الانقاذ) . وقد مرت المفردة ــ المربكة بمسيرة طويلة منذ أن كانت تعددية صريحة في مسودة الدستور قبل أن تتحول بـ (قصر) إلى توالي, ثم اجيزت مع الفقرات الأخرى في استفتاء على دستور السودان. وعبرت (التوالي) عتبة الحكومة السودانية هذا الاسبوع, لكنها ازدادت غموضا وتعقيدا بعد أن أضافت إليها الحكومة نصوصا اضافية يعطي أحدها أي مواطن حق الطعن في أي حزب ينشأ وفقا للتوالي. ووسط هذا وذاك, تنام مجالس السودان على التوالي, وتصحو على صياح مؤيديها القليلين ومعارضيها الكثيرين. هنا وقفة على ظلال (التوالي) وجرده لمواقف السياسة المختلفة منها. قيادات حزبية تراهن على عودة الديمقراطية برضاء النظام أو غيره لم تنشغل الساحة السياسية السودانية في تاريخها بشيء كانشغالها الحالي بقانون التوالي السياسي فقد ظلت الأوضاع السياسية طيلة الفترة التي أعقبت التوقيع على الدستور في الثلاثين من يونيو الماضي في حالة احتقان زاد تفاقمها تعطيل نشاط الأحزاب التي أعلنت ان ما يهمها من الدستور هو الغاء المرسوم الثاني الذي حظرها وبالتالي فإنها ستمارس نشاطها دون إذن من أحد. لكن السلطة أخمدت ذلك سريعا باشتراطها أن تمارس الأحزاب نشاطها عقب صدور قانون التوالي الذي استغرق مخاضه زمانا طويلا وتزامن ذلك مع أحداث تفجير بالخرطوم التي تبادلت الحكومة والمعارضة الاتهامات بشأنها. والآن وبعد أن أعلنت السلطات الحاكمة ان قانون التوالي السياسي سيصدر مطلع العام المقبل فإن سحب الشك والريبة لا تزال تلقي بظلالها الكثيفة على الساحة من جديد, لا سيما وان الأحزاب ترى في استفراد المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) دون سواء بالساحة نذير سوء حول عودتها المرتقبة ووسط سحب الشك وظلال عدم اليقين السائدة في السودان تبرز أسئلة كثيرة حول تضاريس المشهد السياسي الراهن في السودان, وآفاق المستقبل. (البيان) طرحت هذه الأسئلة وغيرها على عدو من الساسة وقادة المعارضة بالداخل وكان من بين هؤلاء, غازي سليمان المحامي رئيس التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية, د. آدم موسى مادبو وزير الطاقة والتعدين في حكومة الصادق المهدي السابقة وزير الدفاع الأسبق والقيادي البارز في حزب الأمة, يحيى محمد الحسين المحامي عضو قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ود. الحبر يوسف نور الدائم عن جماعة الاخوان المسلمين, طه ميرغني المحامي, الأمين العام للحزب الاشتراكي العربي الناصري, أمين الربيع عضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي, د. فاروق كدورة القيادي في الحزب الشيوعي وسعدالدين أحمد العوض المسؤول عن العلاقات الخارجية بحركة اللجان الثورية. وقد اعتبر معظم هؤلاء ان الابهام والالتواء والالتفاف الذي لازم مصطلح التوالي منذ مسودة الدستور وإلى الآن سيظل يشكل العقبة الكؤود في مساهماتهم لدفع الأمور باتجاه السلطة الحاكمة التي يعتقد بعضهم انها لا تطيق أي منافسة على السلطة وبالتالي يشككون في عودة التعددية الحزبية.. وازاء ذلك يطرحون بدائلهم التي يرون انه لا سبيل إلى تحول سلمي إلى الديمقراطية ولا تداول سلمي للسلطة يجنب البلاد الويلات إلا بها.. لكن بعضهم وصلت بهم قناعاتهم لخلفيات وشواهد أوردوها ان طبيعة النظام لن تتبدل ولن يتم تحول حقيقي يقود إلى بر السلامة مهما ابتدع النظام وابتكر من أشكال وأساليب لتزيين وجهه.. استنادا إلى ان (الطبع يغلب على التطبع) كما قالوا. جعجعة بلا طحن استهل غازي سليمان المحامي رئيس التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية حديثه معرفا وموضحا منهجية التحالف بقوله: اننا عندما نتحدث عن النهج الديمقراطي, نعني به النهج الديمقراطي الصحيح وليس النهج الديمقراطي الذي يتم الآن وهو تجميل وجه السلطة.. وأجد من المؤسف القول انه حتى تاريخ اليوم لا أعتقد بأن هناك تحولا حقيقيا نحو الديمقراطية مما يجعلني أقول ان الدستور الشامل الذي أقرته السلطة في 30 يونيو 1998 هو محاولة لتجميل وجه السلطة القمعي وليس تحولا حقيقيا نحو الديمقراطية في السودان. وأضاف غازي قائلا: وأدلل على ذلك بالآتي, انه بالرغم من صدور الدستور الشامل لسنة 1998 الا اننا ما زلنا حتى الآن نحكم بموجب قانون أمن الدولة الوطني لسنة 94 وأرجو أن نلاحظ ان هذا القانون صدر بموجب المرسوم الدستوري الثاني سيء السمعة وهو المرسوم الذي صدر في 30 يونيو 89 عندما تم الانقلاب العسكري وتم قتل حكومة وطنية ديمقراطية شرعية انتخبها أهل السودان.. وهذا يعني بأن السودان ما زال حتى الآن يحكم بواسطة القوانين التي صدرت بناء على المرسوم الدستوري الثاني لسنة 1989. ذلك المرسوم الذي قنن للقمع وللديكتاتورية وهو مرسوم يمنع حرية الفكر وحرية الصحافة ويمنع حرية التنظيمات السياسية والمهنية والنقابية, إذن ليس هناك وحتى الآ في السودان أي تحولات نحو الديمقراطية ويقولون دائما: (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا) . واستطرد غازي فليست هناك حريات صحافة كما تدعي السلطة وليست هناك حرية للرأي الآخر وليست حرية لأي سوداني بل ما زلنا نحكم بقانون الأمن الوطني ونحكم بقانون الطوارئ ونحكم بمحاكم النظام العام وعليه فإن الحديث عن تحول ديمقراطي في السودان والوعود باصدار قانون للتوالي السياسي في مطلع العام المقبل, هذا كله ذر للرماد على العيون ومحاولة لكسب الوقت ولتقنين الديكتاتورية. البديل الواحد وفي اجابته عن البديل المطروح للقانون المنتظر يقول سليمان: البديل لدينا واحد وهو تصاعد الحركة الجماهيرية في السودان, هو تصعيد الحركة الديمقراطية والرهان على الشعب والرهان على إزالة هذه القوانين القمعية والاستبدادية ووضع السودان في الطريق الصحيح وهو طريق الديمقراطية والتقدم ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بتحالف كل قوى الديمقراطية... وعندما اتحدث عن قوى الديمقراطية أعني بها أحزابنا التقليدية وأعني بها في نفس الوقت القوى الحديثة الممثلة في نقابات العمال وتنظيمات المهنيين وتنظيمات المزارعين والحركة الطلابية التي تدعم الآن التحالف والتي يدعمها كذلك التحالف الآن. وقد استطاع التحالف في الآونة الأخيرة أن يستقطب كل الحركة الطلابية إلى صفوفه وهذا مؤشر حقيقي لتصاعد الحركة الجماهيرية في السودان. ومضى يقول: نحن كقوى ديمقراطية نعتقد بأن الصراع مع قوى القمع والاستبداد سيكون طويلا ومضنيا وشاقا وفي بعض الأحيان سيكون محبطا.. لكننا سنصر على المسيرة وبناء الحركة الديمقراطية لتأتي بالبديل والبديل سيكون هذه المرة هو حكم ديمقراطي يعتمد في نهجه وأسلوبه على مؤسسات المجتمع المدني القومية ويحترم حقوق أهل السودان. انتفاضة ثالثة ويراهن غازي كثيرا على قدرة الشعب السوداني على القيام بدوره كاملا في الداخل مشيرا إلى آثار الضربة الأمريكية لمصنع الشفاء على مجمل الحركة الجماهيرية بقوله: أما العمليات المغامرة مثل عملية ضرب مصنع الشفاء فقد أضرت وكانت سلبية على مجمل الحركة الجماهيرية في السودان. ففي مساء الضربة الأمريكية لمصنع الشفاء كانت تنتظم في الخرطوم مظاهرات عديدة تهتف بعودة الديمقراطية وتطالب بالحقوق المدنية والسياسية لأهل السودان وتهتف بسقوط النظام لانه فشل في حل الضائقة المعيشية وفي حل قضية الخدمات مثل الكهرباء والمياه وبعد الضربة تحولت كل الأنظار للسماء في انتظار الجنود الأمريكيين.. ومضى غازي يقول: هذا مؤسف للغاية, وقد فات على الجميع بأن للإدارة الأمريكية برنامجها وأجندتها ولنا نحن في المعارضة الداخلية برنامجنا وأجندتنا المختلفة منها, فالإدارة الأمريكية تهتم بمحاربة الارهاب الدولي وهذا لا يخصنا نحن في المعارضة الداخلية, فنحن نهتم بالارهاب السياسي الذي يعاني منه أهل السودان. وخلص غازي إلى القول: عليه فإني أرجو أن يراهن الجميع على الحركة الجماهيرية في الداخل وان نبتعد عن المزايدات وأن نرص صفوفنا لمحاربة القمع والاستبداد بصبر واناة وبرجولة وألا نفقد اطلاقا وتحت كل الظروف الثقة في مقدرة أهل السودان على انتفاضة ثالثة. ذر الرماد حول تصوره لما يمكن أن يفضى إليه التوالي السياسي ببروز أحزاب جديدة وانعكاس ذلك على الأوضاع السياسية قال غازي سليمان: أعتقد ان أي توالي سياسي إذا لم يكن من بين الأحزاب أحزابنا التقليدية المحترمة, حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي وحزب البعث, سيصبح هذا ذرا للرماد في العيون ومحاولة للالتفاف حول المشكلة الأساسية أما الدعوة لقيام تنظيمات جديدة فهذه محاولة لتجميل وجه السلطة وأنا شخصيا سأقف ضد أية تحولات ديمقراطية تؤدي إلى بروز أحزاب جديدة.. والأحزاب الجديدة ستكون أحزابا انتهازية تسير في ركاب هذه الحكومة القمعية الاستبدادية. قانون معد أما آدم موسى مادبو القيادي البارز بحزب الأمة وزير الطاقة والتعدين في حكومة المهدي السابقة وزير الدفاع الأسبق, فقد أعلن بوضوح ان حزب الأمة وكيان الأنصار لن يشاركوا في وضع قانون التوالي حتى لو وجهت لهم الدعوة, وانتقد الغموض والابهام الذي اكتنف (مصطلح التوالي) قائلا: ان كلمة التوالي في اللغة العربية كلمة لها معاني كثيرة وليس من بين هذه المعاني التعددية الحزبية وفي هذا الاطار فإن هذه الفقرة التي تتحدث عن التوالي السياسي يمكن أن تفسر حسب الشخص وفهمه للغة العربية وفهمه للموقف السياسي.. وهذا التعبير المبهم هو الذي جعل القوى السياسية المعارضة تعترض على هذا النص وتطالب بنص صريح واضح هو الديمقراطية والتعددية السياسية الحزبية. والتبرير الآتي الذي قدمه بعض المسؤولين بأن هذا النص الغرض منه التأصيل الإسلامي, هذا التبرير تبرير غير مقبول لان كلمة أحزاب هي واردة في القرآن الكريم وواردة في اللغة العربية بل أن هناك سورة بأكملها في القرآن تسمى (سورة الأحزاب) . واستنتج د. مادبو القصد من ذلك بقوله: إذن القصد من هذا النص هو ان المشرع قصد منه بأنه يمكنه أن يفسر هذا النصر حسبما يراه هو للظروف المحيطة به, ولذلك ومنذ البداية وفي اطار اللجنة القومية التي كانت تضع الدستور نحن رفضنا الاشتراك في هذه اللجنة لعدة أسباب منها: ان غالبية أعضاء هذه اللجنة هم من أعضاء الجبهة الإسلامية المحظورة أو من الموالين لحكومة الانقاذ, وتمثيل القوى الديمقراطية المعارضة كان تمثيلا رمزيا وشكليا, خاصة ونحن نعلم جيدا ان السلطة لها قانون محضر منذ سنين وهي مصرة على اجازته وهذا ما حدث. منطق الرفض وزاد د. مادبو بقوله: فبعد أن قدمت اللجنة القومية للدستور قانونها لم يؤخذ بذلك القانون وأصدر القصر دستورا جديدا للمجلس الوطني ورفضنا نحن منذ البداية المشاركة في ذلك الدستور وبالتالي رفضنا المشاركة في الاستفتاء المطروح لاننا نعلم بأن النتيجة معروفة سلفا لان كل اللجان لجان حكومية ولجان غير محايدة وتأتمر بأوامر الحكومة ونتيجه الـ 96% تؤكد هذا المنطق.. وانتهى د. مادبو إلى القول في هذا الصدد: يبقى من ناحية المنطق ما دام نحن رفضنا الدستور واعتبرناه لا يمثل رأي الشعب السوداني واقتراحاته, فأي قانون مبني على ذلك الدستور نحن نرفض الاشتراك فيه بأي صورة من الصور لانه ليست هناك قاعدة ينبني عليها. فمن حيث الجوهر والمنطق لن نوافق على ما يسمى بقانون التوالي السياسي ولم ندع حتى الآن للمشاركة فيه وحتى لو دعينا فلن نشارك في وضع قانون التوالي السياسي ولم ندع حتى الآن للمشاركة فيه وحتى لو دعينا فلن نشارك في وضع قانون التوالي السياسي لكن كما هو معروف إذا أجازت الحكومة أو السلطة قانونا يؤكد على الحريات العامة ويؤكد على الديمقراطية والتعددية الحزبية ويفتح المجال واسعا للأحزاب فمن المؤكد نحن سوف نستفيد من ذلك المناخ السياسي للتعبير عن آرائنا وأفكارنا والدعوة لتحقيق المبادئ الأساسية وهي مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية.. وهذا بالطبع يعني بأننا لا نقبل بنصوص القانون الذي سيصدر ولكننا سنمارس أعمالنا ونشاطنا السياسي في اطار جو الحريات العامة المتاحة. وبين د. مادبو حدود مشاركتهم في القانون في اطار ايضاحه لبديل التوالي بقوله: البديل المطروح والذي طرحته القوى السياسية المعارضة دائما هو الرجوع إلى التعددية السياسية الحزبية والتجربة الديمقراطية المعروفة بفهمها المعروف عالميا واقليميا وليس بالتفسير الذي يمكن أن يفسره بعض الاخوة هنا لمصلحتهم. فهذا هو طرحنا فإذا قبلت الحكومة هذا الطرح في هذا الاطار فنحن مستعدون استعدادا كاملا للمشاركة ولكن هذا يقتضي طبعا تعديل بنود أساسية في الدستور لتتماشى مع هذا النهج وتتماشى مع هذا الفكر.. وإذا قبلت الحكومة هذا الرأي ووافقت على اجراء التعديلات الأساسية في الدستور والتي نرى انها ضرورية ووافقت على اصدار قانون واضح وصحيح يؤكد الديمقراطية والتعددية السياسية لا شك بأننا سنشارك في مثل هذا القانون ونشارك مشاركة سياسية فاعلة. وختم مادبو حديثه موضحا ما يكون عليه الوضع السياسي في ضوء عدم مشاركة المعارضة في القانون بقوله: إذا أصرت الحكومة على نهجها ومنهجها في انها تضع القوانين حسب رؤيتها وبما يخدم مصالحها دون اعتبار لأفكار وآراء المعارضة السياسية فلا شك ان الوضع السياسي سيزداد تأزما وستستمر المعارضة في نفس نهجها ولن يكون هناك استقرار ولا أمن في السودان.. بمعنى آخر لان اجازة الدستور بالطريقة التي تمت بها وقانون التوالي السياسي المزمع اصداره بدون مشاركة القوى السياسية المعارضة, لن يؤدي إلى أي استقرار ووحدة في السودان. تكريس الشمولية وحول نفس المحاور تحدث يحيى محمد الحسين المحامي العضو البارز بحزب البعث العربي الاشتراكي, قائلا: قانون التوالي هو تتويج لعملية طويلة هدفها ايجاد شرعية شعبية ودستورية لنظام الانقاذ بعد ثماني سنوات لانقلاب 30 يونيو 1989 هذه العملية قطعت شوطا كبيرا بعد اتفاقية الخرطوم للسلام واجازة المجلس الوطني للدستور الدائم في يوليو الماضي, وبقي الآن صدور قانون تنظيم التوالي ليكتسب النظام الحاكم شرعيته الشعبية والدستورية حسب الخطة الموضوعة, وكان المتوقع ان يتم ذلك بعد الاستفتاء مباشرة لكنه لم يحدث وتأجل الآن حتى مطلع العام المقبل بحجة اتاحة فرصة لصياغة القانون بمشاركة من كل القوى السياسية في البلاد. ويقول الحسين: انه يجب ان ننظر لهذا القانون في هذا الاطار فقط معتبرا ان المسألة برمتها هي محاولة من القوى السياسية والاجتماعية المسيطرة على السلطة لايجاد مخرج ايجابي للأزمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد وأزمة الحكم المستفحلة, وذلك عن طريق توسيع قاعدتها السياسية والاجتماعية وضم قوى أخرى شمالية وجنوبية للطبقة الحاكمة في اطار ركائز النظام القائم وبرنامجه السياسي والاقتصادي, أي ان المسألة ليست تحولا سلميا من نهج الحكم الشمولي والحزب الواحد إلى نهج التعددية السياسية والديمقراطية والدولة المدنية الديمقراطية بل هي تكريس لنظام شمولي تحت لافتة التوالي السياسي, أيا كان المقصود به, وذلك لأن التعددية والديمقراطية لا يمكن الوصول إليها دون توفير بنياتها الأساسية وأهمها اشاعة الحريات العامة وضماناتها الدستورية وحرية التعبير والتنظيم الحزبي والنقابي وتأكيد التداول السلمي للسلطة وسيادة حكم القانون للحكومة والمواطنين على السواء إلخ. وأضاف الحسين يقول: هذه البنيات ليست متوفرة في السودان منذ صباح 30 يونيو 89 وحتى الآن , هناك الآن قوى سياسية واجتماعية محددة, هي الجبهة الاسلامية القومية و حلفاؤها, تسيطر على مقاليد السلطة والادارة والاقتصاد, هذه القوى هي التي قامت بصياغة الدستور وحددت ركائزه دون مشاركة من القوى السياسية الأخرى. وحتى القانون المذكور ستتم صياغته بنفس الطريقة لخدمة أهداف هذه القوى وقد يتضمن بعض الحريات لكنها ستكون محكومة بالقانون نفسه وبقوانين أخرى في اطار الركائز الأساسية للنظام القائم, ومثل هذا الطريق لا يختلف في نظري عن تجربة المصالحة الوطنية التي تمت عام 1977 بين نميري وبعض القوى السياسية في ظروف مماثلة أو عن تجربة المنابر التي أدخلها السادات عام 1973 في مصر. وبالتالي فإنه لن يساعد كثيرا في ايجاد مخرج ايجابي للأزمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد ولا لأزمة الحكم المستفحلة التي ظل يعيشها السودان طوال السنوات الأخيرة, وليس أدل على ذلك من ابتعاد كل القوى السياسية الأساسية عن المشاركة في مداولات الدستور وكذلك القانون المذكور. وانتهى الحسين إلى القول: يبدو ان الحكومة قد تنجح فقط في المحافظة على حلفائها الجنوبيين الذين وقعوا مها اتفاقية الخرطوم للسلام ومجموعة الهندي في الاتحادي الديمقراطي وبعض العناصر من الأحزاب الأخرى مع استمرار النهج العام السياسي والاقتصادي المتبع منذ ثماني سنوات. تجارب وتحول حقيقي إذن ما هو البديل يقول يحىى الحسين مشيرا إلى بعض التجارب: هناك أولا تجربة السودان نفسه في التحول من نظام شمولي دكتاتوري إلى نظام تعددي وديمقراطي, فقد حدث ذلك في 1964م بعد ثورة أكتوبر, وفي 1985 بعد انتفاضة مارس/أبريل.. وهذه التجارب مليئة بالدروس والعبر, وأهمها ان السودان لا يعرف حلولا وسطى بين الشمولية والديمقراطية, أما ديمقراطية كاملة أو شمولية مستبدة وذلك لأسباب متعلقة بحركته السياسية وموقعه الجغرافي وتركيبته السكانية المتنوعة, صحيح ان الظروف الآن تختلف عن 1964 و 1985, لكن ذلك لا يلغي أهم سمات ذلك التحول, وأعتقد ان ظروف الأزمة الوطنية الشاملة الجارية الآن في البلاد والمتغيرات الدولية والاقليمية تدفع في اتجاه تحول ديمقراطي حقيقي, أكثر مما حدث عام 64, و 1985م. ثانيا: هناك تجارب أفريقية وعربية ودولية معاصرة في التحول السلمي للتعددية والديمقراطية, وكلها تشير إلى ضرورة توفير البنيات الأساسية للتعددية والديمقراطية والدولة المدنية الديمقراطية. وبدون توفر هذه الشروط تتحول المسألة كلها إلى مناورات سياسية بين الطبقة الحاكمة والقوى السياسية المعارضة, وبالتالي استمرار الأزمة بشكل أوسع وأعمق. وأشير هنا باعجاب لبعض التجارب الناجحة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية, وهناك بالطبع تجارب مترددة وخجولة, لم تدفع التحول المطلوب إلي نهاياته المنطقية, كما حدث في الجزائر, الأمر الذي أدخلها في مأزق حرب أهلية مدمرة, ولا أعتقد انه يمكن تكرار تلك التجربة في السودان للأسباب التي ذكرتها. ثالثا: من تجارب السودان السابقة وتجارب البلدان المشابهة لأوضاعنا, وبحكم ظروف الأزمة الوطنية الشاملة الجارية الآن, التي أصبحت تهدد الكيان السوداني نفسه وتهدد سيادته ووحدته الوطنية, لكل ذلك أعتقد ان البديل الممكن لحالة الاستقطاب والمواجهة الراهنة وتعرض البلاد لمخاطر حقيقية يتثمل في تحول حقيقي باتجاه الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية الديمقراطية, وذلك من خلال مؤتمر دستوري وطني تشارك فيه كل القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في البلاد, وذلك بهدف مناقشة قضايا الأزمة الوطنية الراهنة والوصول فيها إلى حلول تلخص تجربة السودان خلال العقود الأربعة الماضية وتفتح الطريق لبناء سودان ديمقراطي موحد ومستقل ومتفاعل مع محيطه العربي والأفريقي. وخلص الحسين إلى القول: بدون ذلك لن نحصد سوى تصاعد الحرب الأهلية وامتدادها للشمال وتدهور الوضع الاقتصادي بشكل مريع وفقدان السيادة والوحدة الوطنية وتحول السودان إلى صومال وأفغانستان أخرى, لا قدر الله. المخرج ويعرض الحسين تصوره للمستقبل قائلا: ان الوضع لن يتغير بمجرد صدور قانون لتنظيم التوالي السياسي, ولن ينجح ذلك في منح النظام الحاكم شرعية مفقودة, ولن يعطي القوى السياسية الأخرى الفرصة للمشاركة ويحولها إلى توابع تدور في فلك حزب السلطة الممثل في المؤتمر الوطني الذي بدأ منذ فترة في ممارسة نشاطه بتمويل من خزينة الدولة ومشاركة من كل المسؤولين فيها, تماما كما كان يفعل الاتحاد الاشتراكي, ولذلك ستستمر الأزمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد وستتفاقم أزمة الحكم يوما بعد يوم, ومن هنا فإني أرى ان المدخل الوحيد للخروج من هذه الدوامة يتمثل في استعادة الديمقراطية بمعناها الشامل وليس فقط في بعض جوانبها المبتورة وفي التمسك بالوحدة الوطنية ومشاركة كل القوى السياسية والاجتماعية في الشمال والجنوب في تقرير مصير البلاد. وخلال حديثه تعرض الحسين لما يرى انها فرصا حقيقية يرى أنها كان من الممكن ان تؤدي إلى وفاق وطني لولا الانفعال الذي صاحبها من قبل الحكومة وأشار إلى قصف الشفاء الذي أدانته بعض القوى المعارضة, واعتبرته عدوانا مفضوحا وفيه خرق لسيادتنا الوطنية وللقانون الدولي. العجز والعزلة ويقول يحىى الحسين: كان يمكن للحكومة ان تفعل الكثير بدل الانفعال وتوجيه الاتهامات يمينا ويسارا وكان يمكنها ان تدخل مباشرة إلى قضايا الانفراج والوفاق الوطني والتحول الديمقراطي السلمي , وهذا ما أكدته أيضا كوارث الفيضانات والسيول التي اجتاحت البلاد في الفترة الأخيرة وهي أيضا تجربة هامة أكدت عجز الدولة عن القيام بأبسط مسؤولياتها وأكدت عزلتها عن محيطها الاقليمي وطرحت ضرورة استعادة الديمقراطية ومشاركة كل أبناء الشعب في اعادة بناء وطنهم على أسس جديدة. ويواصل الحسين حديثه مشيرا إلى قوى داخل الحكم تعرقل الوفاق والديمقراطية, قائلاً: هناك هياكل وقوى طفيلية بعيدة عن مصالح الناس في الخدمات والانتاج الحقيقي, وهذه القوى نفسها هي التي تقف حجر عثرة في طريق استعادة الديمقراطية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية, دفاعا عن مصالح حقيقية ومحدودة ومع ذلك اعتقد ان الضرورة الاجتماعية وارادة غالبية أهل السودان قادرة على فرض هذا الطريق في النهاية مهما كانت العقبات ومهما عظمت التضحيات. ضمانة المستقبل ويختم يحى الحسين كلامه بالقول : ثقتي في الديمقراطية ولأن تجارب السودان تؤكد ذلك فنحن شعب ارتبط نضاله من أجل الاستقلال بالديمقراطية والكتاب الوحيد الذي كتبه الأزهري, زعيم حركة الاستقلال كان عنوانه (الطريق إلى البرلمان) ونحن شعب متنوع اثنيا ودينيا (ليس بمعنى تعدد الأديان فقط بل أيضا بمعنى تعدد الطرق الدينية), وحركتنا السياسية تتميز بالتنوع والحيوية رغم استمرار الأنظمة العسكرية لأكثر من ثلاثين عاما من سنوات فترة ما بعد الاستقلال (42 عاما) ومشاكل السودان المتراكمة تتطلب تضافر كل القوى الخيرة في البلاد, وتجربتنا مع الأنظمة العسكرية الشمولية لم نحصد منها سوى الخراب وفقدان السيادة والوحدة الوطنية والتبعية للأجنبي, والتجارب الديمقراطية السابقة رغم قصر فتراتها وضعف أدائها العام, ستظل تؤكد ضرورة استعادة الديمقراطية وتطويرها في اتجاه ترسيخها وتوطينها في الواقع السياسي, وأنها الحلقة الشريرة التي ظلت تدور فيها بلادنا طوال سنوات ما بعد الاستقلال. قميص عامر ويقول سعد الدين أحمد العوض الذي اختير في ملتقى حركة اللجان الثورية في مارس الماضي مسؤولا للعلاقات الخارجية بالحركة والذي شهد بدايات حركة اللجان الثورية بليبيا قبل اعلانها رسميا وقبل ان تختمر كفكرة عند الليبيين تناول الموضوع رغم روابط ليبيا والحركة نفسها بحكومة الانقاذ ناقدا وناقما على فعل حكومة الانقاذ بإرثهم وفكرهم المتمثل في المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية المنبثقة عن (الكتاب الأخضر) الذي صاغه العقيد الليبي معمر القذافي وأوضح سعد الدين ان ما تقوم به الحكومة لا دخل لهم به ولا يعنيهم وذلك بقوله: نحن في حركة اللجان الثورية لا يعنينا من قريب أو بعيد الدستور ولن نشارك في صياغة قوانينه وملحقاته, لأن موقفنا من الدساتير واضح وهي تكريس لحزب أو طبقة أو فئة تستأثر بحكم الشعب وثروة الشعب لذلك لن نشارك في وضع القانون المعني. أضف إلى ذلك ان هذا الدستور يكرس رؤية أحادية لفئة واحدة دون الفئات الأخرى, بمعنى إلغاء للآخر وهو (قميص عامر) مفصل بمواصفات تشابه واضعي الدستور وتكريس الستار الواقع باستحواز تيار الإسلام السياسي على السلطة والثروة وتغييب الجماهير.. ونحن مازلنا نناضل لسيادة الشعب من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية التي أفرغت من محتواها وصودرت سلطاتها وصلاحياتها وتم نهبها بواسطة المؤتمر الوطني بذرائع غير مقنعة لنا. المتربصون هل يعني هذا انكم الآن على طرفي نقيض مع السلطة؟ يجيب سعد الدين: نحن مع وحدة التراب السوداني وسيادته واستقلاله ورفض كل صور السيطرة الأجنبية وموقفنا ثابت في مناهضة الامبريالية والصهيونية ونحن دعاة للوحدة العربية ودعاة للاتحاد الأفريقي العربي. وأضاف: نحن كتاريخ ومن خلال مؤتمر الحوار السياسي دعمنا بكل قوة تبني المؤتمر لنهج سلطة الشعب من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية, وهو ما أكده الفريق البشير في طرابلس أمام مؤتمر الشعب العام بأن يتبنى نظام المؤتمرات واللجان الشعبية ومؤتمر الشعب العام واعتبرنا ذلك الخطاب خطابا تاريخا وهو ما دفع بنا في حركة اللجان الثورية للتواجد داخل مؤتمر الحوار السياسي و الوقوف بصلابة أمام دعاة الشمولية الحزبية والطائفية, كما قمنا بتدريب قيادات وكوادر على امتداد السودان, كما نبهنا من داخل مؤتمر الحوار إلى خطورة قيام نظام ديني يتخذ من الدين ستارا لنيل دنياه. والمضحك كان وقوف أعضاء في داخل مؤتمر الحوار السياسي بقوة وتزمت أمام خيار سلطة الشعب والآن هم من قيادات الانقاذ مما يعني ان مؤتمر الحوار الوطني كان يحوي العديد من المتربصين بالسلطة بمفهومها المطلق أو المصلحي. حصان طروادة وفند سعد الدين ذلك بقوله: تم استخدام مؤتمر الحوار السياسي (كحصان طروادة) وثب الانتهازيون منه للسلطة لأن مواقفهم تجافي توجهاتهم الآن, لا نعتقد أننا على طرفي نقيض بقدر ما نواجه واقعا صعبا يتطلب منا العمل الدؤوب وتحريض الجماهير لتجاوز الأحزاب واستلام سلطتها من خلال المؤتمرات واللجان الشعبية. إلا أن مسؤول العلاقات الخارجية لحركة اللجان الثورية, يقول: وبالرغم من أننا لا ندعي ان استلام الشعب لسلطته سيكون في القريب العاجل نسبة لوجود قناعات عند آخرين, لذلك يتوجب استمرار الحوار الايجابي للخروج بالبلاد من المأزق التاريخي وتجنيبها ويلات الحرب, لأن الأولوية الآن للسلام والتنمية وفي نهاية المطاف نحن مع خيار الشعب السوداني, والذي لا يمنع أن نستمر في تحريضنا المستمر حتى النصر. هل يعني هذا أنكم ستمارسون العمل كمنبر داخل المؤتمر الوطني. ــ يجيب سعد الدين: الواقع ان تنظيم العمل السياسي يفرض علينا واقعا جديدا علينا ان نتعامل معه بمرونة حتى لا نحرم من العمل اليومي والعلني وبالتأكيد هذا يخضع للرأي الجماعي في حركة اللجان الثورية والتعامل مع الواقع المطروح من خلال ايجاد آلية للعمل تكون مقبولة لنا ولا تتعارض من أطروحاتنا. وأضاف سعد الدين: أقول ذلك ولا أستطيع الآن أن اسمي ميكانزم العمل القادم, لكن المهم ان نستحوذ على مساحة نستطيع التحرك من خلالها بحرية. صناعة أحادية وإذا لم يجد (التوالي) أي دعم فهل ستشاركون بمفردكم فيها؟ ــ رد سعد الدين: بالتأكيد لن نشارك وذلك لاعتبارات نأخذها في الحسبان فهنالك مواقف متباينة تجاه الوفاق الوطني وهنالك تيار عام يعتقد كما أسلفت أن كل الأجهزة و التكوينات السياسية وبالتالي قانون التوالي, صناعة أحادية, وبالتالي هي مرفوضة جملة وتفصيلا والمهم إذا أردنا ان نبدأ بداية صحيحة وبدون تشدد علينا جميعا ان نفكر في الصيغة المقبولة لدى الجميع ومن ثم وضع الخطوات العملية التي تحافظ على وحدة وحرية وسيادة السودان. على صعيدين وإذا لم يتم ذلك؟ ــ يقول سعد الدين حول ما ستكون عليه الأوضاع بعد أجازة التوالي: أكيد سيستمر مسلسل الحرب ومعاناة الجماهير وتفشي الفقر والجوع والمرض.. هذا على صعيد والرخاء والنماء للذين يستأثرون بالسلطة على صعيد آخر.. واستمرار هذا الواقع مؤشر لتمزق السودان وتفتيته خاصة وهنالك دوائر كثيرة لها مطامع ولها رؤى في ترتيب منطقة البحيرات وجنوب السودان, بل ربما غرب وشرق السودان أيضا. وللخروج من المأزق يرى سعد الدين ذلك بقوله: يجب ان تراعي السلطة وجود آخرين لهم نفس الحقوق في المشاركة في السلطة ويجب تجاوز وضع أطر معينة لقبول الآخر فكريا وعقائديا. الخرطوم - الصافي موسي